المحتوى الرئيسى

القرضاوي.. الإمام الثائر

05/26 16:38

عرض: د. خالد فهمي (1) مبهج جدًّا، ودالٌّ جدًّا! ذلك الذي ظهر بهذه السرعة ليفحص سهمة الإمام العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في خدمة ثورة مصر التي انفجرت يوم الخامس والعشرين من يناير.   مبهج جدًّا؛ لأن الذي تعرض لفحص اجتهاد الإمام القرضاوي من أجل الثورة المصرية، هو واحد ممن تحرَّق شوقًا لنجاحها، وجاء مشتبكًا، ومشاركًا في أحداثها، شعورًا منه بفضلها على الشعب المصري؛ كان الخوف يملؤه ويملؤنا ونحن نناقش احتمالات مستقبلها، ثم نترك ذلك الكلام قطعًا لاحتمالات الإحباط، آخذين في رصد القيم الحضارية على أرض الميدان.   ومبهج جدًّا كذلك؛ لأن فحص منجز اجتهاد الإمام القرضاوي جاء من قلم عانى صاحبه من ظلم النظام السابق، ومن قلم يعرف قيمة الفقه وأصوله، ومن قلم يقدر في إجلال ظاهر مكانة الإمام القرضاوي.   ثم هو دال جدًّا على وعي واضح باستمرار مدرسة الفقه الرشيد؛ بسبب من اجتهاد فقهاء الحركة الإسلامية الوسطية، التي يرجع الفضل السائغ لاستنبات شجرتها في التربة المعاصرة إلى مدرسة الإخوان المسلمين، وإلى يوسف القرضاوي تعيينًا بعد سلسلة باذخة من الأسماء اللامعة في هذا السياق من أمثال حسن البنا نفسه، والسيد سابق، ومحمد الغزالي، ومصطفى السباعي، ومصطفى الزرقا، وعبد القادر عودة، والتي ما تزال مستمرة تلمس آثارها في فروع هذه الشجرة السامقة.   (2) ملامح قيمة الكتاب ويأتي كتاب القرضاوي الإمام الثائر: دراسة تحليلية في معالم (اجتهاده للثورة المصرية) نقطة ضوء بالغة الخطر؛ بسبب من عوامل عدة لعلَّ في مقدمتها تعانقها مع اللحظة الراهنة بكلِّ علامات الأزمة التي تشتبك معها، ولا سيما أن الثورة المصرية لم تتم نجاحاتُها بعد.   وتستمد الدراسة قيمتها وأهميتها من توافر العلامات التالية: أولاً: موقع الشخصية- موضع فحص منجزها الاجتهادي- وهو الدكتور يوسف القرضاوي 1334هـ/ 1926م، الذي يعد بلا منازع أعظم الفقهاء والمجتهدين المعاصرين اليوم.   ثانيًا: موقع القرضاوي، بما هو فقهيه، ومنظر فكري للحركة الإسلامية، وحركي يعرف قيمة الواقع، والاشتباك معه، وموقعه بما هو محط آمال جماعات وشعوب كثيرة تسترشد باجتهاده في ضبط حركتها ومسيرتها.   ثالثًا: الرصيد الرائع والمتنوع من أشكال دعم ثورة المصريين، وتوجيهها وتنبيهها وتبصيرها بمواضع أقدامها في حركتها، في سرعة ومتابعة ومثابرة ظاهرة من أول لحظة، وهو ما لا يمكن مقارنته بأي من الأعلام ولا المؤسسات التي جاءت جميعًا متخلفة عن فعل الثورة بخطوات كثيرة.   رابعًا: منزلة المؤلف الدكتور وصفي عاشور أبي زيد، بما هو واحد من أكثر الأصوليين الفقهاء الشباب التصاقًا بالإمام، وبما هو من أكثر الأصوليين الفقهاء الشباب وعيًا بطبيعة الواقع، وبما يجمعه في صدره من معرفة، وبما حازه من علاقات بأعلام الاجتهاد الأصولي والفقهي المعاصرين، وبما يتمتع به من سمات شخصية تقترب به من حدود أهل الحكمة.   (3) القرضاوي الإمام الثائر.. حدود المنجز وفيما يلي نتوقف أمام ما ضمه الكتاب من فصول ناقشت ورصدت وحلَّلت ودونت حدود منجز الإمام في اجتهاده للثورة المصرية المتواصل إلى اليوم.   جاء الكتاب في: مقدمة، ومدخل، وأربعة فصول، وملحق ببيانات القرضاوي وخطبه وأحاديثه وتصريحاته للثورة المصرية، كما يلي: 1- مدخل: عن معالم الثورة والإمام الثائر، وفيه (ثورة أذهلت العالم/ ثورة ربانية/ ثورة قدوة ومعلمة/ ثورة أخلاقية سلوكية حضارية/ ثورة من أجل المقاصد الإنسانية/ ثورة وطنية شعبية حقيقية/ ثورة أظهرت القدرة على التجديد والإبداع/ ثورة حصاد عقود وإن أطلق شرارتها الشباب/ ثورة ميزت مواقف الحكومات والعلماء/ موقع القرضاوي على خارطة العلماء والدعاة/ لماذا القرضاوي دون غيره؟/ ولماذا القرضاوي وثورة مصر دون غيرها من الثورات؟).   2- الفصل الأول: المنطلقات الشرعية لخطاب القرضاوي في الثورة، وفيه: نصوص القرآن والسنة/ الوعي بفقه السنن الجارية/ الوعي بفقه الواقع والإحساس به/ رعاية فقه المقاصد/ رعاية فقه المآلات/ رعاية فقه الموازنات/ التشاور مع أهل الذكر/ استلهام دروس التاريخ ودور العلماء الربانيين/ رد الشبهات وتفنيدها/ نقد المتخاذلين وعلماء السلطة).   3- الفصل الثاني: قواعد حاكمة لخطاب القرضاوي في الثورة، وفيه دراسة للقواعد التالية: (حق الأمة مقدم على حق الفرد/ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة/ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب/ المشقة تجلب التيسير/ الأمور بمقاصدها/ حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة والمضايقة/ للوسائل أحكام المقاصد/ تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة/ كل ما خالف أصلاً قطعيًّا فهو مردود/ درء أعظم المفاسد بارتكاب أخفها وجلب أعظم المصالح بتفويت أدناها).   4- الفصل الثالث: الخصائص العامة لخطاب القرضاوي في الثورة، وفيه معالجة الخصائص التالية: (الربانية/ الوسطية/ المواكبة/ الشمولية/ الاستيعاب/ البيان).   5- الفصل الرابع: آثار وتأثير خطاب القرضاوي في الثورة داخليًّا وخارجيًّا، وفيه مراجعة هذه الآثار على التأثير الداخلي بما ضمه من الثوار/ والعلماء والدعاة/ والجيش والمجلس الأعلى/ والإعلام والصحافة الداخلية/ والشعب كله، وناقش تأثير الخطاب خارجيًّا على الإعلام بنوعيه مسموعًا ومقروءًا.   6- الملحق، وجمع فيه أحد عشر نصًّا ما بين تصريحات، وكلمات وبيانات، وتفريغ لبرامج، وخطب.   (4) أنوار البدايات.. منارات على الطريق كان حسنًا من وصفي عاشور أن يقف أمام عدد من الملامح التي حكمت القرضاوي بضرورة مساندة الثورة المصرية، وتنبه إلى قيمة البدايات الأولى بما هي مؤثرة في مسيرة الإمام؛ ذلك أن القرضاوي كان قد عانى من السجون وعذاباتها بدءًا من عهد الملكية المصرية في سنة 1949م، ثم في سجون عبد الناصر مرتين 1954م، و1962م، وهو الأمر الذي ينبه الكتاب على أثره الإيجابي في التحرك المواكب لفعل الثورة المصرية.   ومن جهة ثانية ينبه الكتاب على تأثير حرب فلسطين، ومرأى كتائب الجهاد المتطوعة من أجل هويتها في وعيه بحقوق الشعوب في الثورة وضرورة دعمها.   ومن جهة ثالثة فقد كانت نشأته بين صفوف حركة الإخوان المسلمين بما قدمته- وما تزال- من تضحيات غالية بدءًا من مؤسسها، ومرورا بأعلامها وعلمائها، وانتهاء بأفراد جنودها من أجل الحرية وصد هجمات الطغيان.   ومن جهة أخيرة، كانت أجواء الظلم والتضييق التي حاصرت الشيخ إلى ما قبل الثورة أمرًا زاد من دوام شعوره بالظلم، وبما هو سبب لدوام ثورته على الظالمين، بما عانقه من تكوين فطري جبلي دعمته ثقافة أصيلة برفض الاستبداد والظلم والقهر والطغيان، كل هذه الأنوار التي رافقته من بداياته الأولى منارات على طريق خدمة الثورة المصرية.   (5) ثورة مصر.. آية من آيات الله افتتح وصفي عاشور كتابه المهم بمدخل طويل، رصد فيه معالم الثورة والإمام الثائر معًا، وهي معالم تقود إلى ما ظهر عنوانًا لهذه الفقرة بما يجعل هذه الثورة منحة ربانية بامتياز، بما حازته من علامات ومعالم، وبما قيضه الله سبحانه لها من دعم الداعمين، وفي الصدارة منهم الإمام القرضاوي، وقد فطن المؤلف الكريم إلى أن الثورة كانت حدثًا مذهلاً مباغتًا.   ثم هي ثورة ربانية بما ظهر من رعايته لها ورحمته بها، وإسقاطه لمؤامرات المتآمرين عليها، ورد الحملات الإعلامية المسعورة ضد المشاركين فيها، ثم هي ثورة قدوة ومعلمة بما نطقت به قادة العالم وساسته: "لقد بدت مصر صانعة للتاريخ كالعادة" (على حدِّ تعبير رئيس وزراء إيطاليا) وأبدت العالم مصريًّا (على حدِّ تعبير رئيس وزراء النرويج).   ثم هي ثورة أخلاقية وحضارية، وهو ما عكسه سلوك المتظاهرين الفعلي واللساني معًا في علامات ظاهرة على عراقة المصريين.   وهي ثورة سعت نحو مقاصد إنسانية، بمعنى أن الثورة كانت من أجل الحفاظ على كليات الإسلام، كانت الثورة تسعى نحو حفظ الدين، والتدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض.   لقد كانت الثورة بمثابة إعادة صياغة للإنسان من جديد في ضوء هذه المقاصد الكبرى، على حدِّ تعبير الكتاب ( ص 30)، وهي ثورة وطنية وشعبية حقيقية.   ثم هي ثورة أظهرت القدرة الكامنة في الجينات المصرية على الإبداع والتجديد، وهو ما أشار المؤلف الكريم إلى مستوياته المختلفة، طالت الشعارات والهتافات والأشعار، والرسوم، والغناء إلى غير ذلك.   وقد تميز موقع القرضاوي على خريطة العلماء والدعوة بشكل ظاهر منفرد، لدرجة تشكل ظاهرة فريدة، لا يشاركه فيها أحد، لاعتبارات كثيرة- كما يقول المؤلف- منها: أ- دوره الشامل مع الثورات عمومًا. ب- قوة خطابه ورصانته ومواكبته للحدث، مع شموله لنواحي وجوانب المشهد. ج- إصداره بيانين لثورة مصر، وخطب ثلاث مرات من أجلها. د- دوره الظاهر في تحميس ثوار مصر.   لقد برهن القرضاوي على مصريته وإمامته معًا، ومن أجل ذلك استحق التوقف أمام سهمته في الاجتهاد والعمل والحركة لخدمة الثورة، بما جعله أحد علاماتها التي لا تنكر!   (6) المنطلقات الشرعية الحاكمة لاجتهاد القرضاوي للثورة المصرية التقط وصفي عاشور في فصل تالٍ عشرة منطلقات شرعية حكمت اجتهاد الإمام القرضاوي، ورتبها ترتيبًا شرعيًّا جيدًا، افتتحها بأخطر المنطلقات جميعًا ألا وهو أنه اجتهاد حكمه ورعاه نصوص الذكر الحكيم، والسنة المشرفة، وقد اشتملت خطابات القرضاوي على عدد كبير جدًّا من آيات الذكر الحكيم، تمثل مدونة رائعة لنصوص مواجهة الاستبداد من مثل ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).   ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (هود: من الآية 102).   ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: من الآية 148).   ومما ورد من نصوص السنة المشرفة في خطابه: - (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: "رجل أم قومًا وهم له كارهون...")   - ("من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة...")   - ("لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم...")   - ("لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا")   -("من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان")   وتابع وصفي عاشور أبو زيد في عُشارية الوقوف أمام المنطلقات الشرعية التي ظهرت من اجتهاد الإمام القرضاوي وتمثلت في: - الوعي بفقه السنن الجارية القاضية بانتصار الحق، وتغلب إرادة الحياة.   - الوعي بفقه الواقع والإحساس به، وأن الواقع حاكم بانتصار الكرامة، وحقُّ مصر في استعادة دورها وريادتها التي لم تنقطع إلا مؤقتًا على يد هؤلاء الفاسدين التي ثارت مصر ضدهم.   - رعاية فقه المقاصد، ووعيه بحرمة المشاركة في المظاهرات غير السلمية، وحديثه عن الأموال المنهوبة، وتأييد المقاصد الإنسانية والاجتماعية العادلة للثورة.   - رعايته لفقه المآلات، وهو ما ظهر في دعوته لانضمام الشعب إلى الثوار، وبيانه أن مقاومة الفساد سبيل لحماية مصر من الغزو الخارجي، وما ظهر من تحذيره للشباب من المندسين.   - رعاية فقه الموازنات، وهو أحد المنطلقات المهمة التي قادته إلى تأييد الثورة من فجر بدايتها وتحريضه للمتظاهرين، وتحميسه لهم، وبيانه أنه لا يجوز لأحد ولو كان شيخًا للأزهر أن يجامل فردًا على حساب شعب.   - التشاور مع أهل الذكر، وهو ما تبدى من مشاورة لعدد من قيادات الميدان في أمر نزوله للميدان، وهو ما ركن إليه في تأخير نزوله إلى ما بعد التنحي.   - استلهام وقائع التاريخ، ودور العلماء الربانيين.   وكان من أخطر ما وقف أمامه وصفي ما سماه برد الشبهات، وبين أن الخروج السلمي لا يسمى خروجًا، أو يجعل صاحبه من الخوارج بأي شكل من الأشكال، ثم كان وقوفه أمام المتخاذلين وعلماء السلطة أمرًا يذكر، فيُقدر ببالغ الامتنان لدوره.   (7) القواعد الحاكمة لاجتهاد القرضاوي لخدمة الثورة ودعمها وفيما يلي رصد لعشر قواعد استخرجها وصفي عاشور من خطاب القرضاوي رآها حاكمة على اجتهاده، وقد كان منهجه فيها متمثلاً في إيرادها والتعليق عليها بما عانقها من فعل الشيخ في خدمة الثورة، وهي كما يلي: 1- حق الأمة مقدم على حق الفرد.   2- لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.   3- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.   4- المشقة تجلب التيسير (وهو ما دعاه لإباحة تقدم المأموم على الإمام في الصلاة/ وإباحة الجمع).   5- الأمور بمقاصدها (حكمه لقتلى الثورة من الثوار بأنهم شهداء/ قاتلوهم ملعنون).   6- حقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة والمضايقة (استعراض خطايا النظام/ ذكره سجنه المظلومين/ ذكر حقوق الشعب).   7- للوسائل أحكام المقاصد (حل التظاهر/ تحريم البلطجة/ وجوب النزول إلى الشارع... إلخ).   8- تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة.   9- كل ما خالف أصلا قطعيًّا فهو مردود (الأصول ومئات النصوص تصرح بمقاومة الظلم/ لا تترك هذه لحديث وأحد ولو كان صحيحًا).   10- درء أعظم المفاسد بارتكاب أخفها، وجلب أعظم المصلح بتفويت أدناها.   (8) خصائص عامة لخطاب القرضاوي في الثورة وقد كانت اجتهادات القرضاوي- أكرمه الله- متميزة جدًّا، ومتسمة بعدد من الخصائص المهمة جدًّا، وقف وصفي أمام أظهرها، وأكثرها وضوحًا وتجليًّا، وهي سمات الربانية بدليل أن الثورة كانت لله، ومن أجل الله في مواجهة سلطان جائر، والوسطية، وهي سمة تعني العدل والحق، فقد كان ناطقًا بهما، والمواكبة للحدث بما هو من معاني فقه النوازل، وهو ما تجلى من أول أيامها، والشمولية جامعًا بين العقل والقلب، والاستيعاب بما هو خطاب موجه لكلِّ الأطراف والبيان الجامع بين الوضوح والتفهيم والتأثير.   (9) تأثير خطاب القرضاوي للثورة داخليًّا وخارجيًّا وقد تجلت القيمة العملية لخطاب القرضاوي بشكل يعكس تقدير منزلته داخليًّا وخارجيًّا، وأسهم في تمايز طوائف النخب المصرية، وأسهم في تعرية عدد من الطوائف المعادية للفكرة الإسلامية.   إن هذا الكتاب يدل دلالة قاطعة على العناية الربانية التي حاط بها رب العزة سبحانه الثورة المصرية من توفيقه القرضاوي إلى دعم الثورة وخدمتها، ويدل على أن مدرسة الإخوان في الفقه والدعوة ما تزال مثمرة منتجة، وما تزال مصر قادرة على إنجاب الطاقات والكفاءات العلمية والفكرية.   لقد أعطى كتاب "القرضاوي الإمام الثائر" صورة مشرقة لقدرة الإسلام الإيجابية عبر أصوات علمائها الكبار على دعم حركات التحرير، وطلب قهر الاستبداد.   أكرم الله إمامنا القرضاوي، وسدَّد الله قلم صديقنا العالم الدكتور وصفي عاشور أبي زيد.   (10) (ملاحظات) إنني مؤمن بأن واحدة من سمات المراجعات العلمية الساعية نحو الرصانة والإضافة، أن تقف بإزاء ما يعرض من مؤلفات موقفًا متعاطفًا يقدر ما تضيفه لحركة العلم والمعرفة في تخصصها، وناقدًا يتلمس تقويم القائم بغية تجويده، ومن هنا فإن ثمة ملاحظات وقعت لي من تأمل بناء الكتاب، وتصميمه، يمكن ذكر عدد منها فيما يلي: أولاً: يؤمن وصفي عاشور ويعلم أن الدراسة العلمية تتسم بالموثوقية، والتوثيق، وهو ما بدا ظاهرًا في أجواء الدراسة الرصينة التي أتى بها هنا، غير أن غيابًا واضحًا للتوثيق طال مناطق كثيرة من الدراسة من مثل غياب توثيق شهادات كبار الساسة الغربيين تجاه الثورة المصرية في (ص 24)، ومن مثل غياب تخريج عدد كبير من نصوص الحديث الشريف في سياق تحليل للمنطلق الشرعي الأول لخطاب القرضاوي على ما جاء في الصفحات (47 و48)، رغم أنه خرجها جميعًا في الملاحق، وكنت أحب أن يوثق كلَّ حديث عند وروده أول مرة.   ثانيًا: غابت قائمة مراجع دراسة وصفي عاشور، ولعلَّ تعجل صدور الكتاب هو الذي لفته عن إيراد قائمة مراجعة مع أهميتها البالغة لهذا الموضوع.   ثالثًا: كنت أرى- وما زلت أرى ذلك مهما- أن يورد وصفي في مقدمة دراسته ما يبرهن على كون الإمام القرضاوي واحدًا من آباء الثورة المصرية الكبار، وملهميها، بما صدر عنه من كتابات سابقة تمهد لفعل الثورة، سواء الفكري منها، أو ما كان من ذلك في صورة فتاوى سابقة.   ولكن هذه الملاحظات لا تنال بحال من الجهد الرائع الذي بذله المؤلف. ------------------ * كلية الآداب- جامعة المنوفية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل