المحتوى الرئيسى

تحت القسم الدور السياسي للدين في مصر

05/27 00:16

أول ما يدرسه طالب العلوم السياسية فيسنواته الأولي مادة تسمي الفكر السياسي‏,‏ وأول درس في هذه المادة هو أن الفكر السياسي محصلة التفاعل بين ثلاثة أطراف هي‏:‏ المفكر أولا, وثانيا القضية أو المشكلة التييحاول البحث عن حلول لها, وثالثا البيئة أو المحيط الحضاريالذييحتويكلا من المفكر والقضية أو المشكلة, وبالطبع فإن القضية هي الأهم هنا, ولكنها القضية التي تمثل الشغل الشاغل لأغلبية أعضاء المجتمع في حقبة ممتدة نسبيا, فما هيالقضية الرئيسية التيتصديلها الفكر السياسيالإسلاميالحديث؟ سوف نكتشف توا أن هذا الفكر لم يوفق فيمعظم فترات تاريخه في اختيار القضية الصحيحة التييتصديلها, ولكنه تشتت بين قائمة طويلة من القضايا تبدأ من الجامعة الإسلامية فيأيام جمال الدين الأفغاني, ولا تنتهيبإحياء الخلافة العظمي, ثم تنقل بين قضايا الكفاح ضد الاستعمار الأجنبي, وتطبيق الشريعة, والحاكمية الإلهية, وتوقف برهة من الزمن أمام قضية العدالة الاجتماعية بضغط من جاذبية المذاهب الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية, وها هو ذا الفكر السياسي الإسلامي في هذه الآونة يدلي بدلوه في هذه الحقبة من التاريخ في قضية الديمقراطية والدولة المدنية( ذات المرجعية الدينية). فياعتقادنا أن هذا التشتت بين القضايا من جانب مفكري(ثم حركات) الإسلام السياسيهو نتيجة لسبب جوهرينراه متمثلا فيالاضطرار للتعامل مع استحقاقات الدولة الوطنية الحديثة من ناحية, وبين السعيلإحياء دولة الخلافة الإسلامية الجامعة كهدف مثالينهائيمن ناحية أخري, فإذا جاءت فترة تغلبت فيها استحقاقات الدولة الوطنية فرضت قضايا مثل التحرر الوطني والديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية, والتنمية نفسها علي الجماعات والمفكرين الإسلاميين, وإذا جاءت فترة أخريتغلبت فيها قضايا الأمة الإسلامية مثل الجهاد فيفلسطين أو أفغانستان أو الصراع مع الغرب المسيحيعموما, توارت استحقاقات الدولة الوطنية, ومجتمعها السياسيمن المواطنة إليالتنمية إليالعدالة الاجتماعية, وأصبحت القضايا الكبريهيالجهاد فيالخارج بالقوة المسلحة, الذي انحدر إلي الإرهاب والجهاد فيالداخل بتطبيق الشريعة والتركيز عليالشعائر ومحاربة البدع والانحرافات, والصراع مع أصحاب الأديان بل والمذاهب الأخري من نفس الدين. وفي ذات الوقت الذي ينتج فيه تشتت الفكر السياسيالإسلاميالحديث من التراوح بين استحقاقات الدولة الوطنية, ومثال دولة الخلافة العظمي, فإن هذا التشتت يعمل كمقدمة منطقية لخلل جديد هو تكرار عملية الانقطاع والتشرذم فيالمسيرة الفكرية والتنظيمية للإسلام السياسي, بحيث لا تبقيهناك إمكانية كبيرة للتراكم والتطوير القائم علي المراجعة والتصحيح واستيعاب روح العصر, والتفاعل الخلاق مع المتغيرات. وإذا أخذنا تاريخ الفكر السياسيالإسلامي مقرونا بالدور السياسيللدين في مصر نموذجا, فإننا سوف نبدأ من دولة محمد عليباعتبارها بداية تأسيس الدول الوطنية فيمصر, لكن المفارقة أن دولة محمد علي نفسها كان للإسلام السياسي(بلغة هذه الأيام) الدور الأكبر في إقامتها من خلال مؤسستين كبريين هما الأزهر, ونقابة الأشراف متضامنة مع الطرق الصوفية, وكانت هاتان المؤسستان قد لعبتا الدور القيادي في الكفاح ضد الحملة الفرنسية, وكان هذا الدور نفسه استطرادا طبيعيا لدور المؤسستين معا فيقيادة الكفاح الشعبيضد مظالم المماليك والولاة العثمانيين.وإذن فقد كان دور الإسلام السياسيفيهذه الحقبة فيمجمله تقدميا( بتعبيرات العصر الذينعيش حاليا) فكان له مضمون وطنيضد الحملة الفرنسية, وكان من قبل ذا مضمون اجتماعيمع بعض اللمحات الديمقراطية فيمقاومة استبداد وتجاوزات المماليك والولاة, لكن دولة محمد عليسرعان ما بدأت فيإقامة دولة الجماعة الوطنية الحديثة بمفهوم أقرب إليروح عصرها, وقد أثر عنه ـ وهو المسلم الملتزم ـ القول بأنه فيالسياسة لا مسلم ولا مسيحي. ويمكن القول ـ عليسبيل الاستطراد ـ بأن الحملات الاستعمارية الأوروبية عليبقية الدول العربية والإسلامية طوال القرن التاسع عشر أدت إليحركات مقاومة وطنية ذات مضمون إسلاميواضح فيكل هذه الأقطار, ففيالجزائر كانت حركة الأمير عبدالقادر وجمعية العلماء هما الأصل البعيد لحركة التحرير الوطنيالجزائري, وفيتونس كانت حركة الشيخ عبدالعزيز الثعالبيتسير علينفس المنوال, وكذلك كانت حركة عمر المختار فيليبيا, وكلها حركات كانت تدمج دون تناقض بين الهوية الإسلامية والهوية الوطنية, وبالطبع كانت هناك فيمصر حركة جمال الدين الأفغانيومحمد عبده( والثورة العرابية التيظهرت فيها الفكرة الوطنية الجامعة بين المواطنين علياختلافات أديانهم أكثر مما ظهرت فيأيمكان آخر فيالعالمين العربيوالإسلاميبسبب طبيعة المجتمع المصريالتعددية, وبسبب إعلاء دولة محمد علي مبدأ المواطنة دون أن يكون معروفا بهذا الاسم في ذلك الوقت. وجاء الاحتلال البريطاني لمصر عام1882 ليكون سببا مباشرا فيتحول كبير في مسار الإسلام السياسي فيالخبرة المصرية, ففي الطور الأول من حركة الإحياء الإسلاميبعد الاحتلال نمت هذه الحركة واستمرت ـ كما قلنا فيمقال سابق ـ تيارا فكريا ثقافيا حداثيا, ولم تتحول ـ بوعي من مؤسسيها ـ إليتنظيم جماهيريسلفي, وكانت إشعاعات هذا التيار تمتد لتؤثر فيالعامة من المسلمين وغيرهم من المصريين إيجابيا, دون السماح بمؤثرات سلبية من العامة علي رواد الحركة وتلاميذهم. وكان ما يميز حركة الاحياء الاسلامي في طورها ـ الذي نتحدث عنه ـ ان هؤلاء الرواد دخلوا الي قلب الحياة العامة من باب نقد الماضي والحاضر معا, ومن باب التحليل الاجتماعي والسياسي المشبع بروح العصر, الذي هو عصر العلم والصناعة, وحرية الفكر والتعبير, جنبا الي جنب مع التدين والانتماء الإسلامي, وبذلك اتسع هذا التيار منذ بدايته للآخر المختلف إما بالحوار, واما بالتعاون في نقاط الاتفاق, واستبعاد نقاط الاختلاف العقائدي من ميادين الصراع في الحياة السياسية, ومن ثم وجدنا تلاميذ مسيحيين من الشرق العربي, ومن مصر نفسها للشيخين الافغاني وعبده, ولعل من أبرز أمثلتهم أديب اسحق, وفارس الشدياق, ويعقوب صنوع, وغيرهم, كما يسجل تاريخ تلك الحقبة حوارات ومناظرات, واتفاقات واختلافات علي مناهج للتعاون مع مفكرين وادباء عالميين امثال تولستوي ورينان وهانوتو.. الخ. لكن تيار الاحياء الإسلامي كما عرفناه في السطور السابقة, قد انتكس بعد رحيل الامام محمد عبده, إذ سرعان ما تبني خلفاؤه وخاصة الشيخ رشيد رضا, والشيخ عبد العزيز جاويش المذاهب السلفية, وكانت شخصية الرجلين اقرب الي التزمت والتعصب, وساعد علي تغليب الفكر السياسي المحافظ, سقوط فكرة الجامعة الاسلامية بسقوط السلطان عبد الحميد في تركيا, والغزو الايطالي لليبيا أو طرابلس الغرب كما كان يقال وقتها, ثم نشوب الحرب العالمية الأولي, وما ترتب عليها من تغيرات جذرية في الجغرافيا السياسية للعالم الاسلامي, وخاصة المشرق العربي ومصر. في هذا المناخ التاريخي المتأزم تأسست جماعة الإخوان سنة1928, التي كانت مصر قبلها قد نجحت في إقامة أول مجتمع وطني ليبرالي علي أساس الهوية الوطنية, ولا شيء غيرها وكانت شخصية المؤسس الشيخ حسن البنا أقرب الي شخصيتي الشيخين رضا وجاويش منها الي شخصيات الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده, فالتكوين الفكري سلفي بالدرجة الأولي, والصلة بالعالم الخارجي والفكر والعلم الحديثين محدودة للغاية, وربما لم توجد من الأصل, وبما أن الفكر السلفي ينزع إلي تثبيت الماضي, وتطبيقه علي الحاضر والمستقبل, فقد أهمل الاخوان المسلمون وكل الجماعات التي تفرعت عنهم أو حتي ناهضتهم فيما بعد في العقود الأخيرة من القرن العشرين منذ البداية الحاجة الي الدخول الي الحياة العامة من باب نقد التاريخ, والتحليل الاجتماعي والسياسي, اكتفاء بتقوية العقيدة واذكاء العاطفة الدينية علي طريقة السلف الصالح, الذي يكفي ما ورثناه عنه في رؤاهم. وبينما كانت حركة الاحياء الإسلامي في طورها التقدمي تيارا فكريا ثقافيا تقوده النخبة المتعلمة, ويشع بأنواره كما قلنا علي عامة المسلمين, فإن الحركات الدينية الجديدة اختارت منذ البداية أسلوب التنظيم الجماهيري, واتسعت قاعدتها لكل متحمس, فكان من الطبيعي ان تكتسب الحركة مزيدا من المحافظة والسلفية فوق ما بدأت به طبقا لقاعدة أن القائد لا يقود جماهيره فقط, ولكنه ينقاد إليها أيضا, ثم أخذت الجماهيرية هذه تتحول شيئا فشيئا بتأثير هزيمة1967 ومعها المشروع القومي الاشتراكي, وبتأثير الطفرة النفطية في الدول العربية ذات المجتمعات السلفية لدي العامة إلي مايمكن تسميته بالتدين الشعبي, حيث تغيب في أحيان كثيرة روح الدين من أمانة في التعامل واتقان في العمل, وأحيانا لا يكون هناك التزام بالعبادات والفرائض نفسها, ولكنهم يسمعوننا خطب الدعاة, وتسجيلات القرآن الكريم بأعلي الأصوات في وسائل النقل وفي المقاهي, بل وفي متاجر الخضر والفاكهة, وغيرها من مرافق الحياة العامة بما لايتناسب مع جلال القرآن ولا الحالة النفسية للمستمعين. وهؤلاء الأشخاص أنفسهم هم أيضا من يعتبرون أن مشكلتهم الأولي هي غير المسلم من أبناء وطنهم, وأن بناء كنيسة بتصريح أو بغير تصريح يكفي سببا لمعركة تطير فيها الرؤوس, وينتكس بسببها مبدأ المواطنة( دون إنكار وجود متطرفين وأخطاء كبيرة لدي المواطنين غير المسلمين أيضا). وفي ذات الوقت كان الأزهر قد فقد دوره المميز في القيادة الدينية السياسية, لأسباب عديدة, أبرزها محاولة الدولة ترويضه, حتي لايكون فوقها أو موازيا لها, وهي محقة في ذلك بالقطع, ولكن كان يجب عدم إضعافه إلي الحد الذي يترك فراغا تملؤه عشرات الجماعات والدعاة الأفراد بشطط في أغلب الأحيان, كما نشهد حاليا. والآن ماذا يخبئ المستقبل للاسلام السياسي في مصر؟ وماذا يخبئ المستقبل لمصر نفسها ككل؟ مع بقاء الشعور بالقلق من عدم اختيار الفكر السياسي الاسلامي للقضايا الحقيقية التي ينشغل بها, واستمرار تشتته بين استحقاقات الدولة الوطنية الحديثة, ومثال دولة الخلافة العظمي للسلف الصالح, فإن هناك بشائر أمل لاتنكرها العين, فقد استجابت جمعة الإخوان المسلمين مثلا لكثير من استحقاقات العصر( في دولة وطنية). فهي الآن تتحدث عن دولة مدنية تلتزم بمبدأ المواطنة, وتلتزم علنا بصندوق الانتخابات وتنشغل بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية, وتتخذ مواقف تقدمية من حقوق المرأة, وقضايا العلاقات الدولية, وحتي إذا لم تكن إجابات الجماعة كافية بالنسبة للبعض, ونحن منهم, فإننا نتوقع مزيدا من التطور في المستقبل تحت ضغط الحاجات الموضوعية للمجتمع, كذلك فإن كثيرا من الجماعات الأخري إما راجعت أفكارها ومواقفها, أو هي بسبيلها إلي ذلك, ثم إن ثورة الرأي العام, وكذلك معظم تيارات ومؤسسات الاسلام السياسي علي الممارسات المنسوبة لبعض السلفيين,وتبرؤ شيوخ السلفيين أنفسهم منها, يفتح الباب أمام انخراط هؤلاء في التيار العام لدولة المواطنه المدنية. لكن أوسع أبواب الأمل في دور يجمع ولايفرق, ويبني ولايهدم, ويصنع التقدم, ويقاوم التخلف للفكر السياسي الاسلامي في مصر يتمثل في فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ومدرسة العلماء الأجلاء الذين اختارهم واختاروه للعمل معا. فهو رجل جمع علي مستوي الفكر بين الثقافة والعلوم الاسلامية في أصفي منابعها, وأحدث منجزاتها, وبين الفكر العالمي في أرقي معاهده, وفي شتي مناحيه, وهو أيضا رجل مبادرات شجاعة علي مستوي الفكر وعلي مستوي الحركة سواء في الحوار مع المختلفين معه فكرا ودينا, أو في التصدي بحزم العالم المتمكن للمسيئين للإسلام من أبنائه, أو من غير أبنائه, وها هو ذا الرجل يقود الأزهر من جديد إلي ملء الفراغ الذي ترك طويلا لغير الجديرين بملئه.. مجددا ومكملا ومضيفا لتراث شيوخ الأزهر العظام من أمثال المراغي ومصطفي عبد الرازق ومحمود شلتوت. ahammad@ahram.org.eg المزيد من مقالات عبدالعظيم حماد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل