المحتوى الرئيسى

النخاسة والعبودية لحل أزماتنا الاقتصادية بقلم:يسري عبد الغني عبد الله

05/27 16:32

النخاسة و العبودية لحل أزماتنا الاقتصادية !!! بقلم يسري عبد الغني عبد الله باحث ومحاضر في الدراسات العربية والإسلامية وخبير في التراث الثقافي Ayusri_a@hotmail.com عنوان المراسلات : 14 شارع محمد شاكر / الحلمية الجديدة / بريد القلعة (11411) / القاهرة / مصر . هاتف : 23176705 محمول : 0114656533 خرج علينا البعض ـ عفاهم الله وشفاهم ـ ليقول لنا إنه يجب العودة إلى نظام الرق والجواري وأسواق النخاسة ، في إطار إحياء سنة الجهاد في الإسلام ، وذلك لحل ما نعانيه كدول عربية وإسلامية من مشكلات اقتصادية ، واعتقد أن من يقول بهذا الكلام في عصرنا هذا يجب الكشف على قواه العقلية فورًا ، حتى لا يأخذ بكلامه هؤلاء الذين تم عمل غسيل فعال لعقولهم ، وليحاول أهل العلم والاختصاص الرد المفحم على مثل هذه الآراء التي ما أنزل الله بها من سلطان ، لأنهم أهل الفهم والإدراك ، أهل الوسطية والاعتدال ، الذين يفهمون ظروف العصر وطبيعة الحياة المعاصرة ، الذين يعرفون أن الإسلام هو مصدر لكل حقوق الإنسان التي ننادي بها ، والذين يعون أن الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان ، يصلح لكل الظروف والأحوال ، الذين يدركون أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين ، وقد مضى إلى غير رجعة عصر الكهوف والغابات . لقد انتهى عصر الرق والعبودية والنخاسة ، ولن يعود العالم إليه بأي حال من الأحوال ، فقد تبرأت منه الدساتير والقوانين والعهود والمواثيق في كل أرجاء الدنيا في عصرنا الحديث ، ومن ينادي بعودة الرق فعليه أن يمتطي جملاً ، ويشهر سيفه الخشبي كي يحارب الغولة أو العنقاء .. !! وليسمح لي القارئ العزيز أن أدلي بدلوي في مسألة الرق والنخاسة هذه ، وبالتحديد موقف الإسلام منها ، حتى تنجلي الأمور ، وتتضح الرؤى ، إلى أن يتوب الله علينا من هؤلاء الذين يسعون لدمار مجتمعاتنا ، و يعملون على تخلفها وتدهورها ، نقول وبالله التوفيق : يوجه بعض كتاب الغرب النقد إلى الإسلام على أساس أنه يبيح الرق بما يترتب عليه من إخلال بمبادئ الحرية والمساواة . ومن ناحية أن الرق يتعارض تعارضاً تاماً مع مبادئ الحرية والمساواة ، فهذا صحيح ، ويقره كل منطق وتفكير سوي . وأما من ناحية النقد الذي يوجهه كتاب الغرب إلى الإسلام ، فإنه غير قائم على أساس سليم ، وذلك للأسباب التي سنوضحها فيما يلي : ـ أولاً : إن الإسلام لم ينشئ نظام الرق : لقد كان نظام الرق معروفاً منذ أقدم عصور التاريخ في شتى أرجاء الدنيا ، ففي بلاد اليونان القديمة كان الرق أحدى دعائم النظام الاجتماعي والاقتصادي . وكانت الديمقراطية التي يأخذون بها هي ديمقراطية الأحرار ، في الوقت الذي كانوا يعتبرون فيه وجود الرق ضرورة سياسية / اقتصادية ، وذلك حتى يتفرغ الأحرار للشئون السياسية ، ويتولى الأعمال الأخرى الأرقاء . والديانة اليهودية كانت تبيح الرق ، وكذلك الديانة المسيحية قد أباحته . لقد كان الرق معروفاً وذائعاً عند نزول الديانة المسيحية ، فلم تعترض عليه ، وأمر بولس الرسول الأرقاء بطاعة سادتهم كما يطيعون السيد / المسيح (عليه السلام) كما أن نظام الرق في صدر الإسلام ربما كان لازماً كضرورة حربية ، فقد كانت الدول التي دخلت في حروب مع المسلمين تأخذ بنظام الرق ، فإذا أسرت المسلمين فإنها استرقتهم ، وعملا بالمثل ، فقد كان للمسلمين أن يسترقوا أسرى الأعداء . ولكل ما تقدم لم يتم إلغاء الرق في الإسلام فجأة أو مرة واحدة ، ولكن الإسلام عمل على إلغائه تدريجياً بما وضعه من أنظمة تؤدي إلى هذا الإلغاء الذي يدعم ويؤكد مبادئ الحرية والمساواة التي نادى بها الإسلام . ثانيا : لم يفرض القرآن نظام الرق : لم ينص القرآن الكريم على فرض نظام الرق صراحة ، وإن كان قد أقره ضمناً ، بدليل ما نص عليه في العديد من الآيات من دعوة إلى عتق الرقيق . ثالثا : تحديد أسباب الرق بما يؤدي إلى زواله : وتحديد أسباب الرق نجدها قاصرة على الوراثة ، والرق في الحرب . فأبناء الرقيق رقيق مثلهم ، وإن كان الإسلام قد قرر صراحة أن الرقيقة إذا أنجبت من سيدها فإن الأبناء يكونون أحراراً ، فضلاً عن أنها هي تعتبر حرة بعد وفاة سيدها . أما أسرى الحروب فإن ضرورة المعاملة بالمثل قد اقتضت بقاء هذا السبب طالما كانت تلك الحروب دفاعاً عن الدولة ، ورغم ذلك فإن القرآن الكريم قد دعا إلى عدم استبقاء هذا الرقيق بأن حث على تحريره بمقابل مادي أو بغير مقابل لوجه الله تعالى . قال تعالى : {فإذا لقيت الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم . سيهديهم ويصلح بالهم .} [محمد : 4 ـ 5] . والمعنى : إذا لقيتم الكافرين في ميدان القتال فاقتلوهم ، حتى إذا أغلظتم في قتلهم فأسروهم ، ثم منوا عليهم بالإطلاق أو خذوا منهم الفدية ، ولو شاء الله لانتقم منهم بلا حرب منكم لهم ، ولكن ليصيب بعضكم بعضا ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضيع أعمالهم ، سيهديهم إليه ويصلح حالهم ، ويدخلهم الجنة التي عرفها لهم . كما أن الخليفة أو القائد يستطيع تحرير الرقيق مناً منه أي : بغير مقابل أو بمقابل مادي ، أو بموجب اتفاقية لتبادل الأسرى . وكلا السببين من أسباب تملك الرقيق كان مؤداهما الحتمي أن ينقطع هذا الوضع بمضي الزمن ، إما بانقراض الموجودين منهم ، أو بانتهاء الحروب التي تفتح الباب للاسترقاق . هذا مع ملاحظة أن الرق كان لا يرد على أسرى الحرب المسلمين . وإذا كانت هذه هي أسباب الرق التي وجدت في الدولة الإسلامية في صدر الإسلام ، فقد كان أهل الشرائع الأخرى يفتحون الباب على مصرعيه للرق ، ويبيحونه لأسباب عديدة ، ومثال على ذلك : كان اليهود يحصلون على الرقيق من أسرى الحرب ، ومن خطف الأشخاص في غير الحرب , كما كانوا يوقعون عقوبات لا إنسانية على من يخطئ أو يرتكب جريمة معينة ، مثل : بيع الشخص السارق أو استرقاقه ،وكذلك بيع الشخص الذي لا يوفي دينه أو استرقاقه ، بل إنهم كانوا يسترقون مع المدين زوجته وأولاده رابعاً : الإسلام عمل على تحرير الرقيق بوسائل عدة : 1ـ فإن ابن الأمة من سيدها يولد حراً . 2 ـ كثير من الذنوب كفارتها العتق أي تحرير الرقيق . 3 ـ كان عتق الرقيق من أعظم القربات إلى الله تعالى . 4 ـ خصص القرآن الكريم سهماً من الصدقة لشراء العبيد وتحريرهم . قال تعالى : {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذو القربى واليتامى وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .} [البقرة : 177] . والمعنى : أيها الناس ليس العمل الصالح محصوراً في أن يتحرى الناس مكان القبلة ، ولكن العمل الصالح هو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر ، وإعطاء المال رغم حب المال الشديد لدى الإنسان (أو حباً في الله تعالى) ، للأقارب ، واليتامى والفقراء والمساكين والسائلين وأبناء السبيل ، وفي الرقاب أي تحرير العبيد بشرائهم وإطلاقهم لوجه الله تعالى ، وكذلك من أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وكان موفياً بعهده إذا عاهد ، وأهل الصبر في الشدة والرخاء ، كل هؤلاء من الصادقين المتقين . هذا كله فضلاً عن أن الإسلام الحنيف ضمن للرقيق أحسن معاملة ، وأوجب الرفق بهم ، وحسن معاملتهم ، حتى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقرر بأنه خصيم من يؤذي الرقيق . وإذا زالت ضرورات الرق بعد حين ، فلم يعد الرق موجوداً ، وفقاً للتعاليم الإسلامية واتفاقاً مع الشريعة الإسلامية التي تدعوا إلى مبادئ المساواة والحرية . إن تغير الظروف وزوال الضرورات والوصول بسنة التدرج إلى نهايتها ، لتؤدي حتماً إلى إلغاء نظام الرق ، وعليه فليس من المنطقي أو العقلي أن نطالب بعودة الرق والعبودية والنخاسة ، فهذا لن يحل مشاكلنا الاقتصادية ، العمل والجدية والتخطيط السليم والإرادة القوية والحب الحقيقي لأوطاننا بعيدًا عن الشعارات الخادعة والفوضى التي لن تكون خلاقة إذا تنبهنا إليها جيدًا .. !! يسري عبد الغني عبد الله

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل