المحتوى الرئيسى

ذكرى الأستاذ عمر التلمساني

05/26 12:09

بقلم: علاء محمد عبد النبي "إنها لأكبر سعادة لاقيتها في حياتي أن أكون من الإخوان المسلمين منذ أكثر من نصف قرن، وأن ألقى في سبيلها ما لقيت ما احتسبته عند الله، وأن يكون خالصًا لوجه الله تعالى" كلمات أجملت حياة مرشدنا الثالث عمر التلمساني بفمه, ففي يوم 22/5/1986م توفي أستاذنا فضيلة المرشد الثالث عمر التلمساني- أول محامٍ يلتحق بجماعة الإخوان المسلمين- بالمستشفى بعد معاناة مع المرض، عن عمر يناهز 82 عامًا، ثم صُلِّي عليه بجامع "عمر مكرم" بالقاهرة، وكان تشييعه في موكب مهيب شارك فيه أكثر من ربع مليون نسمة- وقيل نصف مليون- من جماهير الشعب المصري، فضلاً عن الوفود التي قدمت من خارج مصر.   فمن هو عمر التلمساني؟ ولد المرشد الثالث للإخوان المسلمين الأستاذ عمر عبد الفتاح التلمساني يوم 4-11-1904م بحي الغورية بالقاهرة, ويرجع أصله إلى تلمسان الجزائر، وكان جده من الأثرياء، وكان من أتباع محمد بن عبد الوهاب، وقد طبع كثيرًا من كتب الوهابيين على نفقته الخاصة، ومنها ما هو موجود في مكتبات الحكومة السعودية، وكان عالمًا يلبس العمامة مثل كل أصدقائه من علماء الأزهر من أمثال المرحوم الشيخ "إمام السقا"، وفي الثالثة من عمره رحلت العائلة- الجد والأب- ومن معهما إلى العزبة في قرية نوى مركز شبين القناطر من أعمال مديرية القليوبية- قبل أن تسمى محافظة في سرايا جَدِّه.   والتحق بكتاب القرية، وانتقل الأب إلى القاهرة بعد وفاة الجد, ثم التحق التلمساني بمدرسة الخيرية الإسلامية، ثم الرشاد الثانوية، ثم المدرسة الإلهامية الثانوية بالحلمية، وكانت تابعة للخاصة الملكية، وفي نهاية العام حصل على الكفاءة، وانتظم في هذه المدرسة حتى حصل على البكالوريا قسم أدبي، وكان الناجحون على مستوى القطر عام 1924م في البكالوريا سبعمائة وسبعين طالبًا، كان ترتيبه من بينهم الواحد والسبعين.   وكان شغوفًا بالقراءة، وفي السنة الرابعة الثانوية زوجه أبوه, وظل وفيًا لزوجته حتى توفاها الله في أغسطس عام 1979م، بعد أن رُزق منها بأربعة من الأولاد وهم: "عابد، وعبد الفتاح، وبنتان, وتوفي والده بعد زواجه بستة أشهر في يناير 1924م، ثم التحق عمر بكلية الحقوق أكتوبر 1924م، وكان وفديًّا يجلس إلى سعد زغلول، وتخرَّج عام 1931م ليعمل بالمحاماة، واتخذ مكتبًا بشبين القناطر.   ارتباط التلمساني بالإخوان المسلمين يروي الأستاذ عمر التلمساني في "ذكريات لا مذكرات" فيقول: كانت صلتي بالإخوان المسلمين وعلاقتي بالإمام الشهيد قصة طريفة دلت بدايتها على منتهاها، أول ما اتخذت لي مكتبًا في شبين القناطر كنت أقيم في عزبة التلمساني، وهي على بعد أحد عشر كيلو مترًا من شبين القناطر، والانتقال بينهما بالقطار والأتوبيس.   كنت أهوى تربية الدواجن من دجاج إلى حمام إلى أرانب، وكان أمام السلاملك الذي أعيش فيه حديقة زهور تقرب من القيراط مساحة، ومن خلفها الحوش الذي أربِّي فيه هذه الدواجن. وفي يوم جمعة من أوائل العام 1933م.. كنت أجلس في حديقة الزهور فجاءني خفير العزبة يقول: "فيه اتنين أفندية عايزين يقابلوك" فصرفت حرمي وأولادي وأذنت لهما بالمجيء..   وجاء شابان أحدهما عزت محمد حسن وكان معاون سلخانة بشبين القناطر، والآخر محمد عبد العال وكان ناظر محطة قطار الدلتا في محاجر أبو زعبل، ومضت فترة في الترحيب وشرب القهوة والشاي، وثمة فترة صمت قطعها معاون السلخانة قائلاً:   ماذا تفعل هنا؟ فأثارني السؤال، واعتبرته تدخلاً فيما لا يعنيه، فقلت ساخرًا: أربي كتاكيت! ولم تؤثر إجابتي الساخرة على أعصابه، بل ظلَّ كما هو موجهًا أسئلته قائلاً: هناك شيء أهم من الكتاكيت في حاجة إلى التربية من أمثالك، قلت وما زلت غير جاد في الإجابة: وما ذلك الشيء الذي في حاجة إلى تربيتي؟ قال: المسلمون الذين بعدوا عن دينهم، فتدهور سلطانهم حتى في بلادهم، وأصبحوا لا شيء وسط الأمم.   قلت وما شأني بذلك؟ هناك الحكومات والأزهر الشريف بعلمائه يتولون هذه المهمة، قال: إن الشعوب الإسلامية لا تكاد يُحس بوجودها، هل يرضيك أن تُدْعَى هيئة كبار العلماء ليلة القدر من كلِّ رمضان للإفطار إلى مائدة المندوب السامي البريطاني وإلى جانب كلِّ شيخ سيدة إنجليزية في أبهى زينتها؟   قلت: طبعًا لا يرضيني، ولكن ماذا أفعل؟ قال: إنك لست اليوم بمفردك فهناك في القاهرة هيئة إسلامية شاملة اسمها جماعة الإخوان المسلمين، ويرأسها مدرس ابتدائي اسمه "حسن البنا"، وسوف نحدد لك موعدًا لتقابله وتتعرف إلى ما يدعو إليه ويريد تحقيقه، وشبَّت العاطفة الدينية الكامنة في دخيلة نفسي، فملت إلى الرضا، ووافقت على مقابلة الرجل، وانصرفا بغير ما استُقْبِلا به.   وعلمت منهما قبل أن ينصرفا أنهما يؤديان مهمةً في كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر، يجوبان القرى والعزب التابعة لمركز شبين القناطر يبحثان عن رجل يصلي ويصوم ويؤدي فرائضه، فيتعرفان إليه، ويعرضان الدعوة، فإن قبل اعتبراه نواةً لشعبة في موقعه، وكان في كلِّ مركز من مراكز القطر مَن يقوم بمثل مهمتهما من الإخوان المسلمين، وبعد أيام حضرا إلى مكتبي وأخبراني بأنهما حددا لي موعدًا مع فضيلة المرشد العام، وكان يسكن في حارة عبد الله بك في شارع اليكنية في حي الخيامية، وفي الموعد المحدد طرقت باب الرجل فتحت سقاطة الباب ودفعته، ودخلت إلى حوش المنزل، وصفَّقت فرد عليَّ صوت رجل يقول: مَن؟ قلت: عمر التلمساني، المحامي من شبين القناطر، فنزل الرجل وفتح باب غرفة على يمين الداخل من الباب الخارجي ودخلتها من ورائه، وكانت مظلمة لم أتبين ما فيها، ولما فتح النافذة الوحيدة في الحجرة المطلة على الطريق تبينت أن في الغرفة مكتبًا صغيرًا غاية في التواضع وبعض الكراسي من القش يعلوها شيء من التراب، وجلس إلى المكتب، وقدَّم لي كرسيًّا لأجلس، وعزَّ علي أن أجلس على مثل ذلك الكرسي بالبدلة الأنيقة، فأخرجت منديلاً من جيبي وفَرَشْتُه على الكرسي لكي أستطيع الجلوس هادئًا في غير تضجر ولا قلق، وكان ينظر إلى ما أفعل، وعلى فمه ابتسامة واهنة ظننتها تتعجب مما أفعل ومما أدعي إليه!.   وشتان ما بين رجل يحافظ على أناقته ورجل على وشك أن يُدعى للعمل والجهاد في سبيل الله، وحق له أن يتعجب إذ إن مظهري كان يدل على الرفاهية التامة، وعدم تحمل مشاق العمل في سبيل الله؛ الأمر الذي يحتاج إلى الكثير من خشونة العيش مع عدم الانغماس في بلهنية الحياة وشيء من التجرد، ورغم هذا المظهر الذي لا يطمئن كثيرًا فقد مضى الرجل يتحدث عن الدعوة، وأن أول مطلب لها وآخره هو المطالبة بتطبيق شرع الله، وتوعية الشعب وتنبيهه إلى هذه الحقيقة التي لن يتحقق الخير إلا عن طريقها.   ومن عجب أن يفتري بعض الناس على الإخوان بناءهم رسالتهم بالأمور الدينية فلما اشتغلوا بالسياسة بدأ الصدام بالأوضاع القائمة، فأمعن خصوم الإخوان وقسوا في حرب الإخوان الذين لم يقصدوا بأحد شرًا أو إساءةً؛ لأن الإخوان يؤمنون بأن التحول عن القوانين الوضعية إلى القوانين الإسلامية لا بد أن يأخذ طريقه المشروع دون عنف أو إرهاب.   وتعرف إلى الإخوان المسلمين، وبايع الإمام الشهيد حسن البنا عام 1933م بمنزله, وأصبح أول محامٍ يلتحق بجماعة الإخوان المسلمين، وكان عضوًا في الهيئة التأسيسية ثم عضوًا بمكتب الإرشاد.   ورفض أن يكون وكيلاً للمرشد، كما رفض التعيين بالنيابة العامة حبًّا للمحاماة، وفي عام 1948م اعتقل التلمساني في عهد إبراهيم عبد الهادي، واعتقل في 1954م حتى 1971م لمدة 17 عامًا في سجون عبد الناصر، قضاها المجاهد "عمر التلمساني" وراء قضبان السجون، والسجن في حياة المجاهدين ليس ترفًا يتفاخرون به أمام الأجيال إنما هو تضحية لا يقدر عليها إلا مَن عرف معنى الشرف، ومعنى الكرامة، ومعنى الحرية، ومعنى الإيمان.   وبعد وفاة الإمام الهضيبي 1973م تولَّى عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، لأنه أكبر الأعضاء سنًّا، واستطاع أن يفرض الوجود الفعلي للإخوان على المستوى المصري والعربي والعالمي.   مؤلفات الأستاذ "عمر التلمساني" - ذكريات لا مذكرات. - شهيد المحراب. - حسن البنا الملهم الموهوب. - بعض ما علَّمني الإخوان. - في رياض التوحيد. - المخرج الإسلامي من المأزق السياسي. - الإسلام والحكومة الدينية. - الإسلام ونظرته السامية للمرأة. - قال الناس ولم أقل في عهد عبد الناصر. - من صفات العابدين. - يا حكام المسلمين.. ألا تخافون الله؟! - لا نخاف السلام ولكن. - الإسلام والحياة. - حول رسالة نحو النور. - من فقه الإعلام الإسلامي. - أيام مع السادات. - آراء في الدين والسياسة. وفي فجر الجمعة 15 رمضان 1406هـ الموافق 22 مايو 1986م لقي التلمساني ربه وفيًّا لبيعته كما تمنَّى، وشيَّعه نصف مليون خلف جنازته.   يا تلمساني.. ما زلنا على خير حال رحمه الله عندما قال: نحن الإخوان المسلمين على خير حال بفضل الله المنعم الوهاب أن وجدنا قانونًا، فنحن قائمون بمهمتنا في التربية والتوجيه وربط المسلمين جميعًا برباط الحب والالتقاء على الله، وإن حرمونا من الوجود القانوني بسلطانهم فنحن المتحابون في الله، المتزاورون في الله، المتجالسون مع الله، في ظلِّ الله القوى القهار الجبار.. الدعوة تنتشر في كلِّ مكان، فإذا اجتمعت الدنيا على مصادرة دعوة الإخوان فإنها أعجز من أن تصادرها في قلوبهم، وإذا ضاقت الأرض بأهلها فإن قلوب الإخوان لن تضيق بدعوتهم، فإنهم على عهدهم باقون، وفي طريقهم سائرون، ولدعوتهم عاملون، ولدينهم موفون.. رحمك الله يا أستاذنا رحمةً واسعةً.   المراجع: 1- ذكريات لا مذكرات- عمر التلمساني. 2- من أعلام الحركة الإسلامية- عبد الله العقيل. 3- مائة موقف من حياة المرشدين- محمد عبد الحليم حامد. 4- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ- محمود عبد الحليم. 5- موقع "إخوان ويكيبيديا". 6- موقع "الشبكة الدعوية".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل