المحتوى الرئيسى

صنعوا الاستبداد.. ثم أيدوا الثورات.. فما الفصل الثالث؟

05/28 04:11

زين العابدين الركابي لا ندري من المشير الذي يشير على الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يتخذ قراراته، ويلقي خطاباته، ويختار عباراته، ولكنا نعلم أن الرجل ليس محظوظا ولا حكيما في قراراته وخطاباته (مع أنه كان من المتعين عليه أن يستفيد من عثرات سلفه جورج بوش الابن الذي اشتهر بنزقه في التفكير والتعبير).. مما جلب على أميركا المزيد من سوء الصورة والسمعة. ادعى أوباما فقال: «إن الأمم المتحدة لا تنشئ الدول»: إشارة إلى المساعي الفلسطينية الرامية إلى اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية في دورتها السنوية المقبلة (سبتمبر المقبل).. وهذا خداع - بتعبير لطيف -، وكذب صريح - بتعبير صريح - بدليل أن إسرائيل نفسها أنشأتها الأمم المتحدة. وكان لأميركا - بالذات - دور ظلوم ومريب وغير أخلاقي في هذه النشأة الباطلة.. يقول الكاتب الأميركي القدير - والجريء - بنيامين فريدمان: «حين حان وقت التصويت على دخول إسرائيل للأمم المتحدة، اكتشفت إسرائيل أن خطتها لهذا الانضمام توشك أن تفشل بعدما تبين أنها في حاجة إلى صوتين كي تنجح. وهنا سارع يهود نيويورك إلى الضغط على الإدارة الأميركية وكنائس معينة لأجل حمل دول في أميركا اللاتينية ورشوة بعضها بالمال بهدف التخلي عن معارضتها لقيام انضمام إسرائيل للأمم المتحدة.. وقد تم ذلك بجهود أميركية شديدة الضغط».. وبناء على دعوى أوباما: أن الدول لا تنشئها الأمم المتحدة: يتوجب إلغاء دولة إسرائيل التي استمدت شرعية قيامها من الأمم المتحدة.. ما هذا التلاعب في مقولة أوباما: إن الدول لا تنشئها الأمم المتحدة؟ وما علته؟.. هل العلة هي فقدان الذاكرة؟.. أو الفكر «المفتت» العاجز عن تكوين «رؤية متماسكة للأمور»؟.. أو «الانفصام الأخلاقي» الذي يجبر صاحبه على التناقض الحاد في مواقف متماثلة؟.. أو الخضوع السياسي المطلق لأهواء الصهيونية وأجندتها، ولا سيما أن أبواب المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة قد فتحت، إذ من المعروف دور يهود أميركا في مثل هذه الانتخابات.. ولكن أليس معيبا - إلى درجة الاشمئزاز - أن تكون حفنة من الأصوات الانتخابية أداة لإخضاع رجل يتولى مقاليد أقوى دولة في العالم، وزعيمة العالم الحر، كما يقال؟ ثم أليس طعنا في الديمقراطية ذاتها أن تكون مصائر الشعوب (مثل الشعب الفلسطيني) أوراقا للمضاربات السياسية في أسواق الانتخابات الأميركية؟ وما مفهوم الفساد - على الحقيقة - إن لم تكن هذه المضاربات: فسادا سياسيا وأخلاقيا غليظا؟ وبمناسبة الحديث عن الديمقراطية، خصص أوباما فقرات طويلة من خطابه عن الديمقراطية في الوطن العربي. وفي هذا السياق مجّد - بحماسة - الثورات العربية. ولقد توقعنا في مقال سابق أن يستغل المرشحون الأميركيون هذه الانتفاضات أو الثورات العربية وكأنها تأثير من تأثيراتهم؟! ولم تك هذه التوقعات «نبوءات»، وإنما هي قراءات تأملية في طرائق التفكير الأميركية. يضاف إلى ذلك أن الحزبين فشلا في تحقيق أي إنجاز جدي على المستوى المحلي أو الوطني الداخلي.. فالمديونية تجاوزت 12 تريليون دولار.. والبطالة لا تزال متفشية.. والقدرة على الإنعاش الاقتصادي العام - بوجه عام - لا تزال أقل من متواضعة. ومن هنا وُظّف قتل بن لادن في الأجندات الانتخابية، كما وظفت الثورات التي حدثت في الوطن العربي. والمحاولة الأميركية في احتواء أو «أمركة» الثورات العربية هي «الفصل الثاني» من مسرحية أميركا في التعامل مع الوطن العربي والعالم الإسلامي في الستين سنة الأخيرة. كان الفصل الأول هو: صناعة الأنظمة الاستبدادية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية.. ولقد استمر الأميركيون يدعمون هذه الأنظمة المستبدة ويتعاملون معها عقودا كثيرة في عشرات البلدان العربية والإسلامية وغيرها، مع السماح لهذه الأنظمة بشتم أميركا بهدف «التجميل المتبادل» لأميركا وحلفائها المستبدين.. أما تجميل وجه أميركا فيتمثل في إيهام الشعب الأميركي بأن حكوماته لا تدعم الاستبداد.. وأما تجميل وجه المستبدين فيتمثل في إضفاء مسحة من البطولة و«الاستقلال» على سلوك هؤلاء المستبدين، بمعنى أنهم شجعان أحرار في مواجهة أميركا وشتمها «!!!!».. ولقد اعترف الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون بذلك، أي بالسماح لهؤلاء المستبدين بشتم أميركا فقال: «كنا نعاني حرجا من ذلك أمام الشعب الأميركي من حيث أن هذا الشعب يضجر من تقديم أميركا معونات لزعماء يشتمونها، بيد أننا كنا نتحمل هذا الحرج لأننا لا نستطيع البوح بأن هذا الشتم بموافقتنا وإرادتنا وهي إرادة تجميل وجوه أولئك الزعماء المستبدين أمام شعوبهم»!! وإذا كان الأميركيون اليوم يزعمون انحيازهم إلى الشعوب والتجاوب مع تطلعاتها، فإن من صميم تطلعات هذه الشعوب أن «تعتذر» أميركا للشعوب عن تورطها في دعم المستبدين بها عقودا متتابعة، وهي عقود ذاقت فيها تلك الشعوب من القهر والذل والكبت والقمع ما لا يطاق.. ولعل مطلب الاعتذار يقترن بمطلب التعويض.. يُضم إلى هذه النقطة ما هو من جنسها ومضمونها وهو: أن الشعب الفلسطيني «جزء أصيل» من شعوب المنطقة، ولهذا الشعب تطلعاته المشروعة وهي: تحرير أرضه من المحتل الصهيوني.. وعودته المشروعة إلى هذه الأرض بموجب قرار الأمم المتحدة.. وتقرير مصيره.. وإقامة دولته الحرة المستقلة وعاصمتها القدس.. إلا أنه لا معنى ولا قيمة - قط - لعبارة «تطلعات الشعوب» في حال إهمال تطلعات الشعب الفلسطيني هذه، بل تصبح حكاية تطلعات الشعوب مجرد شعر جميل كالذي نثره أوباما في القاهرة منذ عامين.. ثم تبخر بددا. ذلك هو الفصل الأول من المسرحية الأميركية في التعامل مع الوطن العربي: «صناعة الاستبداد ودعمه». الفصل الثاني هو الذي نشاهده اليوم متمثلا في الحراك الأميركي النشط للتعامل مع «مرحلة ما بعد الاستبداد».. في خطابه في 20/5/2011 قال باراك أوباما: «أريد اليوم أن أتحدث عن التغيير، والكيفية التي نتمكن بها من الاستجابة بطريقة تدفع قيمنا إلى الأمام».. ولنحسن الظن - بادئ ذي بدء - فنفسر «القيم» بأنها قيم الحرية والعدالة والكرامة: لا قيم دعم الاستبداد، والتأييد المطلق لمظالم الصهيونية وعدوانيتها وأطماعها.. وبإحسان الظن في فهم القيم التي قصدها أوباما، فإننا نقول له: إن القيم ليست مجرد كلمات تقال بل هي مواقف ملموسة، ومسالك مشاهدة.. وبهذا المقياس يمكن القول: إن الولايات المتحدة أعلى الناس صوتا بالحديث عن القيم، ولكن أفعالها تتناقض مع هذا الصوت العالي.. وهذه هي الأزمة الأميركية الحقيقية التي يتوجب على أوباما أن يعالجها، قبل أن «يعظ» الناس بالقيم.. من القائل: «نشكر الله أن القنبلة الذرية كانت بملكنا ولم تكن بملك خصومنا، ونصلي لله كي يرشدنا لاستخدامها في سبيله وأغراضه».. مَنْ صاحب هذه الكلمة التي تربط شكر الله والإيمان به بإبادة البشر بالقنابل الذرية!!، وأن هذه الإبادة «في سبيل الله»؟!.. إنه الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان.. أي قيم في مثل هذا التوحش باسم الدين؟ كأن ترومان يقول: إننا نتقرب إلى الله بالكفر به وإبادة عباده! أما الفصل الثالث في هذه المسرحية فإن مفتاحه سؤال هو: لنفترض أن الثورات العربية اختطت استراتيجية حقيقية تقوم على الحرية وإرادة الشعوب وخياراتها وأن هذه الاستراتيجية رفضت «الوصاية الأميركية الحضارية» ورفضت أنانية رأسماليتها وفسادها، ورفضت ربط مصالح أميركا بتنفيذ الأجندة الصهيونية، فماذا سيكون موقف أميركا تجاه هذه الثورات التي اتخذت هذه المواقف «الحرة»؟. هل تتعامل معها باحترام وندية متخلية عن استعلائها ووصايتها ومتحررة من الضغوط الصهيونية التي كثيرا ما تلغي الإرادة الوطنية الأميركية؟.. أو هل ستنقلب على هذه الثورات، وتختار من جديد: صناعة أنظمة مستبدة جديدة. لقد لعبت أميركا مع الاستبداد، ولعبت مع الديمقراطيات، ولعبت مع الإرهاب. وها هي اليوم تلعب مع الثورات أو الانتفاضات العربية.. ثم.. ثم ما هو الفصل التالي الذي سيشهده المسرح أو الملعب؟.. هذا على افتراض أن أميركا ستحتفظ بمكانتها الراهنة في العقود المقبلة. *نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل