المحتوى الرئيسى

ما زال الحلم بالعودة ( مبعدي كنيسة المهد ) بقلم:آمال أبو خديجة

05/27 19:21

ما زال الحلم بالعودة لمبعدي كنيسة المهد ما زالت الأيام تمضي مع اعتصارها لأهات المبعدين وأهليهم، وما زالت العيون ترمق النظر الطويل، مع تحقق الأمل القريب، بالعودة ولملمت القلوب، وما زال المبعدين مشردين في ديار غير ديارهم، وبيوتا ليست بيوتهم، ووجوها غريبة لا تعرفهم ولم يعرفوها، ما زالت الخطوات تمشي بهم، وهي تتراجع للوراء بحلم العودة، والسكن بين ربوع الأهل والديار، ما زالت الذاكرة ترسم كل ليلة، صورة المجلس الأخير بين الأهل، وفي ساحة البيت قبل الرحيل، ما زالت الصورة أمام العيون، لذاك الشارع وتلك الحارة التي تربينا فيها، وتراكضنا بين أزقتها مع أولاد الجيران والأصحاب، ما زالت الذاكرة تدور كشريط لا ينتهي، فلا تكاد تنسى شيئا، حتى ذلك الدكان الصغير، عند زاوية الشارع الذي تسارعنا فيه الخطى، لأجل الحصول على حبة حلوى، وذلك البائع المتجول في الحارات، فيسارع الأطفال متسابقين لتلتف حلقة حول عربته، فهذه لحظات من ذاكرة الطفولة حتى الإبعاد عن تلك البقاع، ما مُحي ولا نُسي منها شيء، بل أصبحت تدور دون انتهاء، كأن شعور الاغتراب والإبعاد جعلها لا تقف للحظة عن الدوران . ومع لحظة تفكر بعيده، وسفر طويل مع الأيام، واستغراق النفس في تساؤلات غريبة مع الذات، فتدور في الفراغ هناك تساؤلات طويلة، ليس لها معنى، سوى أن الاحتلال والظلم من كان وراء كل تلك المعاناة، فيجلس ذلك الغريب يحاكي النفس ويسائلها، ما بالك يا نفس لا تتذوقين للطعام طعم ولا لون، مع عشرة الاغتراب، وما بال الأيام تمضي كأنها السنون، وما بال القلب حزينا، وما عادت السعادة تعرف لها عنوان، ولا تطرق الأبواب، ما بال صورة الأهل المعلقة على الجدران، لا تفارق تلك النظرات، ما بال الدمعة لا تنحصر عن السقوط والجريان، ما بال الليل ببرده يزداد طولا ولا ينحصر عن الدوران، وما بال الصمت يطول، ولا تكاد تسمع همسا يحرك ضمائر النيام، ما بال جمال الطبيعة وزينتها ليس لها معنى ولا انتماء، في بلاد ليست هي العنوان، وإنما الحنين يطير مُهديا، على أغصان تتراقص من اللوز والزيتون والرمان، فهذه هويتي وانتمائي . كم تتنهد النفس بالآهات، وكم تتذوق الحسرات، بحلم عودة أنهكتنا به الأيام، وأصبح السعي إليه جهادا، رغم أنه الحق الذي لا يغيب، كم اشتقنا لأطفالنا لضمة على الصدر، لسماع تلك الأنفاس الصغيرة، وتقبيل تلك الأيادي الناعمة الرقيقة، كم اشتقنا لقبلات على جبين الوالدين قبل الفراق، رغم أن الكثير قد فارق الحياة قبل اللقاء، كم نحلم بلقاء الزوجة الحبيبة التي صارعت الأيام وحيدة، كم نحلم بلقاء الأصدقاء والأحباب، كم نحلم بضمة للتراب والأرض، واستنشاق رشفة من هواء، أو رشفة من فنجان قهوة، من إبريق أسود على الجمرات . تتصاعد الأنفاس بصدر ضاق من الفراق، ويسجى الجسد على خشونة الفراش، ويتقلب البدن في الليالي الطوال، ذات اليمن وذات الشمال، وتذبل العيون من شدة سهرها، لترقب الذكريات، ويطير النوم مسافرا، ليستيقظ مع ضحكات الأطفال والآباء، ويزداد الجسد لوعة مع زيادة الاشتياق، ولكن الواقع أننا هنا، في عالم الاغتراب والإبعاد، تتصاعد أنفاسنا مع هواء ليس كهواء البلاد، ولا نقيا بنقاوة الأرض الخضراء، والبساتين المحيطة، بسنابل القمح الصفراء . فهذه صورة لقليل من معاناة المبعدين، ظلما وقصرا عن الأوطان، ومن كان الوعد معهم أن لا يطول الفراق، وأن تكون العودة بعد أيام معدودات، لكن الأيام مضت، لتصبح سنين ليست بالحسبان، وها هو الزمن يلف ويدور، وما لاح بالأفق بارقة أمل بقرب الرجوع، لكن الأمل يبقى في النفوس، وقوة الإيمان التي لا تفارق الخيال، و تشد العضد وتثبت الأقدام، وتزيد النفس والروح إيمانا ويقينا، بقرب تحقق حلم العودة . فالإبعاد وحده ليس هو المأساة، بل أن يحقق العدو الصهيوني مطامعه، في أن يشتت الأسرة الفلسطينية، وأن يعيش أفراد الشعب مع الألم والمعاناة، فهذا ما يرجوه ذلك الاحتلال، فيسعى الاحتلال الغاشم أن يهدم بناء وحدة المجتمع الفلسطيني، للسيطرة على ما بقي من الأرض، وغرسها بأبنية الاستيطان والمستوطنين، فكان الإبعاد القصري لأفراد المجتمع الفلسطيني، مطمعا أن يحقق لهم مآربهم، فكانت الأسرة الفلسطينية عمود البناء للمجتمع، أكثر من يتعرض للإيذاء ومحاولة التشتيت والتشريد، فحظيت أسر المبعدين بمعاناة كبيرة، لا تقل عن معاناة المبعدين أنفسهم ، بل هي من لب معاناتهم، ومتعايشة مع نزعات قلوبهم . فها هن زوجات المبعدين، أُرهقت قلوبهن شوقا لأزواجهن، وأتعبت أجسادهن من كثرة التنقل والمسؤوليات، وها هن يسافرن شرقا وغربا، ليحاولن أن يجدن من ينصف قضية أزواجهن، فيطرقن كل باب يجدن فيه إشراقه أمل للنجاة، وها هن يُثبتن وجودهن، ويضعن قضية أزواجهن المبعدين، أمام أعين الناظرين، ويسعين أن يجعلنها قضية من قضايا فلسطين الأولى، وها هن يحركن فعاليات عديدة، من أجل أن تحيى القضية التي كادت أن تمحُها الأيام، فشكلت حملة وطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد ( أحياء )، من قبل زوجات وأهالي المبعدين، بل ومن المبعدين أنفسهم، كي تعيد للأذهان والقلوب القضية التي غفل عنها الكثير، وليبدأ الحراك الجمعي لأجل إنصافهم، وإعادتهم لأهلهم وديارهم وأحبتهم، والعمل على تضميم جراحهم، وإعادة الأمل إلى نفوسهم، لذا فمن واجب المجتمع بأفراده ومؤسساته، أن يتحرك لأجل نصرة هذه القضية، والعمل على الكفاح، لأجل المسارعة في التخفيف عن المبعدين وأسرهم، والعمل على إعادتهم لوطنهم وديارهم، كما من الواجب على الجميع، أن ينشر الوعي حول قضيتهم، لأنها ليست مقصورة على هؤلاء المبعدين، بل هي حلقة مستمرة، من حلقات العدوان على الشعب الفلسطيني، الذي لا تقف عجلتها منذ بدء الاحتلال لفلسطين، كما من واجب مؤسسات المجتمع، أن تقدم المساندة والدعم المعنوي والمادي، لأجل تحسين ظروف عائلاتهم، والعمل على احتضان أطفالهم، وإدماجهم في فعاليات تربوية وثقافية وغيرها من فعاليات المجتمع، ولا يقتصر ذلك على أطفال وأسر المبعدين، بل يجب أن يكون ذلك، إلى جانب عائلات الأسرى والجرحى والشهداء، وغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني، فهذا واجب وطني كبير، يجب أن يؤدى باستمرار لكل مناضلي فلسطين . لقد سعت وزارة الأوقاف بجهدها المشكور، لدعم ومساندة المبعدين، من خلال حفل تكريم أهليهم، تحت رعاية الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد ( أحياء )، فكان ذلك بمثابة دعم معنوي كبير للمبعدين وأهليهم، وكان لذلك العمل أن زرع في النفس التفاؤل والأمل، فيخرج النفس من وحدتها وشعورها بوحدة الاغتراب ، فبعد أن باتت الغفلة طويلة، بدأت المشاعر والأعمال تتحرك لأجلهم، مما سيكون لذلك أثرا عظيما على نفسية المبعدين وأسرهم، ولكن ذلك ليس بالحراك والحجم المطلوب، الذي يحلم به المبعدين وأهليهم، كي تُفعل قضيتهم وينادى بها في كافة الميادين، فلا بد أن يُصبح الحراك الشعبي والرسمي والدولي، ليصل إلى المحاكم الدولية، والأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرها من المؤسسات الدولية، كي يُسارع في إنصاف هؤلاء المبعدين وحمايتهم مما وقع عليهم من ظلم، وكي يصبح هناك حماية قانونية دولية وإقليمية، تحمي الفلسطينيين من تكرار ذلك الأمر، وخاصة أن نصوص القوانين الدولية تُحرم وتُجرم كل مُحتل يقوم بالإبعاد والتهجير ألقصري لأبناء البلد المعتدى عليه من الاحتلال، ولكن الكيان الصهيوني لم يراعي لا حقوق ولا قوانين ولا مواثيق دولية، في عدوانه المستمر، وكل غايته أن يخرج الشعب الفلسطيني من أرضه، ويرسم عليها هويته الزائفة، ووجوده الموهوم . الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنسية المهد ( أحياء ) آمال أبو خديجة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل