المحتوى الرئيسى

الأسمنت .. أزمة إنتاج أم رداءة تسويق؟

05/27 10:11

سعيد بن على العضاضي ظهرت أول أزمة للأسمنت عند بداية عمل صندوق التنمية العقاري، حيث بلغ سعر عبوة الأسمنت 40 ريالا وبيع بأعلى من ذلك في السوق السوداء. ثم خمدت الأزمة ورجع الأسمنت كمنتج وكسعر إلى وضعه الطبيعي، وظل كذلك لما يقارب عدة عقود، ثم ظهرت الأزمة من جديد كما نراها هذه الأيام. والكل يتساءل ما سر ظهور أزمة الأسمنت بين عشية وضحاها؟ وكيف صمد الأسمنت طيلة العقود الماضية محافظا على وضعة كمنتج وكسعر، وأي مواطن يريد البناء أو أي منظمة ترغب في الإنشاء قد يتوقع أي شيء إلا أنه لا يكون ضمن حساباته ولا يمكن أن يجول في خلده أن الأسمنت قد يكون عائقا يقف أمامه في تحقيق مبتغاه في البناء والتشييد. وكل أدى بدلوه في أزمة الأسمنت التي نعيشها هذه الأيام. كل ينظر إليها من طرفه وفقا لخبراته وحسب قناعاته. البعض يرى أنها نتيجة طبيعية لحصول عدد كبير من المواطنين على قروض من صندوق التنمية العقاري في أوقات متقاربة. البعض الآخر لا يرى ما يدعو إلى القلق وأن الوضع لا يتعدى اختناقات في بعض المناطق ما تلبث أن تعود الأمور إلى سابق عهدها ولم تبلغ بعد إلى حد أن يطلق عليها أزمة، ويرون أن الناس والإعلام هم الذين قاموا بتصعيدها وتهويلها حتى أكثر مما تستحق. آخرون يرون أن هناك من يختلق الأزمة ويقيض لها بهدف استثمارها. وأيا كان السبب، أرى أن أزمة الأسمنت سواء أكانت مفتعلة أو أنها بالفعل حقيقية أراها فرصة سانحة لإعادة النظر في هذا المنتج، خصوصا أن البلد مقبل على ثورة عمرانية لم يسبق لها مثيل ولا أظنها ستتكرر. وهذا يتطلب منا تسليط الضوء على منتج الأسمنت من جميع جوانبه بدءا بدراسة العرض والطلب مرورا بتحليل نتائج أعمال مصانع الأسمنت وطريقتها في تسويق منتجاتها. كما يجب إعادة هيكلة صناعة الأسمنت وتنظيمها، فإذا لم تكن مصانع الأسمنت قادرة على الإنتاج والتسويق بشكل جيد فإنها لن تستجيب للمرحلة الحالية والمقبلة التي تمر بها البلاد. نعم قد تلجأ الدولة إلى الاستيراد إذا لزم الأمر، لكنني أرى أن مصانع الأسمنت قادرة على تغطية السوق المحلي بما يحتاج إليه إذا استطاعت العمل بمهنية، خصوصا في مجال التسويق. في البداية، وقبل كل شيء أرى أن تقوم مصانع الأسمنت بتقييم برامجها التسويقية فيظهر لي من خلال ما يحدث أن مشكلة مصانع الأسمنت ليست إنتاجية بقدر ما هي تسويقية. وسوف أقوم بفتح ثغرة يمكن الولوج منها لتحليل البرنامج التسويقي لصناعة الأسمنت رغم النقص الشديد في المعلومات، فكل ما ينشر عن صناعة الأسمنت لا يتعدى عرض القوائم المالية في الصحف اليومية. لو نظرنا إلى المزيج التسويقي الحالي لمصانع الأسمنت التي يبدو أنها جميعا تسير بالوتيرة نفسها وتستقي خططها وبرامجها التسويقية من تقليد بعضها بعضا، فلا أظن أن المشكلة في المنتج نفسه من حيث التصميم والمواصفات ونحوهما، وليست أيضا ترويجية، فشركات الأسمنت لا تحتاج إلى قدر كبير من عناصر الترويج لزيادة حجم مبيعاتها، إنما المشكلة في رأيي المتواضع خلل في السياسات التسعيرية وسوء إدارة قنوات التوزيع؛ لذا سأخصص هذا المقال لمناقشة طرق تسعير الأسمنت وأؤجل الخوض في قنوات التوزيع إلى مقال الأسبوع القادم - بإذن الله. هناك ثلاث سياسات رئيسة عادة ما تنتهجها الشركات (أي شركة) عند تسعير منتجاتها. الطريقة الأولى التعسير على أساس "القيمة" أي تسعير المنتج بناء على تقييم المستهلك له. وقيمة المنتج كما نعرف تختلف من مستهلك إلى آخر ومن وقت إلى آخر للمستهلك ذاته. ومفهوم "القيمة" مصطلح اقتصادي يصعب تحديد مقدار كمي له كالمنفعة تماما؛ لذا يتم تحويل هذه المفاهيم النوعية إلى لغة كمية كي يسهل كقياسها، إلا أن التقدير يظل غير دقيق. وتقوم الشركات بتقدير قيمة المنتج من وجهة نظر المستهلك وتحدد السعر بناءً على ذلك. ورغم أن هذه من السياسات التسعيرية الأخلاقية إلا أن البعض يحذر منها نتيجة المبالغة في تقدير القيمة التي يبنى عليها السعر، وهي (أي القيمة) تختلف من سوق لسوق ومن موسم إلى آخر. السياسة الثانية من سياسات التسعير تتمثل في تسعير المنتج بناءً على أسعار المنافسين. وهناك عدة شروط يجب مراعاتها عند استخدام هذا النوع، ليس هذا مكان التفصيل فيها، ولكن نريد أن ننوه أنه يجب على الشركات التي تتبع هذه السياسة أن تحسن استخدامها وإلا ستجد نفسها تخوض حرب أسعار مع منافس شرس دون أن تدري. أما السياسة الثالثة فهي التسعير على أساس "التكلفة". وهذا يتطلب معرفة التكاليف الثابتة والتكاليف المتغيرة وتقدير حجم المبيعات لفترة زمنية قادمة يضاف لها هامش ربح لا يقل عن 20 في المائة. وقد توصل علماء التسويق إلى معادلة بسيطة تستطيع الشركات الاستعانة لتحديد السعر النموذجي الذي يكفل للمصنع ولقنوات التوزيع حقوقهم ويضمن عدم استغلال المستهلك النهائي. وحتى تعمل هذه السياسة بشكل جيد يجب تصنيف التكاليف تصنيفا دقيقا فعدم وضوح التكاليف بشقيها وعدم وضوح هامش الربح الذي سيحصل عليه المنتج والموزع يجعل تحديد السعر المثالي للوحدة الواحدة غير دقيق والذي قد يؤدي إلى بخس المنتجين والموزعين حقوقهم؛ مما يضطر عددا كبيرا من قنوات التوزيع إلى الزهد في الاستثمار في توزع المنتجات. لذا على مصانع الأسمنت أن تختار من هذه السياسات ما يلائم طبيعة الإنتاج والسوق ولو أنني أرى أن تسعير المنتجات على أساس التكلفة هي الطريقة المثلي التي تناسب مصانع الأسمنت في بلادنا رغم أنها قد ترفع سعر عبوة الأسمنت للمستهلك النهائي. فهناك عدة مميزات تجنيها الشركات عند تبني سياسة التسعير على أساس التكلفة، منها أنها سترفع قيمة منتج الأسمنت في نظر العميل (لا نقصد بالقيمة هنا السعر)، وتحقق عائدا مزجيا للمصانع، وتشجع شركات متخصصة الدخول في تجارة توزيع الأسمنت كبائعي جملة أو تجزئة. وأكاد أجزم أن السعر الحالي - أو بالأحرى هامش الربح الذي يحصل عليه الموزع - لا يشجع دخول قنوات توزيع حديثة وذات خبرة تتولى عملية نقل وتوزيع الأسمنت بحرفية. كما أن عدم وضوح التكاليف الثابتة والمتغيرة وعدم المقدرة على تقدير حجم المبيعات يؤدي أيضا إلى صعوبة الإفادة منها مما يجعل سوق الأسمنت سوقا غير محفزة من وجهة نظر الموزعين، وهذا سيؤدي إلى ظهور سوق سوداء تتشكل أثناء الأزمات - كما نراها هذه الأيام - تستغل نقص العرض أو زيادة الطلب لاستثمار هذه الفجوة بين المنتج والمستهلك والتي لا يردمها إلا قنوات توزيع مهنية. هذا من ناحية التسعير، أما العنصر الآخر من عناصر المزيج التسويقي الذي يتعين تسليط الضوء عليه في قضية الأسمنت، فهو قنوات التوزيع ذاتها. بمعنى كيف تقوم مصانع الأسمنت بإيصال ما تنتجه إلى المستهلكين النهائيين سواء أكانوا مستهلكين أفرادا أو منظمات؟ وكم يبلغ طول قناة؟ وما أنواعها؟ وهل يُسمح للمستهلك النهائي أن يشتري مباشرة من المصنع كما يحدث في بعض دول أوروبا الغربية، أم أن عليه أن يتعامل مع موزع - كما يحدث في اليابان مثلا؟ * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل