المحتوى الرئيسى

ستمطر السماء غداً

05/27 08:13

شاهدتهما معا لأول مرة على سطح السفينة النيلية التى كانت تتهادى بين الأقصر وأسوان. زوجان سعيدان يخطفان الأبصار وهما يمشيان متشابكى الأيدى. مجرد رؤيتهما كانت تملؤنى بالبهجة والتفاؤل والانشراح. تعارفنا كما يتعارف زملاء الرحلة الواحدة. لكن الأقدار رتبت مزيدا من التعارف. كنا مجموعة من رفاق الرحلة ولا أدرى من فينا فتح موضوع الإدمان. وحينما أبديت تحفظا على احتمال الشفاء الكامل لاحظت كأن الزوجة تريد أن تقول شيئا لكنها تراجعت. لذلك حين شاهدتهما يتحدثان بجدية، حدّست أنهما يتناقشان بشأنى، وتوقعت أنهما سيفتحان لى قلبيهما عن قريب. لذلك لم أُفاجأ حينما وجدتهما قبيل الغروب يسحبان كرسيين ويجلسان أمامى دون استئذان. كانت الشمس تسحب ذيولها وتقيم مهرجانها الكونى البديع، والأمواج تضرب جدران السفينة بلطف كأمّ تهدهد طفلها. والنيل قد تحول إلى لُجّة من الفضة النقية، والمعابد الفرعونية تتوالى فى عظمة غابرة، ونسيم لطيف يداعب وجوهنا، والقمر يسفر عن وجهه الباسم الذى يغزو القلوب. كانت الطبيعة حولنا تشجع على البوح، وتكسو الأمسية بستار من شجن وحزن رقيق لطيف. ويبدو أن نظرتى الباسمة نفذت داخلهما لأنهما ضحكا فى مرح يخالطه بعض الارتباك. ثم تمالكت الزوجة الشابة روعها وبدأت الحديث بأغرب كلمة كنت أتوقعها: «هل تعلم يا دكتور أننا كنا مدمنين؟!». وقعت الكلمة علىّ كالصاعقة، كان ذلك أبعد شىء عن تفكيرى! كانا هما الشباب ذاته، المروج الخضر والربيع. ابتسمتُ لتدارك الحرج، وقلت فى اهتمام حقيقى: «يهمنى أن أسمع قصتكما». التقط الزوج الخيط وبدأ يتكلم. سأحاول قدر المستطاع أن أنقل الحديث بروحه وكلامه وإيماءته ونظرة عينيه وارتجاف يديه. والحقيقة أن سحر النيل والليل الزاحف وفكرة التقاء غرباء على سطح سفينة يتلاقون ثم يفترقون بعد ذلك إلى الأبد، كان يضفى على اللقاء شجنا وشاعرية لا تُوصف. قال لى: «كانت السماء ملبدة بالسحب الكثيفة، والشمس نائية ومحجوبة، ورغم ذلك لا يسقط المطر أبدا! كنت أشعر بصداع وما يشبه الهذيان. أتكلم كثيرا وبصوت مرتفع. وأتحدث مرارا عن طفولتى، ورؤى عجيبة تزورنى، وأهدد كثيرا بالانتحار. وكانت (وأشار إليها) تعاملنى برقة، وتتلطف معى. وتخبرنى بأن الانتحار هروب والشجاعة الحقيقية فى مواجهة الحياة». سألته وقد راق لى حديثه: «وأين تعارفتما؟». قال: «فى أوكار الدخان الأزرق. أنا وهى كنا فى عزلة عن العالم، حتى لو سرنا بين الناس. كنا روحين تحالف ضدهما اليأس المُطبق والإدمان المميت. أنا الابن الضال المطرود من رحمة أسرته، وهى ضحية طلاق الوالدين وبْحث كليهما عن السعادة بمفرده دون اعتبار لمصالح الأبناء. كنا نبحث عن مهرب من الجزع والفزع والاضطراب. جربنا كل أنواع الإدمان، وحين يبدأ مفعول المُخدر تخامرنا السكينة، نبتسم بعدها ابتسامة الغائب عن الوعى فى أفق بعيد». سألته: «وبعد؟». قال: «كان يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه حتى السجن أو الموت أو الانتحار، لولا أنه كان فى أعماقنا السحيقة بصيص من نور. شىء يخبرنا فى ظلامنا الحالك بأن الشمس ستشرق من جديد. كل ما علينا أن ننتظر المطر، وتبدُد سحابة الغيوم. كنا نؤمن بأن الشمس موجودة، فقط يحجبنا عنها غطاء سميك». وتنهد الزوج الشاب، ونظر إلى بعيد وكأنه يتذكر. وأمسكت الزوجة يده فى شجاعة ثم ضغطتها. وساد الصمت الذى رحبنا به جميعا، وكأنه جاء بعد وصلة غناء شجية. كان الليل قد بدأ يزحف تدريجيا والأزرق الحزين يهبط ببطء، وبدا القمر كأنه مندهش مثلى ويشاركنى الفضول. قالت الزوجة فى عذوبة: «كنت أعلم أننا سنتجاوز الأزمة. لم يكن لدىّ شك». عاد الزوج يكمل حديثه: «وجاءت ليلة تأخر فيها المخدر أكثر من المعتاد. كنت أقاسى عذابا أليما، وكانت تعانى مثلى وأكثر. لكنها تتحامل على نفسها ولا تسمح لضعفها أن يُغرى ضعفى فى متوالية لا نهاية لها. كنت أبصر العرق البارد يتكثف على جبينها ورغم ذلك تشجعنى وتشد من أزرى، واشتد عذابها وعذابى فانفجرنا باكيين. حينئذ - لا أدرى ما حدث! - شعرتُ بسكينة عجيبة، وببرد يزحف على قلبى وأنسانى العذاب الذى لا يُطاق. وكأن الألم حين اشتد استحث فينا التشبث بالحياة. إحساس كل منهما بآلام صاحبه ولّد بيننا حباً عجيب الشأن!». وسكت وكأن دموعه ستخنقه. وعلى ضوء القناديل الخافتة شرعتُ أتأمله. كان وسيما حقا، بقوامه الرياضى وعينيه العميقتين وشعره المنحسر عن جبين عريض. أما الزوجة الشابة فيكمن سحرها فى حنانها أكثر مما يرجع لجمالها، كان واضحا أنها تبسط عليه نوعا من الحماية والأمومة الناعمة. قالت الزوجة وكأنها تعطيه فرصة لالتقاط الأنفاس: «من قلب اليأس والألم انبثق الحب والأمل. ومن بقايا عقل مُغيّب استجمعنا إرادتنا. لكن لم يحدث ذلك بسهولة». قال: «كنتُ كلما غاب المخدر أبكى. تصدر منّى صرخة عظيمة كصرخة حيوان جريح. تتتابع مشاهد عمرى أمام عينى فى لمح البصر، ضياعى وتشردى وانتهاك خصوصيتى وكل ما تناولت من المخدر كى أنساه، وهى تهدئ من روعى وتُدللنى كأننى طفل عزيز. كنت كالجرو المبتل أبحث عن دفء، عن حضن، عن يد تقتلع الأعشاب الضارة وتزرعنى فى أرض الأمان. تشبث كل منا بصاحبه، وتعاهدنا على أننا سنغادر أرض الخوف معا، ونتخلص من الإدمان سويا. ثم ومض البرق بغتة فأدركتُ أن المطر آت، وفى أعقابه السماء الصافية، وشمس تشع بالدفء والكرامة والأمان». وسكت تماما فلم يعد هناك ما يقال. وساد الصمت الشجىّ الذى هو أبلغ من أى كلام! الصمت الذى قطعته الزوجة فى تحد باسم وهى ترفع رأسها فى ثقة: «قلت إن الشفاء الكامل من الإدمان صعب، فهل مازلت تراه كذلك؟». أدرت وجهى كى أدارى دمعة انحدرت من عينى برغمى، وقلت بصدق: «صعب! ولكن الحب الصادق يصنع المعجزات». aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل