المحتوى الرئيسى

الحوار الوطني والخط الأحمر

05/27 18:21

محمد السعيد إدريس مؤشرات كثيرة تتراكم يوماً بعد يوم تؤكد أن سوريا مقبلة على كارثة نأمل ألا تكون تداعياتها أفدح من كارثة العراق . فعندما تتكرر الكارثة العراقية في سوريا فهذا معناه أن مشروع الشرق الأوسط الكبير ومن بعده مشروع الشرق الأوسط الجديد يجري إحياؤه بعد تعثره في العراق وفي لبنان . وإذا أخذنا في الاعتبار بعض ما يحدث للثورة في مصر من ضغوط هائلة ومحاولات التفاف واحتواء وتفريغها من مضمونها سوف نعي أن خطراً هائلاً يهدد مشروع النهضة العربية وخيار المقاومة، وأن الكيان الصهيوني ربما يخرج فائزاً هذه المرة في معركة إسقاط سوريا على نحو ما خرجت إيران فائزة من معركة إسقاط العراق . هناك المؤشرات كثيرة بعضها يؤكد، وبالدليل القاطع، أن هناك مخططاً خارجياً يستهدف سوريا ليس من أجل إسقاط النظام الذي ربما يكون قد استنفد أغراضه من منظور تلك الأطراف الخارجية التي تقف وراء هذا المخطط، ولكن من أجل إسقاط سوريا الوطن والدور والتاريخ، وإعادة إحياء مشروع التفكيك والتقسيم واستنزاف حركة الثورة العربية الصاعدة والانحراف بها بعيداً عن مجرى الصراع التاريخي العربي الصهيوني . وبعضها الآخر يؤكد أن النظام السوري لا يريد أن يرى أبعد من قدميه، وأن يعرف أن الشعب هو الدرع الحامي للوطن، وأن الخطر على سوريا يأتي دائماً من الخارج، وأن الحل الأمني دون السياسي لن يحقق لا الأمن ولا الاستقرار، كما يؤكد أن النظام مازال أسير ضغوط، والنظام الأمني الذي يضغط من أجل توريط النظام في المزيد من الجرائم ضد الشعب للحيلولة دون التلاقي والحوار والمصالحة وإطلاق مشروع إعادة بناء سوريا مجدداً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على أسس من العدل والحرية وحماية الاستقلال والسيادة الوطنية . من أبرز هذه المؤشرات ما يلي: - ظهور عبدالحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري على شاشة القناة الثانية “الإسرائيلية” ليعلن أن الحديث عن وجود مخطط معقد ومتعدد الجبهات لضرب سوريا ليس مجرد “رواية رسمية”، وليقر بدوره في أحداث سوريا وما سماها “حكومة الظل” المدعومة أمريكياً وأوروبياً، وليؤكد أن النظام السوري سيسقط خلال أشهر أو شهرين على أبعد تقدير” . - إعلان الصحافي “الإسرائيلي” هنريك تسرمان الذي أجرى تلك المقابلة مع خدام نقلاً عنه: “أبلغني خدام أن الجيش التركي تلقى أوامر بالاستعداد لإمكان الدخول إلى سوريا في الأسابيع المقبلة، على رأس قوة من الحلف الأطلسي من البريطانيين والفرنسيين والألمان . وهناك نقطة أساسية: خدام يتلقى تمويلاً من الأمريكيين والمعارضة السورية في أوروبا” . ربما تكون هذه المعلومات محرفة سواء من خدام أو من المذيع “الإسرائيلي” لتشويه الدور التركي أو لتشجيع المعارضة في الداخل على تصعيد المواجهة . 3- مطالبة خدام “بتحرك دولي عسكري للتدخل في سوريا على غرار ما يحدث في ليبيا، وعدم الكيل بمكيالين، والمطالبة بإسراع التحرك من أجل إحالة ملف سويا إلى المحكمة الجنائية الدولية” . 4- حرص الولايات المتحدة عن طريق جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية على استدراج لبنان للتورط في مخطط الضغط على النظام السوري من أجل إسقاطه . حدث ذلك خلال زيارته الأخيرة ولقائه مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان حيث تحدث فيلتمان عن محاصرة الرئيس السوري بشار الأسد “وتخييره بين الخضوع للشروط الأمريكية وبين تحمل تبعات زرع الفوضى في سوريا” . فقد حمل فيلتمان في هذه الزيارة التي تجاهل فيها، على غير العادة، الشأن الحكومي الداخلي اللبناني، أسئلة محددة للمسؤولين اللبنانيين حول مرحلة إحكام الحصار والعقوبات الدولية ضد سوريا، وقال أمام مستقبليه إن واشنطن تريد أن تعمم النموذج الكوري الشمالي على سوريا، وأن تجعل بشار الأسد محاصراً في دمشق على طريقة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج إيل . وتحدث فيلتمان في هذه الزيارة عن الدور الذي يمكن أن يقوم به لبنان في تنفيذ خيار العقوبات المتصاعدة ضد سوريا وقيادتها . فيلتمان طرح هذه الأسئلة في لقائه مع الرئيس اللبناني ومع رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ومع النائب وليد جنبلاط وآخرين ممن التقاهم سراً أو علناً، وكانت صدمة فيلتمان قوية بعد ما سمعه من الرئيس سليمان من أن “علاقات لبنان وسوريا هي من عمر البلدين، وأن ظروف التاريخ والجغرافيا والحاضر والمستقبل كلها تجعل واقع علاقات البلدين مترابطاً ووثيقاً، كما أن اتفاق الطائف، الذي تحول إلى دستور، يتحدث بشكل واضح عن العلاقات المميزة بين البلدين، فكيف تريدون منا أن نتحول إلى جسر أو ممر لمحاصرة سوريا ومعاقبتها على خياراتها الوطنية والقومية” . هذه المؤشرات التي تؤكد أن سوريا هي المستهدفة وأن السعي لإسقاط النظام بتورط خارجي ليس له علاقة البتة بحقوق الشعب السوري ومطالبه العادلة في الحرية والكرامة، رغم خطورتها فإن هناك مؤشرات أخرى لا تقل خطورة تكشف عن وجود قوى فاعلة داخل النظام ترفض الاستجابة لأية مطالب شعبية، وتحذر من خطورة تقديم أي تنازلات للمعارضة، باعتبار أن أي تنازل سوف يشجع على المطالبة بالمزيد من التنازلات التي لن تقل عن إسقاط النظام ومحاكمته ورموزه وأن الحل الأمني هو الحل، وأن الحوار طريق خاطئ، وأن الحوار عندما يحين وقته يجب أن يكون بمبادرة من النظام وليس استجابة لضغوط شعبية، وفي الوقت الذي يريده النظام ومع من يريده على الرغم من حديث دمشق، على لسان وزير الإعلام عدنان حسن محمود عن وجود نية لإجراء حوار وطني يشمل كل المحافظات، وتأكيده التلازم بين الأمن والاستقرار من جهة والإصلاح من جهة أخرى، إلا أن هذا الحوار لم ير النور بعد، والتركيز مازال على الحل الأمني . لقد توقف حديث الحوار بل لم يظهر نهائياً، وليس هناك حديث إلا عن “الفتنة” والحل الأمني . حديث المستشارة الرئاسية بثينة شعبان مع صحيفة “نيويورك تايمز” أكد ذلك حيث تحدثت بارتياح عن نجاحات الحل الأمني، وقالت: “إن الأخطر في الثورة التي عصفت بسوريا منذ قرابة الشهرين قد مر وأصبح وراءنا” . وقالت أيضاً “آمل أننا نعيش المرحلة النهائية من هذه القضية” . مؤامرة إسقاط سوريا خط أحمر، وتجاهل حقوق الشعب السوري خط أحمر، ولا بديل عن الحوار الوطني الذي يجب أن يبدأ من قناعتين، الأولى، هي: الرفض الكامل والقاطع لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية السورية، وتجريم كل من يدعم هذا التدخل أو يقبل به، والثانية هي الاحترام الكامل لمطالب الشعب السوري في التغيير وبناء مجتمع العدل والحرية والكرامة . مثل هذا الحوار يجب أن يرتكز على قواعد مهمة، أبرزها اعتماد الحل السياسي من جانب النظام كبديل للحل الأمني، وسحب الجيش وقوات الأمن من المدن والقرى والشوارع، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وأن يكون الهدف النهائي من هذا الحوار هو حماية سوريا، والتأسيس لعقد اجتماعي سياسي جديد يضع نهاية لاحتكار السلطة، ويقيم العدل ويحفظ الكرامة للوطن والمواطنين . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل