المحتوى الرئيسى

سيِّد نتنياهو.. اسْمَعْ ما سأقول!بقلم:جواد البشيتي

05/27 18:51

سيِّد نتنياهو.. اسْمَعْ ما سأقول! جواد البشيتي وامتطى نتنياهو الكونغرس إذ اعتلى منصته ليخطب في ممثِّلي شعب عظيم؛ لكنَّهم، وعلى ما أثبتوا، من خلال الإفراط في تصفيقهم ووقوفهم.. وتصديقهم، يفتقرون إلى القيم والمبادئ الفكرية العظيمة للقرن الحادي والعشرين؛ وكأنَّ الأوهام التلمودية اتَّخّذت لها مقرَّاً فيهم وفي مبناهم. سيِّد نتنياهو أُهنِّئكَ؛ لقد كنتَ خطيباً مُقْنِعاً؛ لكن، لِمَنْ؟ لأناسٍ أقْرب، في فكرهم وطريقتهم في التفكير، إلى الكهانة منهم إلى السياسة، صدورهم واسعة، آفاقهم ضيِّقة، لا يملكون من "العِلْم" ما يكفيهم شرَّ تصديق الأوهام الدينية التلمودية على أنَّها حقائق لا ريب فيها. لقد جئت إليهم حاملاً على ظهركَ أسفاراً؛ ثمَّ تناولتَ منها "سفر التكوين"، لتتلوه على مسامعهم؛ فإنَّ "قصة الخلق (الربَّاني) لإسرائيل" هي آخر جزء من القصة الأُم، قصة الخلق التوراتية للسماوات والأرض. كان عرشه على الماء، ثمَّ..، ثمَّ..، ثمَّ..، ثمَّ ظَهَر له؛ لقد ظهر الرَّب للزعيم القَبَلي لبني إسرائيل، ليخاطبه قائلاً: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ". سيِّد نتنياهو، إنَّني لا أدعوك (فأنا لستُ من أبناء الوهم) إلى أنْ تُصدِّق أنَّ 1+1=2، لا "قِرْد"، فأنتَ (مع دولتك، دولة المكرمة الإلهية) لديكَ من المصالح (الواقعية لا الوهمية) ما يَحْمِلك على مناصبة هذه البديهية العداء إنْ تعارضت معها؛ إنَّما أدعوك فحسب إلى أنْ نتَّفِق على هذا المبتدأ لـ "روايتك التاريخية" التي أشْهدتَّ "التاريخ" على أنَّها رواية صائبة صادقة لا زيف فيها. لو سُئلت، يا سيِّد نتنياهو، عن "شرعية" دولة بني إسرائيل لأجبت على البديهة قائلاً إنَّ "السماء" هي التي منها اسْتُمِدت (أوَّلاً) هذه الشرعية؛ فـ "خطاب" الرَّب، أو "وعده"، كان أوَّلاً؛ ثمَّ جاء خطاب بلفور، أو وعده، ثمَّ جاء قرار الأمم المتحدة الرقم 181، ثمَّ جاءت "رسالة الضمانات". إنَّ "خطاب الرَّب" هو حجر الأساس في بنية "روايتك التاريخية" المقُنِعة للأغبياء من بشر القرن الحادي والعشرين؛ وإنِّي لأدعوك إلى "الممكن" وهو أنْ يتَّسِع صدرك لِمَا سأقول في "روايتي المضادة"؛ فإنَّ المستحيل بعينه أنْ يتَّسِع أٌفقك. وأنتَ تروي لنا، يا سيِّد نتنياهو، وكأنَّنا قوم من الأغبياء، قصة "السماء وأرض الميعاد" إنَّما ينقصكَ شيء واحد هو أنْ تتحلَّى بفضيلة "الشكَّ الديكارتي"؛ فافْتَرِض (أقول "افْتَرِضْ"؛ لعلَّ تحلِّيك بهذه الفضيلة يقودكَ إلى شيء من اليقين) أنَّ هذا "الرَّب"، الذي "ظَهَر" لزعيم عشائر بني إسرائيل، وخاطبه، ووعده، كان كالعنقاء (أو الغول، أو الخل الوفي) لجهة وجوده، وأنَّ زعميكم القبلي المبجَّل ذاك كان دجَّالاً، أنشأ لكم واخترع (لغاية في نفسه) تلك القصة، مستمِدَّاً بعض عناصرها من أساطير أُمَمٍ أخرى؛ فهل تظل، عندئذٍ، مؤمِناً هذا الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بـ "الوعد الرَّباني"، وبشرعية إسرائيل المستمدَّة من "السماء"؟! شِكْ ولو قليلاً في هذا الذي تعتده "مسلَّمة"، على ما يفتقر إليه من أدلة الإثبات؛ فإنَّ من السُّخف بمكان أنْ نتَّخِذ من أمْرٍ يحتاج إلى الإثبات "مُسلَّمة"، ثمَّ نُثْبِت بها، أو ننفي، أموراً أخرى! سيِّد نتنياهو، ارْأَفْ بعقول أبناء القرن الحادي والعشرين، ولا تحاوِل أنْ تُنزِّه زعيمكم القبلي الأقدم عن التَّدجيل؛ فإنَّ لكَ في قصة دجَّال القرن الحادي والعشرين جورج بوش ما ينبغي له أنْ يكفيك شر هذه المحاولة؛ أوَلَم يزعم هذا الرَّجُل، الذي على يديه "تَصَهْين" الرَّب بعد "تهويد"، أنَّه "كليم الرَّب" في القرن الحادي والعشرين، وأنَّه يمت بصلة قربى، أو بصلة الرَّحم، إلى السماء، أو الرَّب، وأنَّه وحيٌ يوحى في ما يُقرِّر؟! مَنْ هُمْ حوله، أدخلوا في روعه أنَّ روح القدس نفثت في روعه أنَّ الرَّب هو الذي يلهمه الرأي والقرار؛ فكان "الخبر السيئ" أنَّ الرَّب أمر "المولود الجديد"، أي جورج بوش، الذي انتمى إلى كنيسة الإنجيليين سنة 1985 بعدما قضى الشباب من عمره في أعمال تُغضِب الرَّب كمثل معاقرة الخمر، بـ "فتح" أفغانستان والعراق، واستئصال شأفة الطغيان فيهما. و"الخبر الجيد" هو أنَّ الرَّب أمره بأن يقيم للفلسطينيين دولة في جزء من "أرض الميعاد"، فـ "نزلت" تلك "الخطة"، التي توهمنا أنها من تدبير اللجنة الدولية الرباعية، والمسماة "خريطة الطريق"! "الرئيس" قال، ذات يومٍ، إنَّ "الرَّب" خاطبه قائلا: "جورج إنْهِ الطغيان في أفغانستان والعراق، وأَقِمْ للفلسطينيين دولة، واحْفَظ للإسرائيليين أمنهم"، فأجابه "المأمور" قائلا: "إنِّي لفاعلها". وكشف "الرئيس" أنَّ "الرَّب" كلمه عن "السلام في الشرق الأوسط"، وأهمية تحقيقه. على أنَّ "الرئيس" أوضح أنَّه "لا يستخدم الإرادة الإلهية في تبرير القرارات (السياسية) التي يتَّخذها"، ويحاول، فحسب، أن يكون "رسولاً ينفِّذ إرادة الرَّب". كان الرئيس بوش يَرْقُب نهاية العالم كمثل من يرقب سقوط السماء على الأرض؛ لكنَّه لفرط إيمانه لا يرقبها في سلبيةٍ، فهو، وبعدما حرَّر عقله من قيود المنطق والتفكير السوي، آمَنَ بأنَّ السماء قد وقع اختيارها عليه من أجل التعجيل في عودة المسيح على ظهر غمامة. لقد حار "المولود الجديد" في الطريقة التي ينبغي له اتباعها في سبيل تسريع تلك العودة، ومعها نهاية العالم، فهمسوا في أذنه قائلين إنَّ المسيح يشترط لعودته هدم الحرم القدسي، وإعادة بناء الهيكل على أنقاضه ومكانه، فما كان منه، وهو الذي اهتدى بعد طول ضلال، إلاَّ أن شرع يلبِّي هذا الشرط السماوي. سيِّد نتنياهو، إنَّ لكَ، ولو لم تكن من ذوي الألباب، في تجربة "ابن السماء" جورج بوش ما ينبغي له أنْ يعينك على "حلٍّ الُّلغز"؛ فالذي ظَهَرَ لزعميكم القبلي الأقدم لم يَظْهَر، ولم يُخاطبه، أو يَعِده، من ثمَّ؛ فابْحَث عن "الحقيقة" في جُثَّته، أو رفاته، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؛ وإنَّه لَـ "وَعْدٌ" كالعهن المنفوش إذا ما تبيَّن لك، واتضح، أنَّ زعميكم "الموعود (أي الذي وُعِد)" هو نفسه "الواعِد (أي صاحب الوعد)". سيِّد نتنياهو، بوركت إذ شَنَّفْتَ آذان مستمعيك بكلامك عن "أرض الميعاد"، وعن "وطن الأجداد"، و"الوطن القومي التاريخي للشعب اليهودي"، وعن "التنازل المؤلم (لكَ) عن جزء (عزيز) من هذا الوطن للشعب الفلسطيني (الذي سكنه من غير وجه حق)"، وعن "التاريخ المشوَّه، وغير المشوَّه"، وعن "الشعب اليهودي الذي لم يكن بعودته إلى موطنه مُحْتَلاًّ أجنبياً كالمُحْتَل البريطاني للهند والبلجيكي للكونغو"؛ لكنْ عُدْ إلى خرافة "الوعد" و"أرض الميعاد"، وتأمَّل. أين كان زعميكم القبلي الأقدم، زعيم عشائر بني إسرائيل، وأين كانوا هُمْ أيضاً، عندما ظَهَرَ "الرَّبُّ" له، على ما جاء في "سِفْر التكوين"، ليُخاطبه قائلاً: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ"؟ إنَّه (مع قومه) لم يكن في فلسطين، التي كان فيها الكنعانيون، والتي كانت، حتى في أسفاركم، "أرض كنعان". إنَّ موطن أجدادكم الحقيقي هو نفسه المكان الذي فيه ظَهَر "الرَّب" لزعيمكم الأقدم، لِيَعِدَهُ، على ما زعم وزعمتم من بعده، بجعل "أرض كنعان" لكم. زعيمكم ذاك، مع قومه، لم يكن موجوداً في "أرض كنعان" عندما وعده "الرَّب" بجعلها مُلْكاً له ولنسله. لقد كان "هناك"، في موطنه الحقيقي الأصلي؛ أمَّا "هنا"، أي في "أرض كنعان"، فكان مالكها الشرعي الحقيقي الأصلي؛ ولقد أصبحت ("أرض كنعان") لجهة صلتها بأجدادكم كالهند لجهة صلتها بالمُحْتل البريطاني، وكالكونغو لجهة صلتها بالمُحْتَل البلجيكي. إذا غسلتم عقولكم من الأوهام الدينية التلمودية، وسمحتم للفكر الذي يضرب جذوره عميقاً في "الأرض" لا في "السماء" بأنْ يستوطنها، فإنَّكم، عندئذٍ، ستعترفون بأنَّ فلسطين كانت لغيركم (كانت للكنعانيين) ولم تكن لكم؛ لكنَّكم (أي أجدادكم) تركتم موطنكم الأصلي الحقيقي، وجئتم إلى فلسطين غزاةً (مستذرعين بـ "الوعد الرَّباني"). سيِّد نتنياهو، دَعْنا الآن ننتقل بصحبتك إلى عالم السياسة. لقد قُلْتَ في الكونغرس: "إنَّني وقفتُ أمام شعبي، وقلت له، مع أنَّ الأمر لم يكن سهلاً عليَّ، إنَّني سأقبل دولة فلسطينية؛ ولقد حان للرئيس عباس أنْ يحذو حذوي، ويقول لشعبه إنَّه سيقبل دولة يهودية. إنَّها ستُّ كلمات لو نطق بها الرئيس عباس لتغيَّر التاريخ..". حسناً، سيِّد نتنياهو، دَعْني أفْتَرِض أنَّ الرئيس عباس قد نطق بتلك الكلمات (السِّحرية) السِّت. دَعْني أقول إنَّ الرئيس عباس قال إنَّه يقبل دولة يهودية كما (وانتبه لـ "كما") قَبِلْتَ أنتَ دولة فلسطينية؛ فهل سترى التاريخ تغيَّر؟! الرئيس عباس قد يقول لك "إنَّني أقبل دولة يهودية؛ لأنَّني أقبل قرار الأمم المتحدة الرَّقم 181، والذي فيه فحسب تعيَّنت تلك الدولة، مساحةً وحدوداً؛ وإنَّني أقبل دولة يهودية في جزء من الوطن التاريخي لأجدادنا، تنازلنا عنه (ونحن نتألَّم) لشعبٍ يسكن الآن فلسطين من غير وجه حق". لا تَعْتَرِض قائلاً إنَّ على الرئيس عباس أنْ يقبل الدولة اليهودية بحدودها التي تريدها أنتَ؛ فأنتَ أوَّلاً لم تقبل الدولة الفلسطينية بحدودها التي يريدها عباس، كما أنَّك قُلْت بالتفاوض طريقاً (وحيدةً) لحلٍّ نهائي لمشكلة الحدود بين الدولتين. إنَّ عليكَ أنْ تقبل دولة فلسطينية بحدودها كما وَرَدت في "قرار التقسيم"، فيَعِدُك الرئيس عباس، عندئذٍ، بعدم عودة أي لاجئ فلسطيني إلى هذا الإقليم للدولة اليهودية، أو أنْ تقبل دولة فلسطينية بحدود الرابع من حزيران 1967؛ لكن من غير أنْ يتخلَّى اللاجئون الفلسطينيون عن حقِّهم في العودة إلى حيث كانوا قبل حرب 1948. هذه هي الكلمات التي إنْ نَطَقْتَ بها تغيَّر التاريخ. عملاً بـ "الشرعية الدولية"، وامتثالاً لقرارات الأمم المتحدة، لا يجوز للفلسطينيين أمران: أن يعترفوا بدولة إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967، فإسرائيل المعترَف بها دولياً هي التي لا تتخطَّى في حدودها حدود قرار الأمم المتحدة الرقم 181، وأن يعترفوا بإسرائيل هذه (أي إسرائيل بحدودها ما بين حربي 1948 و1967) على أنَّها "دولة يهودية"، أي دولة تخصُّ "الشعب اليهودي" وحده. إنَّ "خطوط الهدنة"، أو "خطوط الرابع من حزيران (1967)"، ليست بالحدود (الإسرائيلية) المعترَف بها دولياً؛ وليست، من ثمَّ، بالحدود التي يحقُّ للمتحدِّثين باسم "الشرعية الدولة" دعوة الفلسطينيين إلى الاعتراف بها على أنَّها حدود سياسية دائمة لدولة إسرائيل. لقد قنط نتنياهو من الجهود المضنية التي بذلها علماء الآثار الإسرائيليون (منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية) لإثبات أنَّ لـ "الشعب اليهودي" حقَّاً دينياً وتاريخياً في أرض فلسطين، وفي "العاصمة الموحَّدة الأبدية" على وجه الخصوص. ولا شكَّ في أنَّ "النتائج" قد ذهبت بأوهامه التلمودية إذ أكَّد علماء آثار يهود، بعد البحث والحفر والتنقيب في "مدينة داود" في حيِّ سلوان في القدس الشرقية، أنْ لا شيء هناك يدلُّ على أنَّ داود كان له قصراً، حيث بحثوا وحفروا ونقَّبوا، أو أنَّ ذلك المكان عَرَف داود، أو عرفه داود. وأخصُّ بالذِّكْر من هؤلاء المحاضِر في جامعة تل أبيب رافاييل جرينبرج، الذي قال "لم نعثر على شيء"، وعالم الآثار في الجامعة نفسها البرفيسور إسرائيل فنكلشتاين الذي قال "هؤلاء يخلطون الدين بالعلم.. المنظَّمات اليهودية اليمينية المتطرفة (كجمعية "إيلعاد") لم تعثر على قطعة أثرية واحدة من قصر النبي داود"، وعالم الآثار المستقل البروفيسور يوني مزراحي الذي قال لم نعثر على لافتة مكتوب عليها "مرحباً بكم في قصر داود"! ولقد أنكر أبناء الأوهام التلمودية ما يشبه بديهية هندسية إذ رفضوا تصديق ما أتاهم به علم التاريخ، وعلم الآثار، من أدلة مفحمة على أنَّ الحرم الإبراهيمي في الخليل لا يضم رفات "إبرام العبراني". "كذبةٌ تاريخية (وقانونية) كبرى" أن يزعم الفلسطينيون، الذين عاشوا في أرض فلسطين كلها، عيشاً متَّصِلاً، قروناً من الزمان، أنَّ لهم حقَّاً قومياً وتاريخياً في فلسطين؛ و"فضيلةٌ كبرى" أن يعترف الفلسطينيون بأنَّ زعمهم هذا كان "كذبة كبرى" من خلال اعترافهم بإسرائيل على أنَّها دولة تخصُّ "الشعب اليهودي" فحسب! و"حقيقةٌ لا ريب فيها"، وفي منزلة "الحقائق الفيزيائية"، أنْ يزعم "الشعب اليهودي" أنَّ "الربَّ" هو الذي "منح" له أرض فلسطين (وغيرها) إذ خاطب إبرام العبراني قائلاً: "لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصريم (النيل) إلى نهر فرات (الفرات) الكبير"! اليهودي، أو الإسرائيلي، صار، في طريقته في التفكير والنظر إلى الأمور، وليداً لتلك الخرافة التوراتية، التي اخترعها أسلافه (الروحيين) القدماء، فاقتنع، وسعى في إقناع غيره، بأنَّ فلسطين له وحده، وبأنَّ العربي الفلسطيني غريب عن هذا "الوطن الرباني"، ولو عاش فيه عيشا تاريخيا متصلا أكثر منه؛ كما اقتنع، وسعى في إقناع غيره، بأنَّ في الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها في حق العربي الفلسطيني تكمن قيم أخلاقية وإنسانية وديمقراطية، فهذا العربي الفلسطيني يجب أن يغادر "ارض الميعاد" إلى غير رجعة، فإذا بقي فيها فلن يبقى إلا برأفته الإنسانية! لقد تَحَدَّث "المسيحي المحافظ" بات روبرتسون عن أسباب المرض الذي أصاب دماغ شارون، فاكتشف أو قرَّر أنَّ مسبِّبها هو غضب الرَّب على هذا الذي تطاوَل على حقِّهِ (حق الرَّب) في تملُّك تلك "الأرض المقدَّسة"، وسعى (عَبْرَ إخراجه للمستوطنين والجنود الإسرائيليين مِنْ قطاع غزة) إلى تقسيمها. ونَسَبَ إلى "نبي" يُسمَّى "يوئيل" تصريحاً يؤكِّد فيه أنَّ الرب "يُخاصِم" كل مَنْ "يُقَسِّم أرْضاً يَعْتَبِرْها الرب أرضه". أحد أبناء الوهم التلمودي قال: إنَّ أحداً في العالم ليس من حقه أن يسأل إسرائيل في أمر بناء منازل في القدس الشرقية (عاصمة الملك داوود) لأنَّها عاصمتها منذ ثلاثة آلاف سنة، وإنَّها كانت يهودية خالصة عندما كان أجداد العرب يعاقرون الخمر، ويئدون البنات، ويعبدون اللات والعزَّى. والقرآن نفسه لم يَذْكُر اسم القدس؛ و"خريطة الطريق" لم تُشِرْ لا من قريب ولا من بعيد إلى القدس الشرقية. أمَّا الضفة الغربية (ومعها القدس الشرقية) فهي أرض لا سيادة لأيِّ دولة عليها؛ لقد كانت قبل حرب حزيران 1967 تحت "الاحتلال الأردني"، ثمَّ سيطرت عليها إسرائيل؛ وعليه، لم تستولِ عليها إسرائيل من أيِّ دولة حتى تعيدها إليها؛ وعليه، أيضاً، يحق لإسرائيل أن تفعل فيها ما تشاء. وأذْكُر أنَّ إسرائيلياً آخر، يُنْظَر إليه على أنَّه واسع الأفق، هو شمعون بيريز قد سوَّلت له أوهامه الدينية التوراتية أن يهزأ ويسخر من هرم خوفو، ومن كل الحضارة المصرية القديمة؛ لكونها "وثنية"، ليمجِّد ويُعظِّم "سِفْر الأوهام الأوَّل" في العالم، وهو "التناخ"، الذي صوَّره على أنَّه "المأثرة الحضارية العظمى" لقبائل "بني إسرائيل"، و"نعمة التوحيد" التي أسبغوها على الناس كافَّة. ولقد تذكَّرْتُ وأنا اقرأ هذه المقارنة الجائرة التي أجراها بين حضارة وادي النيل، التي لا يهزأ منها إلاَّ كل تلمودي ضيِّق الأفق، يستبد به شعور بالدونية الحضارية، وبين "حضارة" تلك القبائل البدوية، مَثَلاً، معناه أنَّ الشخص الذي يُحِبُّ قطف وأكل عنقود عنبٍ حلو، ولكنه لا يستطيع الوصول إليه، يقول، معزِّياً نفسه، إنَّه، أي عنقود العنب، حامض المذاق. تذكَّرْتُ ذلك؛ لأنَّ القبائل الرُحَّل من بني إسرائيل كانوا عاجزين لأسباب موضوعية عن أن يبتنوا لهم "حضارة وثنية"، بعظمة حضارة وادي النيل، فكيف للذين لا يعرفون من متاع الحياة الدنيا غير الخيام والمواشي، يرتحلون معها من مكان إلى مكان، بحثاً عن العشب والماء، أن يبتنوا معبداً كالكرنك، أو أن يصنعوا تماثيل عظيمة مهيبة كالتي صنعها الإغريق وقدامى المصريين. نمط حياة البداوة اضطَّر تلك العشائر والقبائل من بني إسرائيل إلى أن يكونوا "غير وثنيين"؛ وليس في الاضطِّرار فضيلة يا أولي الألباب. لقد كانوا عاجزين عن أن يبتنوا لأنفسهم "حضارة وثنية"، فأورثهم عجزهم الحضاري هذا "فكراً"، قوامه وجوهره "الإيمان بالمعجزات"، فاخترعوا لهم "إلهاً بدوياً"، على شاكلتهم، يشبههم في صفاته وخواصه، وينتقل معهم في حلهم وترحالهم، بحثا عن العشب والماء؛ ثمَّ "وظَّفوه" في خدمة مصالحهم الفئوية الضيِّقة والتافهة، وفي سعيهم إلى التغلُّب على شعورهم بـ "الدونية الحضارية والتاريخية"، والذي منشأه جوارهم الحضاري الذي كانوا يعيشون على هامشه. هذا "الإله" أنطقوه بما يقع موقعاً حسناً من نفوسهم الضعيفة، إذ خاطبهم، أو جعلوه يخاطبهم، قائلاً: أنتم، وأنتم فحسب، شعبي المختار، المفضَّل على العالمين. ثمَّ خاطب زعيم قبائل بني إسرائيل قائلاً: لنسلكَ أعطي هذه الأرض، من نهر مصريم (أي نهر مصر أو النيل) إلى نهر فرت (نهر الفرات) الكبير. على صورتهم الملوَّنة بلون البداوة خلقوا لهم إلهاً، يوزِّع الأوطان، ويقيم الدول، ويقود الحروب، ويحضُّ على حُبِّ المال والربا، ويَقْسِم كل شعوب وأمم الأرض قسمين: اليهودي، وغير اليهودي. كانوا أقلية عرقية، عديمة الوزن الحضاري والتاريخي، تخشى الاندماج والانصهار (والفناء من ثمَّ) في المجتمعات الحضارية، فاشتدت الحاجة لديها إلى أرض تعيش فيها، وهي التي لم تذق طعم "الوطن"، فاخترعت ذلك "الوعد الربَّاني لإبرام العبراني". ولقد كان إبرام راغباً في أن يزرع ويغرس أبناء جلدته الغاطِّين في البداوة في أرض أبدية، لعلَّه يدرأ عنهم مخاطر الانحلال في الأمم الحضارية العظيمة، ويجعلهم يشبهون غيرهم لجهة العيش في وطن، والانتماء إليه، فأظهر لهم رغبته هذه على أنَّها "وعد"، فـ "أمر"، إلهي. "المنحلُّون"، في الأمم الأخرى، أعطوا البشرية دُرَّة إنتاجهم من الخرافة والوهم وهي "العهد القديم"، ليأخذوا منها، بعدما تفرَّق دمهم فيها، شيئاً من إبداعها الحضاري، فَظَهَر عظماء من أمثال آينشتاين؛ لكن ليس فيهم من اليهودية إلاًّ ظلالاً من ديانتها. إنَّ آينشتاين لم يتوصَّل إلى "النسبية (العامة والخاصة)" إلاَّ لكونه ألمانياً، بحسب المعنى التاريخي لا العرقي لكلمة "ألماني". هذا الألماني ما كان له أن يكون عبقرياً مُبْدِعاً لو اهتدى بهدي خرافة "الوعد الربَّاني لإبرام العبراني". الألمان والفرنسيون والروس والصينيون، وغيرهم من شعوب وأمم الأرض، لم يستمدوا شرعية وجودهم القومي، حيث عاشوا ويعيشون، من "السماء" أو من خرافة ألَّفوها، واخترعوا فيها إلها، يجعلهم شعبه المختار المفضَّل على العالمين، ويمنحهم الأوطان والحقوق القومية، خالعا الشرعية على جرائم يرتكبونها في حق شعوب أخرى، منحها التاريخ الواقعي حق العيش القومي حيث عاشت وتعيش! لقد عبَدَ اليهود خرافة "الوعد الرباني"، التي اخترعها قادتهم، حتى استعبدتهم واستبدت بتفكيرهم في وجه عام، وفي تفكيرهم السياسي في وجه خاص، فصار متعذراً، بل مستحيلاً، إقناع اليهودي أو الإسرائيلي، اليوم، بأنَّ وجوده "القومي" في فلسطين لا يتمتع بالشرعية التي يتمتع بها الوجود القومي للألماني في ألمانيا، وللفرنسي في فرنسا، وللروسي في روسيا، وللصيني في الصين.. وللفلسطيني (العربي) في فلسطين! اليهود لم يعرفهم التاريخ إلا بصفة كونهم جماعة بشرية معدومة الوزن التاريخي والحضاري والثقافي، فكانوا عرضة، من ثمَّ، إلى أن يفقدوا شخصيتهم الاجتماعية والتاريخية والثقافية واللغوية بتأثير الأمم ذات الوزن التاريخي والحضاري الثقيل، فأقاموا بينهم وبين غيرهم ما تقيمه العشيرة بينها وبين غيرها من برازخ. برزخهم الأول كان قولهم بفئتين لا ثالث لهما ينتمي إليهما البشر جميعا: "اليهود" و"غير اليهود". ولا أعرف لماذا يستمر المجتمع الإنساني في مهادنة ومسايرة هذا التصنيف العنصري البغيض! والبرزخ الثاني كان تهويدهم لـ "الرَّب"، فهو إلههم وحدهم، وهم شعبه المختار، والمفضَّل، لأسباب مجهولة، على سائر البشر. والبرزخ الثالث هو الاحتجاز العرقي لديانتهم، فلا يحق لغير المنتمي إلى عرقهم اعتناقها، وكأن تهويد "الرَّب" حلال، بينما تهويد غير اليهودي حرام! والبرزخ الرابع هو جعل "التوحيد" عقيدة يهودية خالصة، فالشغل الشاغل لـ "الرب" إنما هو العناية بـ "شعبه المختار"، وتفضيلهم على سائر البشر، ومنحهم وطنا بعد انتزاعه من غيرهم، ومسامحتهم والصفح عنهم دائما. لقد خذلوا دائما "الرَّب" وخانوه.. يَتَّفِقون معه على ما يرضيه، ثمَّ يعملون ويعيشون بما يرضيهم ويُغْضِبه. وتاريخ علاقتهم بـ "الرَّب" كان كوميديا هزليا على وجه العموم، فـ "إلههم" يُلْدَغ من الجُحْر نفسه ألف مرَّة، لا يتعلَّم من تجربته، يُكرِّر التجربة الفاشلة نفسها متوقِّعا نتائج مختلفة، فكلَّما خذلوه وخانوه صالحهم وغفر لهم، وفتح صفحة جديدة معهم، مُرْسِلا لهم مزيداً من الأنبياء. والآتي أعْظَم.. فها نحن بدأنا نرى محاولة للتأسيس لاعتراف "ديني ـ إسلامي" بحق "دولة الوعد الربَّاني" في الوجود من خلال تفسير وتأويل مُغْرضين لآيات قرآنية تضمَّنتها سورة "المائدة"؛ وهذه الآيات هي: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ". هؤلاء الذين ارتضت لهم مصالحهم الشخصية والفئوية الضيِّقة أن يكونوا خَدَماً عند "شعب الله المختار" بدأوا يُلَمِّحون إلى أنَّ الله قد كَتَبَ فلسطين لـ "بني إسرائيل" إذ قال "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ"، وإلى أنَّ "عقوبة تحريمها على بني إسرائيل" قد انتهت إذ قال "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ". لقد حان للعِلْم أن يرد اليهود، جماعة بشرية وعقيدة، إلى أصولهم الواقعية التاريخية، وأن يحرِّرهم، ويحرِّر معهم العقل الإنساني، من الأوهام التلمودية. حان له أن يضم "التناخ" إلى مكتبة الكتب الخرافية، على أن يوضع في الرف الأسفل، وليس في الرف الأعلى حيث تتلألأ ألياذة هوميروس. حان له أن يَدَع أولئك الموتى يدفنون موتاهم، فالعالم لن يرتقي وعيا وروحا وشعورا إلا عندما يتقيأ كل وهم يهودي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل