المحتوى الرئيسى

مجد خلف تكتب: متى تسمو الشعوب بأخلاقها؟

05/26 09:26

لم يكن الزلزال الذى ضرب مصر فى 25 يناير أقل شدة من زلزال اليابان الذى ضرب شمالها الشرقى بعد الثورة المصرية، فما ارتج بشدة فى مصر هو مبنى الفساد والظلم، وسقط البناء واحترق ما بقى منه، وبقى شاهدًا على شاطئ نيل القاهرة مبنى الحزب الوطنى المحترق. أما مبانى اليابان فقد ارتجت بشدة تحت وقع ضربات الزلزال وعشرات ألوف التوابع لكنها لم تسقط، وهنا تحضرنى مقارنة بين البناء الأخلاقى فى مصر والبناء الأخلاقى فى اليابان، فكل التقارير التى كتبت ونشرت على الإنترنت والأخبار التى تداولتها نشرات الأنباء فى العالم كله عن أخبار كارثة فوكوشيما أفادت بالآتى: - أنه رغم أن حالات الوفاة قد زادت عن خمسة عشر ألفا فلم يسمع عويل أو صراخ أو شق للثياب أو ضرب للصدور، كما يحدث فى مجتمعاتنا كمظهر من مظاهر الحزن على الميت. - انتظمت الطوابير فى المحال التجارية ولم تشهد هذه الطوابير أى كلمات نابية أو تصرفات جارحة أو ازدحاما أو فوضى، كان الناس يشترون ما يحتاجونه فقط للحاضر حتى يستطيع الكل الحصول على القليل مما قد يلزمهم. وفى الشوراع كانت السيارات تسير فى انتظام رغم غياب رجال الشرطة، فلم تكسر الإشارات ولم يسمع أحد نفير سيارة واحدة ولم تسجل حالة واحدة من سرقات السيارات، ولم يحدث تجمهر فكل شخص يعتبر نفسه مسئولا عن بلده قولا وفعلا، وقد بلغت بهم التضحية من أجل بلدهم أن يبقى خمسون عاملا داخل المفاعل النووى فى فوكوشيما المنكوبة لضخ مياه البحر فيه لتبريده، ويعتبر هؤلاء الأبطال فى عُرف العلماء أمواتاً لتعرضهم لإشعاعات نووية هائلة ومكثفة. - وعندما انقطعت الكهرباء فى المحال التجارية من جراء الزلزال؛ أعاد الناس ما بأيديهم إلى الرفوف وغادروا بهدوء، ولم تسجل حالة سرقة واحدة خلال هذه الكارثة، رغم أن آلات الصرف الآلى تركت دون حراسة. - كان الغنى يساعد الفقير، وقد ساهمت المطاعم والفنادق والشقق بدور رائع فى هذه الكارثة فخفضت أسعارها إلى النصف وأصبح كل شىء أرخص مما كان قبل الزلزال. - تابعت وسائل الإعلام تغطية هذه الكارثة المدمرة بكل راق، وأظهرت تحكما مذهلا فى نقل الوقائع، فلا مذيعين تافهين ولا إثارة للفتن ولا مهاترات فى البرامج المختلفة؛ فقط تقارير هادئة. - ظهر الجميع متكاتفين صغارا وكبارا، فقد تلقوا تدريبات لما يفعلون وقت الأزمات، وأدوا أدوارهم كما تدربوا فعلا، فعم الهدوء أرجاء البلاد برغم الكارثة.. وأى كارثة! أما فى مصر فمن أسف أن ما عايناه بأنفسنا وأطلقنا عليه حينها أخلاق ميدان التحرير قد تلاشت، وحلت محلها طباع غريبة وأخلاق مختلفة، ربما يكون السبب فيها هو التراخى الأمن فى أعقاب الثورة وهو ما كشف عن حقيقة مؤسفة إذا ما عقدنا المقارنة بين شعب مصر وشعب اليابان، فشعب مصر تبين بوضوح لا يحتمل الشك أنه لا يريد أن يلتزم إلا تحت ضغط وجود رجل الشرطة والخوف الدائم منه، وهو عكس ما حدث فى اليابان التى سارت الحياة فيها عادية؛ لا ازدحام لا اختناق مرورى لا أزمات. إذن فما نعانى منه أن الفوضى تسكن نفوسنا، وعدم الالتزام بالقانون يكاد يسيطر على طبائعنا، وأضرب على ذلك مثالا واحدًا: قبل الثورة التزم معظم سائقى السيارات بربط حزام الأمان فى السيارة وحرصوا على ألا يراهم ضباط وأمناء الشرطة وهم يتحدثون فى الهواتف المحمولة، أما الآن وفى غياب سطوة رجل الشرطة (المقيتة) فيندر أن تجد من يلتزم بربط حزام الأمان أو عدم استعمال الهاتف المحمول أثناء القيادة، وعلى هذا يمكننا أن نقيس الانفلات المرورى عند المصريين فى غياب رجل الشرطة فلا التزام بحدود السرعة ولا اتجاهات السير فى الشوارع، ما نتج عنه الازدحام الشديد فى معظم مناطق العاصمة، وازداد عدد حوادث السير زيادة رهيبة، وسائقو سيارات النقل والميكروباص والتوك توك وعربات الكارو شكلوا لوحة فوضوية لا حضارية رهيبة، إن نمّت عن شىء فإنما تنم عن حاجة المصريين الماسة إلى التغيير من داخلهم على الأخص بعد ثورتهم العظيمة التى أشاد بها وبتحضرها كل شعوب الأرض. وعود إلى اليابان؛ أتساءل بمرارة: أليست تصرفاتهم وتعاملاتهم فى أعقاب الكارثة هى ما دعانا إليه ديننا الحنيف؟ لقد أمرنا الإسلام بإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وإماطة الأذى عن الطريق ومساندة الضعيف والإنفاق فى السراء والضراء، والتعاون على البر والنظافة والنظام، وعلمنا أن يكون المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وأن الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه... أين ذهب هذا كله؟ هل جاء اليوم الذى نرى فيه غير المسلمين تستقيم أمور حياتهم بأخلاق وطبائع ديننا؛ بينما نحن تنازلنا عنها ونسيناها ونحن المكلفين بالعمل بموجبها وإبلاغها إلى الناس كافة. ولأن مصر هى قلب العالم الإسلامى ولأنها أسست على أرضها أول دولة فى التاريخ ولأنها أم الحضارة؛ فعودة خير أمة أخرجت للناس التى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يجب أن تبدأ منها، بأن يقتنع أهلها أن الله لن يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأكثر ما أخشاه هو أن تكون أعمالنا مخالفة لتعاليم ديننا فنقول ما لا نعمل ونعمل ما لم يقل به الدين، إلى درجة أن أصبح الدين فى حياتنا مجرد شعائر تمارس ولا تؤتى ثمارها فى تعامل الناس مع بعضهم البعض. قد فهمها اليابانيون ولم نفهمها نحن وطبقوا تعاليم ديننا دون أن يعرفوا فتقدموا، ولم نطبقها نحن فتأخرنا وتخلفنا عن ركب الحضارة، رغم أن معظمنا يحفظها عن ظهر قلب ونسينا أو تناسينا أن الله والرسول والمؤمنون سوف يرون أعمالنا، (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العظيم، والله من وراء القصد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل