المحتوى الرئيسى

هؤلاء عاشوا في وجداني بقلم علي عبد الفتاح

05/27 14:09

هؤلاء عاشوا في وجداني دستويفسكي (1821-1881م) بقلم علي عبد الفتاح الأديب الذي علمنى كيف يواجه الإنسان التعاسة واليأس والشقاء وحيدا .. مثل عشبة عارية في مواجهة عصف الريح والرعود.. الشر قائم .. والخطيئة تفوح من رائحة البشر ,, ونحن جميعا مذنبون .. مادام هناك فقراء يتألمون .. واطفال جياع مشردون .. كلنا مذنبون مادام هناك امرأة تمنح جسدها للعابرين لتبتاع رغيف من الخبز لتأكل او لتعالج أب محطم على الفراش .. واخوة يتضورون جوعا وحرمانا .. لذلك كلنا مذنبون امام هؤلاء .. وتأثرت بكتابات دستويفسكي الي الحد الذي كنت أشعر أننى مذنب أمام فقراء بلادي فكنت لا اصادق اللا البؤساء من الاصدقاء واساعدهم وامنحهم حتى اشعر اني اعالج الخلل في المجتمع ,, واجفف دموع الحيارى والمعذبين .. رغم اني كنت فقيرا واعاني من الحرمان ولكنى اكتشفت من هم اكثر فقرا وتعاسة مني .. فتاتي الفقيرة وكنت قد احببت فتاة تبدو عليها سمات التعاسة .. والعذاب والفقر .. تدرس في الصباح وفي المساء تعمل في مكتب لطباعة الأوراق وتأتي في اليوم التالي الي الجامعة مرهقة وحزينة وضائعة والدها مريض اطاحت به الانظمة البيروقراطية في حجرة لا تسع من يحيا فيها حجرة كان يشغلها مالك البناية مخزنا وحولها الي غرفة معيشة لهذه الأسرة البائسة. وجلست الفتاة امامى تعبر عن معاناة شديدة وتبكى في الم وقالت : - اعاني في العمل والدراسة وافكر اهجر الجامعة للحصول على دعم لأسرتي . وقررت ان اساعدها .. واكون معها انقذها من عذابها .. واشتعلت غضبا من اجلها حين قالت لي بحزن : - الشاب ابن صاحل العقار يطاردني .. يعتقد اني ممكن اتنازل من اجل المال. البطلة سونيا وادركت ان هذه الفتاة هي نفسها سونيا بطلة الجريمة والعقاب التي كانت تبيع جسدها لتشترى علاج لابيها وطعام لاخواتها .. ولكنى لم اكن املك شيئا .. فحاولت في كل مرة القاها اقدم لها هدية او اعطى لها بعض الجنيهات تحتفظ بهم من اجلي وقت الحاجة ثم اتعمد انسى هذه الجنيهات .. احببتها .. وكنت اخاف ان تهوى الي الخطيئة وتستسلم للشاب الثري ولكن .. كانت المفاجأة ... اعلنت خبر زفافها امامنا جميعا .. وانسحبت في ذهولي ولكنها اسرعت خلفي وقالت : - لقد نسيت بعض نقودك معي .. وانصرفت .. دون كلام .. وكنت احارب من اجلها .. واشتري لها الكتب .. وابذل جهدا كبيرا للحصول على بعض النقود ابقيها معها .. كنت اتخيل نفسي المنقذ للبشرية من الضياع وتألمت كثيرا .. ومرت سنوات والتقيتها وسألتها عن السر فقالت ضاحكة : - انت فقير وغلبان كيف كنت سأتزوجك ؟ وبكيت كثيرا .. كتابات مؤثرة فهل كتابات دستويفسكى خلقت منى ساذجا حالما نقيا الي الحد اننى اعاني بهذه الصورة الجريحة ؟؟ انه دستويفسكي الأديب الروسي الكبير .. الذى جعلني اسمو فوق الحياة والناس واهب قلبي للفقراء والبائسين .. فمن هو هذا الأديب ؟؟؟ الغاضب الكبير ولد غاضبا وصرخت الروح في أعماقه ضد هذا الوجود والبشر المتناثرين جوعا وفقرا في العراء بلا رحمة . هذا الأديب صاحب رسالة الأدب الإنساني الحميم ولد غاضبا ورحل أيضا غاضبا تطارده صور المآسي ورعب الصراع من أجل الخبز والحرية والقيم والمثل الإنسانية. مأساة كبيرة لقد اكتشف حين أصبح شابا أنه ولد في مستشفى للفقراء بلا عناية أو اهتمام لأن أسرته لم تكن تملك مالا يتيح لأمه أن تلد في إحدى المصحات المحترمة. وفي الثامنة عشرة من عمره استيقظ من النوم مذعورا على صراخ وعويل أمه التي كانت تهزه بعنف وهي تصيح: - قتلوا أباك .. قتلوا أباك …!!! واكتشف الحقيقة : أن الفقراء العاملين في الأرض الزراعية التي يملكها أبوه قد قتلوه. فقد كان الأب يقسو عليهم ويستنزف طاقاتهم ويستعبدهم إلى حد الانفجار الذي استبد بهم فخرجوا عليه وقتلوه فوق الأرض وتدفقت دماؤه أمامهم وهم صامتون . ولم يدر دستويفسكي ما السر وراء هذا العنف الذي أظهره والده أو تلك القسوة والانتقام وشهوة الذبح التي سيطرت على العمال الفقراء؟؟ فاضت بحار الغضب في داخله. تجربة اليمة ومزق الحزن كيانه وسيطرت عليه العزلة وتجنب البشر فاتجه للقراءة والبحث في الكتب والاستغراق في التاريخ وتأمل أحوال الناس وانفعالاتهم ومواقفهم إزاء المحن والنكبات . وعاش دستويفسكي مؤرق الضمير ..شارد اللب طعين الوجدان يحمل في قلبه الإحساس بالذنب تجاه هذا العالم . فهو مثقل بالألم ومعذب بالهموم ، حليفه الضياع ورفيقه خفقات الدمع في أحداق الزمان . عندما أنهى دراسته في معهد الهندسة العسكرية عمل في قسم التصاميم ثم استقال بعد عام واحد ليتفرغ للأدب. مشاهد البؤس وغاب في وجدان وأحلام الناس … من حوله مشاهد البؤس الذي يتجسد في مدينة بطرسبورج ولمس هذا التناقض الحاد بين الفقراء والأغنياء. وكتب عن هذه الصور الحزينة روايته " الناس الفقراء " هؤلاء المنسحقين تحت سياط الظلم وغدر الواقع والحرمان من الحقوق والظمأ إلى غمامة تهمى بأمطار الحب والحنان. القيم الكبرى كانت قضية دستويفسكي تكمن في البحث عن العدل والنبل والبراءة والشرف في مجتمع تسيطر عليه الخطيئة وتحاصره الخيانات ويسوده السقوط. وكان لدستويفسكي نظرته الحانية لهذا الفساد فيدرأه بالحسنى … ويخاطب فيه روح الإنسان فيقول : -حين تعترف بآثامك فأنت أقرب إلى الطهر رغم الدنس الذي تغرق فيه .. عندما تنهمر دموع التوبة فقد أصبحت قديسا لهذا العصر وهنا يتبدد الماضي الأسود بخطاياه ويشرق نور من الصباح للروح العائدة إلى السماء . فكان يقينه بالإنسان كبيرا وإيمانه بالطهر أكبر ..وأصدق .. نماذج الشقاء في روايته " المسكونون " تعود الزوجة الخائنة تطفو على بحيرة من الدموع وتقف أمام زوجها الذي خانته بعد أن هربت مع عشيقها وتتوسل إليه وتسأله المغفرة والرحمة وهي تعاني آلام المخاض . وينظر لها الزوج وينفتح قلبه لتطل الرحمة من داخله ويجفف دموع المرأة ويسامحها وحين يرى طفلها ينبثق لنور الحياة يحتضنه ويشعر الرجل حينئذ أنه اقترب من السماء. الجريمة والعقاب وبطل رواية " الجريمة والعقاب " يقف ضد الرذيلة والشر والخطيئة ويبكي تحت قدمي الفتاة التي تبيع جسدها لتطعم أسرتها وأباها الغارق في الخمر والمرض والديون يبكي البطل لتظل الفتاة شريفة ولو لليلة واحدة تجرب فيها الإحساس بالكرامة وتتذوق طعم الفضيلة ولكنه لا ينجح في ذلك . وتبكي الفتاة وتصرخ : -سيموت إخوتي من الجوع اليوم إذا لم أذهب لأبيع جسدي ويبكي البطل ويمنحها قليلا من المال ثمن بعض من الليالي لتظل في البيت .. ولكن الفقر رفيقه فماذا يفعل ؟ الجريمة المزدوجة فلا يجد إلا أن يقتل المرابية العجوز الثرية ليأخذ المال ويعطيه لفتاته ليصون شرفها وينقذها من الخطيئة والسقوط الذي ينتظرها كل يوم . ويصبح البطل ليس بقاتل في رأيه هو وإنما هو برئ من تهمة القتل ويحاول أن يقيم العدل في الكون. ويقول البطل لضابط الشرطة متهكما : -التاريخ يعتبر نابليون بطلا رغم أنه قد حّول العالم إلى بركة من الدماء والجميع يصفق له .. لماذا ؟ فلسفة الابطال ويقرر البطل بأن هناك أناساً لا قيمة لهم لابد أن يموتوا ليعيش من هم أعظم منهم وأكثرهم نفعا وفائدة .وبهذا المنطق فقد قتل المرابية العجوز . ولكن في الحقيقة لم يقتل إلا ذاته وضميره الذي ظل مستيقظا ولم يمت بين ضلوعه . وامتد عذابه إلى ما لانهاية فأين يذهب ليطهر ضميره من آثار الدماء التي تلوثه ؟؟ ظلم وسجن وهكذا امتد غضب دستويفسكي على تلك الظروف التي تستعبد الإنسان وتحاصره بالذل والقهر والفقر وتفرض عليه أن يظل مطاردا هاربا من ظلال الموت التي تلاحقه. وانضم دستويفسكي إلى إحدى الجماعات السرية التي تقاوم الظلم واعتقل وسجن وحكم عليه بالإعدام . ولا يدري دستويفسكي كيف وجد نفسه متهما بالتآمر على قلب نظام الحكم والدعوة إلى الثورة . حكم الاعدام وفي 22 ديسمبر 1849 تحدد يوم تنفيذ حكم الإعدام .. خرج دستويفسكي مع زملائه المتهمين وحضر قسيس يحمل صليباً من الفضة وطلب إلى كل منهم تقبيله حتى يغفر لهم في العالم الأخر وفي المواجهة وقفت مجموعة من الجنود يحملون بنادقهم لتنفيذ حكم الإعدام.أما دستويفسكي فقد قيد بالحبال إلى أحد الأعمدة وغطي وجهه ووقف ينتظر الرصاصات لتستقر في قلبه. وفجأة .. قبيل تنفيذ الحكم أعلن بأن القيصر قد اْستبدل حكم الإعدام بالنفي إلى سيبيريا لأربع سنوات ..ولم يصدق دستويفسكي ما حدث وذهل تماما .. وأزيل القناع عن وجهه وتحرر جسده من القيود.. وغمر ضوء النهار الشاحب عينيه المنهكتين .. والقى نظرات ممزوجة بالدهشة على الجنود والمساجين .. وتجسدت أحلام مرعبة أمامه وسقط على الأرض . المنفى واثاره كانت لتجربة السجن ولحظات مواجهة الموت والمنفى آثار كبيرة في حياة دستويفسكي .. فقد تعمقت نظرته للحياة والناس .. وأصبح أكثر اقترابا من الفقراء وإيمانا بقضية العدل والحرية .. ومن جهة أخرى فقد انهارت كل الأوهام التي كان يظن أنها سوف تنقذ البشرية من العذاب والألم مثل إيمانه بالاشتراكية والتجمعات واللجان والآراء الثورية وجماعات المقاومة السرية . حالات الفزع وخلال الفترة التي عاشها دستويفسكي في المنفى كانت تنتابه حالات حادة من نوبات الصرع حيث كان يسقط على الأرض ويهتز جسده بشده - ويتأوه ويصرخ حتى يهمد الجسد وتسكنه الفجيعة والموت ثم لا يصحو ! ولا يدري ماذا حدث ؟ رواية الآبلة وفي رواية "الأبلة" صورة لهذا البطل الذي يعاني من نوبات الصرع ويقف يتأمل أحوال العالم وتناقضاته ويتألم من أجل الآخرين حتى وإن كانوا طغاة طاعنين في الظلم والجرح والإثم . الاخوة كرومازوف وفي رواية "الإخوة كرومازوف" الصراع من أجل المال والحب وأنانية الذات المسكونة بالجشع والشهوة والحقد وعبادة الجنس. وأيضا التصوير لعذاب النفس المضطهدة الحائرة التي تعاني سخرية الآخرين والرغبة في الانعتاق من أسر الذنوب ويقظة الضمير المرهف. فلا تجد هذه الشخصية الضعيفة المنكسرة إلا أن تعلق رأسها في أحد الحبال وتتجاوز حياة الذنوب لتصبح قربانا إلى الموت لعل ذلك يغفر للأسرة المنكوبة بالصراع والأحقاد. ذكريات الموتى وفي رواية " ذكريات من بيت الموتى " فهي تجربة السجن والمنفى حيث التقى دستويفسكي بألوان غريبة من البشر إنهم عتاة مجرمون قاتلون وسفاحون ومزيفون ولصوص ولكن يعيش في أعماق كل منهم طفل قد ولد بريئا وتلوث في قاع المجتمع وسقط ضحية للأنظمة الديكتاتورية السائدة. ويقول عنهم دستويفسكي : -إن هؤلاء المساجين ما هم إلا أطفال وان تجاوز بعضهم سن الأربعين !! عبيد الارض انبعث غضب دستويفسكي دائما ضد طبقة الإقطاع ونظام القنانة في روسيا أي " عبيد الأرض " الذين يعملون لدى الإقطاعي في مناخ يتسم بالذل والاحتقار.وتعاطف دستويفسكي رغم غضبه هذا مع أبطال الواقع الغرباء الفقراء المندفعين إلى الجريمة والسقوط. إنهم مذنبون بلا خطايا .. ووجوه خلف القضبان مدانة في الواقع … بريئة في صميم الروح.. هذه المعاناة البشرية هي التي شكلت منابع الغضب لدى دستويفسكي ولذلك ولد غاضبا.. ورحل عن العالم غاضبا. وتركني في بحر افكاره غارقا ****

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل