المحتوى الرئيسى

روعة القرآن (4)

05/28 08:03

إذن يؤكد كتاب «التصوير الفنى فى القرآن الكريم» أن للقرآن طريقة موحدة فى التعبير عن مقاصده، سواء كان هذا القصد تبشيراً أو تحذيراً، قصة وقعت فى الماضى، أو حادثاً سيقع فى المستقبل، وصفاً للحياة الدنيا أو الآخرة.. هذه الطريقة الموحدة هى تحويل (المعنى) إلى (صورة) فإذا هى تصبح واقعا أمامك. على سبيل المثال: حينما يريد القرآن أن يعبر عن «معنى» مثل (إن الكافرين لن ينالوا قبولاً من الله) فإنه لا يقولها مباشرة وإنما يحولها إلى صورة: «إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط» والجمل هو الحبل الغليظ، فيدع للذهن البشرى أن يتخيل صورة حبل غليظ لا يدخل فى فتحة الإبرة الدقيقة مهما حاولت، وبذلك يتأكد المعنى المطلوب حينما تحول من (معنى ذهنى) إلى (صورة فنية). وحينما يريد أن يعبر عن ضياع أجر الكافرين فإنه لا يقولها بطريقة تقريرية وإنما برسم صورة فنية «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ» فيدع للذهن أن يتخيل حركة الريح تذرو الرماد فيتبدد بددا. ويريد أن يقول إن الصدقة التى تُبذل رياء لا تُثمر عند الله فيصورها هكذا: «فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا»، والصفوان هو الحجر الصلب، والوابل هو الزخة من المطر، فيرسم لنا الخيال صورة حجر صلب غطته طبقة رقيقة من التراب فظُنت فيه الخصوبة، فإذا بوابل من المطر يتركه صلداً، بدلاً من أن يهيئه للخصوبة والنماء. وحين يريد أن يعبر عن بركة الصدقات التى تُبذل ابتغاء مرضاة الله يصوّرها هكذا: «كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين»، فالوابل مشترك فى الحالتين، ولكنه فى الحالة الأولى يمحق ويمحو، وفى الحالة الثانية يُربى ويُخصب. وإذا أراد أن يعبر عن معنى (الله وحده يستجيب لمن يدعوه ولا تملك الآلهة المزعومة شيئاً)، فإنه يجعله فى هذه الصورة المركبة: «والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه»، وهى صورة للحماقة فى أجلى صورها، إذ كيف تحتفظ الكف بالماء وهى مبسوطة! وإذا أراد أن يعبر عن ضياع عمل المشركين لم يقلها مباشرة، وإنما قال: «ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكانٍ سحيق». وقس على ذلك القرآن كله فيما عدا التشريع، فهو لا يكتفى بذكر المعنى الذى يريده بل يجعله فى صورة مجسمة مرسومة. ولعل الإنسان العادى يشعر بروعة القرآن دون أن يلمّ بكل هذه النظريات، لكن لا شك أن إحساسنا بروعته سيتضاعف إذا استطعنا أن نضع أيدينا على مفاتيح بلاغته، فنتذوقه ونتفاعل معه ونتشرب جماله وبلاغته. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل