المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد: مبارك مكتئبًا!

05/26 17:36

يبدو أنه ليس قريب المنال تخلص الشعوب من أفكار عتيقة مهما كانت بالية، ومهما كان حظها لدى الناس من اليقين بسوئها، من ذلك ما يحفل به تراثنا من أمثال شعبية رديئة، حتى إن تراثنا ينتصر عادةً للشاطر حسن والأميرة ست الحسن، وتنتهي أكثر أفلامنا التراثية باكتشاف أن البطل ابن باشا أو حفيده؛ إثارة لاحترام المشاهدين باعتبار أن ابن الباشا هو (ابن ناس) بخلاف عامة الشعب، حتى إن كلمة (شعبي أو بلدي) لدينا تستخدم شعبيًّا ورسميًّا للحطِّ من المكانة، فيقال مساكن شعبية للدلالة على مساكن غير آدمية تقريبًا أو توصف امرأة بأنها "بلدي" بقصد الحطِّ من قيمتها، ولقد وقع في يدي كتاب لتيمور باشا عن الأمثال الشعبية، وبعد أن انتهيت من قراءته رحت في نوبة طويلة من الاكتئاب برغم معرفتي السابقة لأكثر ما حوى؛ وذلك لما أضيف لعلمي ما كنت أجهل وللقراءة دفعة واحدة بحيث كانت جرعة الألم مركزة.   خذ مثلاً ما يلي (اللي له ظهر ما ينضربش على بطنه.. الميه ما تطلعش العالي.. اللي ياخد الكف يبات مرتاح، يا بخت من بات مغلوب ولا بات غالب!!!).   وأستأذن في عرض تجربة شخصية تتعلق بالسياق، كنت أتلقى بحكم عملي وكيلاً للنائب العام على نحو دوري قضايا "تموين"، وكانت التهم تترواح من عدم الإعلان عن أسعار الخضراوات والفاكهة إلى بيعها بأكثر من الثمن المحدد، وكان المتهمون مسالمين مستسلمين لقدرهم لا يحتجون ولا يبدون سخطًا حتى إن رجلاً زجَّ بامرأته بائعة الخضراوات بدلاً من امرأته الثانية بائعة العنب التي كانت قد فرَّت من رجال شرطة التموين، ودخلت السيدة السجن دون احتجاج، وتم اكتشاف الأمر بالصدفة البحتة خلال مروري على السجن ليلاً، فقد رحت أسأل كل سجينة عن تهمتها فردت السيدة قائلةً لا أعرف، وتبينت حقيقة القصة، وفي يوم قلت لرئيس الحملة القائمة بالضبط: هل خلت البلد من مخالفين للقانون عدا بائعي الخضراوات، فبدا عليه الحرج، وقال: إن القبض على الكبار مكلف جدًّا، وأنه رأى الموت رأي العين يومًا لما دخل إلى محل تاجر كبير للتفتيش فأمر عمال المحل بإغلاقه عليه، وهموا بتلقينه الدرس الأبدي، ومؤداه أن التعرض للكبار انتحار! وقال: إن عناية الله أدركته في اللحظة الأخيرة، فقبل أن يهوي الجميع على أم رأسه سأله التاجر من أي البلاد هو؟ فرد مرتعدًا وذكر قريته واسم أبيه وعائلته، فأمر صبيانه بإطلاقه وطيب خاطره لا خوفًا من الحكومة ولا القانون وإنما خوفًا من انتقام عائلته!ولقد تذكرت القصة القديمة لما تابعت- ككل المصريين– المشاهد الكبرى لسير تطبيق القانون وإنزال حكمه في مصر التي دفعت الدم ثمنًا غاليًا باهظًا فداء حريتها وكرامتها، وطلبًا للعدالة التي لا تُفرِّق بين الناس حسب حظوظهم من الفقر أو الثراء والجاه.   ولنأخذ عينات عشوائية غير مرتبة زمنيًّا من العناوين التي ترددت في مصر بعد الثورة (حديث مع فتحي سرور بالمصري اليوم، سرور كان ساخطًا على التزوير، سرور دفع ثمنًا باهظًا لمعارضة أحمد عز، أحمد عز ضيف على برنامج تليفزيوني، عز: حميت الدخيلة ولم أستول عليها، التحقيق مع عائلة مبارك قريبًا، لجنة لتقصي الحقائق عن قتل الثوار، اللجنة تضع تقريرًا يراه البعض إنشائيًّا، اللجنة لم تتمتع بصلاحيات تمكنها من الوصول إلى الحقائق، دور مبارك في قتل الثوار يكتنفه الغموض!!!!، مليونية تطالب بمحاكمة كل رموز الفساد، زكريا عزمي في القصر الجمهوري يوميًّا، تصريح لمسئول: عزمي موظف ويمارس عمله بعيدًا عن مبارك، دول شقيقة غاضبة من مساءلة مبارك، جمال مبارك غاضب لتعديل الدستور دون الرجوع إليهم!!!!، حركة المحافظين تتضمن نقل الملاحقين بالغضب الشعبي من محافظة لأخرى، بعض الوزراء كانوا في لجنة السياسات، ضرب المتظاهرين عند سفارة الصهاينة ضربًا مبرحًا وإسالة دماء بعضهم، مليونية غاضبة لتراخي إجراءات المحاكمات، التحقيق مع العادلي بتهم قتل الثوار والثراء غير المشروع، إحالة العادلي للمحاكمة عن القتل دون إحالة مبارك، مليونية غاضبة، التحقيق مع عائلة مبارك، حبس ولدي مبارك بتهم مالية، تزايد الغضب الشعبي وبوادر انفجار شعبي، التحقيق مع مبارك وحبسه، التحري عن ممتلكات سوزان مبارك، تزايد حدة الغضب الشعبي، حبس زكريا عزمي بتهم مالية، حبس فتحي سرور بتهم الثراء غير المشروع، حبس سوزان مبارك، الإفراج عن زكريا عزمي، احتجاجات عارمة غاضبة، إعادة حبس زكريا عزمي، الإفراج عن سوزان مبارك بعد أن تخلت عن بعض ممتلكاتها (مسروقاتها إن شئنا الدقة!!)، سوزان تبكي وتنهار، احتجاز مبارك في المستشفى لمرضه، مبارك يتشبث بالسرير خوفًا من نقله إلى السجن، مبارك مكتئب، مبارك يريد زيارة قبر حفيده، تسريب دعوات العفو عن مبارك، نفي نية العفو عن مبارك، لا ضغوط على مصر للعفو من أي دولة، السباعي يصرح، السباعي ينفي، السباعي يؤكد مجددًا، السباعي أقيل من منصبه، مبارك في حالة صحية سيئة، مبارك يردد "ربنا كبير" هيكل متعاطف إنسانيًّا مع محنة مبارك، مبارك يهدد بملاحقة من اتهمه في ذمته (يقصد ملاحقة الشعب كله ومعه نصف العرب على الأقل وربع سكان أوربا تقريبًا)، سوزان تقول: نحن عائلة بسيطة جدًّا، مبارك يقول: أنا رجلي والقبر لكن أولادي لم يأخذوا حظهم من الدنيا!!!! (يقصد غالبًا أن جمال لم ينعم بحكم مصر وأن علاء لم ينعم بملكية الكلاب الضالة في الشوارع) ممرضات المستشفى يبكين مع سوزان مبارك تعاطفًا، إصدار أحكام عسكرية بالسجن لمدد تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا على متهمين استعرضوا القوة وحملوا أسلحة لترويع المواطنين، الأحكام صدرت خلال أيام من القبض على البلطجية، لجنة للكشف الطبي على مبارك، تهيئة سجن طره لإيداع مبارك به، الداخلية: أمر مبارك بيد النائب العام.. مدير مستشفى شرم الشيخ: مبارك مكتئب ويرفض زيارة الطبيب النفسي)!!   وبعد هذا العرض الموجز فإن التساؤلات تثور حيرى تنتظر الإجابة ممن يتفضل بها مشكورًا مأجورًا.   مبدئيًّا هل تليق هذه العناوين بثورة راح ضحيتها نحو ألف من زهرة شباب مصر وفقد أكثر من ألف إحدى العينين، وتشير التقديرات إلى ستة آلاف مصاب غير المفقودين، وكل هؤلاء من خلفهم أسر نكبت بالفقد والموت والإصابات؟ هل يتفق مع منطق الثورة أن يقع التلكؤ في اتخاذ أدنى إجراءات العدالة بحق "الكبار" بينما ما زال صغار المجرمين تتسارع بحقهم الأحكام المغلظة باترة قاصمة، وهذا الشق وحده لا اعتراض عليه تمامًا كما كنت غير معترض على محاضر بائعي الفاكهة والخضروات، وإنما كان وجه الاعتراض هو أن القانون لا يطبق على الكبار، وأن العدالة تركب صاروخًا عابرًا للقارات في مطاردة سارق البيضة، بينما تنام قريرة العين على ظهر سلحفاة، وربما في الأدراج عندما يتعلق الأمر بسارقي الوطن كله وبيعه عقارًا وكرامة ودورًا وتاريخًا لحساب البقاء الأبدي والتوريث!!   هل يليق بقاء محافظين ووزراء سواء من كان عضوًا في لجنة السياسات، وهي باب جهنم للتوريث، أو من كان موضع ثقة مبارك أو من تلاحقه تهم بالتعذيب أو الانحرافات المالية؟ وهل عقمت مصر إلا من اختيارات مبارك؟   إن بإمكاني فور أن يطلب مني أولو الأمر أن أدلهم على عزب كثيرة جدًّا- فضلاً عن القرى والمدن- تعج بالكفاءات النزيهة المحترمة، هذا بفرض أنهم لا يعرفون، فإن كانوا يعرفون ففيم هذه الاختيارات المفجعة؟   وهل كل لص يتخلى عن كل أو بعض المسروقات يغدو في اليوم التالي حرًّا طليقًا بدعوى أن القوم ممنوعون من السفر، أو بدعوى أن البعض طاعن في السن يحتاج إلى الدواء، وأن بيته أفضل من السجن ليتلقى الدواء الشافي والطعام الملائم هنيئًا مريئًا من دم الجوعى والمشردين!!   وهل يليق والقوم موجوعون بين ثكالى وأرامل وأيتام ومصابين وبين من لهم مفقودون، وبين مشردين ومرضى، ومن ضاعت أعمارهم في سجون الطاغية، أن تطرح في الهواء بالونات اختبار على شاكلة الصلح والعفو مقابل رد المال الظاهر أو حتى الحقيقي؟ وهل كنوز الدنيا تكفي عوضًا عن القصاص من القاتل؟ أليس ذلك مهينًا جدًّا فضلاً عن كونه استهلالاً سيئًا على طريقة "أول القصيدة كفر"؟   ثم نصل إلى موطن الداء الأكبر وهو مبارك المكتئب المريض الطاعن في السن رافض الدواء، الراغب في زيارة قبر حفيده، الحزين لأجل ولديه، ونصل إلى امرأته الباكية على حال أسرة أبكت وطنًا وبعض الأوطان المجاورة وغير المجاورة، ولم تحفل إلا بصالحها فقط دون أي اعتبار آخر؟   لا أقول ولا أقبل أن يعامل مبارك- كنز إسرائيل الاستراتيجي وكارثتنا الإستراتيجية أيضًا- بمنطقه مع الشعب المصري، وإلا لأهدر دمه ألف ألف مرة بقدر من جوَّعهم ومَن اعتقلهم ومن أمرضهم بالسرطان من جرَّاء تعاونه مع الصهاينة على تدمير مصر زرعًا وضرعًا، وإنما أقول: أين العدل فيما يجري؟   علمنا أساتذتنا أن المقص لا يكون مقصًّا إلا باجتماع جزئيه، وكذلك الظلم لا يكون ظلمًا إلا باجتماع نوعين مختلفين من المعاملة لحالتين متماثلتين، فلو أن كل متهم مصري له حق قانوني في العلاج النفسي لطلبنا ذلك لمبارك، ولو أن كل متهم مصري يرد المسروقات (ما ظهر منها والظاهر عادة مثل الظاهر من جبل الجليد) لقلنا بوجوب الإفراج عن كبار اللصوص فور التخلي عن الظاهر من المنهوبات، بشرط إضافي بديهي وهو رد من مات جوعًا ومرضًا بسبب النهب المنظم إلى الحياة.   في تاريخنا الحديث لم يُجرِم مواطن مصري واحدًا إلى ألف من إجرام مبارك، وأشهر السفاحين في تاريخنا قتل عشرة أو عشرين وهو رقم هائل، ولو جمعنا ضحايا ريا وسكينة وعبد العال وحسب الله والخط وسفاح الإسكندرية وسفاح كرموز لما كان عدد الضحايا واحدًا إلى مائة من ضحايا مبارك، ولا أعني الجرائم السياسية، وهناك من يتهم مبارك- بسند ذي قيمة- بجناية الخيانة العظمى، ولكني أعني الجرائم الجنائية من سرقات وقتل عمدي وقتل بإهمال، ولنحصِ ضحايا المبيدات المسرطنة وحدهم- وهم مئات الألوف- حتى إن مستشفيات الأورام كلما اتسعت كلما ضاقت بالمترددين للعلاج!   وفيم ملاحقة ريا وسكينة باللعنات بعد نحو قرن من إعدامهما بينما أستاذهما وأستاذ أساتذتهما بل أستاذ إبليس نفسه المكتئب مبارك لا زال يقيم في سجن خمسة نجوم، ويتردد عليه الطبيب النفسي، ويتلقى الضحايا الذين هم شعب بأكمله النشرات اليومية عن مزاج سيادته، وحالته النفسية التي لن تجد الراحة إلا بعودته إلى الفيلا المهداة من صديقه حسين سالم الهارب إلى إسرائيل، ومن إسرائيل إلى فيلا المكتئب جمال ابن المكتئب حسني في لندن!   لقد دخلت ريا وسكينة تاريخ الإجرام المحلي والعالمي بحق لقتل نحو عشرين سيدة، فما بالنا بالمكتئب وقد تسبب في قتل مئات الألوف، وشرد الملايين وجوَّع الملايين، وأذل شعبًا بأكمله، وأصابنا جميعًا بالاكتئاب الحاد، عدا أفراد التشكيل العصابي من حوله، فمتى- بالله- يطبق القانون على الجميع بانتظام واضطراد ودون تلكؤ بدءًا من بائع الخضراوات ووصولاً إلى السيد المكتئب مبارك!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل