المحتوى الرئيسى

العفو عند المقبرة!

05/26 14:05

بقلم: أسامة عبد الحفيظ السيد الذين يطالبون الشعب المصري بالعفو عن الرئيس المخلوع وزوجه، وربما في مرحلة متقدمة بقية آله، ثم بعدها أركان نظامه أو ملئه سواء كانوا طيبين ما زالوا مخدوعين أو مأجورين مدفوعين، بسحت من مال، وبقية من ولاء، وأثرة من ميراث جور نظام باد، أو على هول ما أصابهم من الثورة محزونين فزعين، لا يدرون ما يفعلون أو يقولون كالذي يتخبطه الشيطان من المس!، لاعبين على أوتار أن العفو عند المقدرة من شيم الكرام، ولاعبين على أوتار طيبة الشعب المصري وعاطفته، وأنه سريع النسيان، ولاعبين على أوتار أن المخلوع وزوجه وأركان نظامه "يا ولداه" كهول، يعانون أمراض الشيخوخة، ويلازمون يا ولداه الفراش، فالضرب في الشيخ المريض كما الميت حرام!! وأي حرام!!   فتقديم قيم الإنسانية والرحمة يا ولداه على العدل والقصاص من هدي كل الأديان، وفعل متحضري بني الإنسان!.   أو ربما لاعبين- استخفافًا أو استغفالاً أو استعباطًا.. إلخ كعهدهم دائمًا- على أوتار أن ما بدا وظهر من فِعْل أحدهم أو بعضهم أو جلهم يا ولداه كان على سبيل المصلحة العليا للوطن!! أو على سبيل النزاهة والأمانة والمشروعية، كما صرح مخلوعو وفلول النظام البائد!! أو على سبيل الخطأ والنسيان!! وربما استُكرهوا يا ولداه عليه بحكم شيخوختهم ومرضهم وكيد أعدائهم!! وربما كانوا مسحورين وهم لا يشعرون!!، أو أصابهم طائف من الشيطان فما تذكروا وما كانوا مبصرين!!، وإخوانهم من شياطين الإنس والجن أمدوهم في الغي وهم برآء- يا ولداه لا يعلمون- براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليه السلام!، وأنهم كلما ذكروا ذلك الآن يا ولداه أصبحوا وأمسوا عشاء يبكون تساقطت منهم الأسنان، وجحظت العينان، وشحبت الوجوه، وشابت الرءوس، وارتعشت الأيدي والأقدام، وكادوا يا ولداه يكونون حرضًا ومن الهالكين!.   وإلى أصحاب هذه الدعوة، على أي شاكلة كانوا، وإلى الجميع أقول: كفوا عما تقولون يرحمكم أو يهدِكم الله!! لا عفو إلا عند المقبرة؛ إذ هناك سيأخذنا لا محالة مشهد صمت القبور، وضيق اللحود، وصوت العبر والنذر، وجلال الحكم والقدر، وهول المشهد والأجل والمستقر تحت التراب مع الدود؛ حيث لا جليس ولا أنيس، حيث ذهبوا وتركوهم، وفي التراب وضعوهم، ولو ظلوا معهم ما نفعوهم!.   فربما ساعتها نبكي لهم أو عليهم ونعفو، وما ذلك على الله بعزيز!!، وسيأخذنا لا محالة مشهد "مستريح ومستراح منه"، كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فعن ‏ ‏أبي قتادة بن ربعي ‏أنه كان يحدث أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏مرَّ عليه بجنازة فقال: ‏"مستريح ومستراح منه" قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، ‏فربما ساعتها نبكي لهم أو عليهم ونعفو!! وما ذلك على الله بعزيز!.   وسيأخذنا لا محالة مشهد عدم بكاء السماء والأرض عليهم، ونعوذ بالله أن نتأله عليه أو نقول ما ليس لنا بحق، ولنا الظاهر والله أعلم بالسرائر، إذ يقول الله سبحانه وتعالى في أمثالهم حين أهلك قوم فرعون ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29)﴾ (الدخان).   قال ابن عباس: إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحًا، فقال له رجل: أتبكي الأرض؟ قال: أتعجب؟! وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود.. وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها كدوي النحل.. فربما ساعتها نبكي لهم أو عليهم ونعفو!! وما ذلك على الله بعزيز!.   فعند المقبرة- والمقبرة وحدها- ربما تأخذنا بهم شفقة أو رحمة، فتسقط دمعة ويرقُّ قلب لهم أو عليهم ونعفو، وما ذلك على الله بعزيز!.   أما الاستجابة قبل المقبرة للدعوة إلى العفو فستكون استجابةً حقيقيةً لمواصلة مسيرة الاستخفاف والاستغفال والاستغباء التي مورست ضدنا طيلة العقود الماضية، ومآلنا بالاستجابة إليها- لا قدر الله- كمآل قوم فرعون الذين قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ (56)﴾ (الزخرف).   وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)﴾ (الأعراف)، كما أن الاستجابة قبل المقبرة لدعوة العفو ستكون أيضًا مواصلةً لتغييب دولة القانون والعدل والحرية التي ذقنا بغيابها الأمرَّيْن؛ إذ لا يكون معنى حقيقيٌّ يبقى لهذه الشعارات بعد الغفو أو العفو عن أكابر مجرميها ليعيدوا مكرهم وفسادهم فيها!.   وكذلك الاستجابة قبل المقبرة لدعوة العفو دعوة ناقصة يغيب عنها ذوو الصفة الأصليون، الذين هم أول وأولى أصحابها أثناء الثورة وقبلها بعقود متواليات من عشرات المئات من الشهداء في السجون والمعتقلات، ومراكز الشرطة، ومثلهم آلاف الجرحى والمظلومين، وعشرات الآلاف من أزواجهم وذرياتهم وآبائهم وإخوانهم.. إلخ، الذين لو قالوا لأركان النظام المخلوع ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)﴾ (يوسف) لقبل منهم مع بقاء حق الوطن وبقية كل المواطنين!؛ فهل عند أحد من تفويض بدعوة العفو هذه؟!   أم هو الافتئات على الأمة ممن لا يملكون لمن لا يستحقون.. بقية من موروثات عهد بائد!.   ولذا نقول بملء فينا: إذا صارت الدماء ماءً والثكالى والأرامل عذارى، ورجع المقتول ثانيةً يتظاهر سلميًّا أمام قاتله، سنعفو ونصفح، وإلا ففي القصاص حياة لأولى الألباب ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة)، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).   وفي الختام.. دع القضاء يقول كلمة التمام: لا عفو إلا بعد القصاص.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل