المحتوى الرئيسى

العصافير في الظافرون بالعار بقلم:د.حسين ابو النجا

05/25 21:41

العصافير في الظافرون بالعار* لعادل عمر نموذجا إذا كان أدب المقاومة في "وقت الأزمات الكبرى أو المحن التي تلحق بأمة ما "1" يحرص على تقديم عوامل القوة في المناضل باعتبارها ديناميكية الحياة والوعي الحقيقي، فإن في مقابل ذلك لحظات ضعف تشكل الإنسان في الحقيقة وفي التجريد معا ، والحق أنه إذا كان أدب المقاومة يحرص على تقديم القوة كصياغة سياسية فإنه قد يلجأ في بعض الأحيان إلى تقديم عوامل الضعف لتخليص الصياغة من السياسة إلى تقديم " الدلالة الإنسانية الكبرى"2" في عمل أدبي ناجح "يتوافر فيه صدق التعبير عن واقع الحياة ودقة التصوير لمشكلات المجتمع"3". ومن هنا فإن الرواية الفلسطينية حين تقدم شخصيات ضعيفة على المستوى السياسي ، فان ذلك ليس سلبية بقدر ما هو إيجابية على اعتبار انه يجعل"كل شيء في حالة حركة متبادلة"4"، ونظرة إلى واقع المقاومة في فلسطين يتأكد من اجتماع القوة والضعف في مكان واحد ، فالعدو مدجج بالعتاد ووسائل القوة ، والمقاومة تقاوم بصدرها العاري"وسط معوقات موروثة"5"كل جحافل الاحتلال. واللافت للنظر في تقديم الرواية للشخصيات الواهنة في الرواية الفلسطينية المعاصرة ليس حدثا طارئا يأتي في رواية واحدة وفي حدود ثانوية ، وإنما صار موضوعا لأكثر من رواية ، ويحتل الضعف في البنية الفنية للرواية مركز اهتمام يصل في بعض الأحيان إلى البطولة المطلقة ، وإلى حد تختفي معه تماما صورة القوة أو تكاد ، وإذا كان هناك أكثر من رواية مثل: الجذور العميقة لفاضل يونس، وليل البنفسح لأسعد الأسعد ، وخمسة أيام في الفارعة لجمال بنوره ، فإن رواية " الظافرون بالعار" لعادل عمر تتميز عن غيرها من الروايات بغياب شبه كلي للقوة وارتفاع صوت الضعف ، فكل شيء فيها مسخر للضعف من البداية إلى النهاية، بل أنها تقدم على عكس غيرها من الروايات مساحة واسعة ليس لمجرد ضعيف واحد يمر على عجالة كما هو الحال في مختلف الروايات ، وإنما لا تنفك تقدم الضعيف بعد الضعيف إلى حد أنها قدمت أربعة نماذج دفعة واحدة ، وأنها جمعت فيها كما سنرى بعد قليل بين الرجال والنساء وبين مختلف طبقات المجتمع. وهي من جهة أخرى الرواية الوحيدة التي تطورت بالضعف من صورة إلى أخرى ، ومن السجن المحدود في الزمان والمكان إلى الفضاء الرحب حيث تنعدم المحدودية ويتسع المجال ، ومن هنا فإنها "الرواية الوحيدة التي وزعت الأضواء السردية على الشخصيات "6" التي اصطلح على تسميتها بالعصافير. والعصافير مصطلح خاص انتشر في ثقافة المقاومة الفلسطينية للدلالة على السجين الفلسطيني الذي يتنقل من زنزانة إلى أخرى للتجسس على المناضلين والإيقاع بهم، انه يحدث أن تعتقل قوات الاحتلال المناضلين ولكن من دون أن يكون لديها دليل على أي اتهام، ومن هنا فإن الحاجة تدفعها إلى استخدام العصافير كي يوقعوا بالمناضلين والشهادة عليهم في المحاكم التي تعقدها لهم تلك القوات ، ومعنى هذا العصفرة " اوحتها حاجات العمل السياسي"7" لكي يبدو القبض علي المناضلين إجراء طبيعيا ينهض على الأدلة وليس مجرد إجراءات تعسفية تقوم بها قوات الاحتلال. وأيا كان الأمر فإن العصفور لا يزيد عن أن يكون عميلا ، ولكن الفرق بينه وبين العميل التقليدي أن العميل يقوم بعمله خارج السجن بينما يقتصر عمل العصفور على السجن والسجن وحده. لكنه يمكن أن يلاحظ بأن الرواية قدمت العميل الواحد أحيانا على صورتين، عصفور في السجن وعميل خارج السجن كما هو الحال مع كل من وحيد وأبى خليل ، ولكنه من الملاحظ أنهما قد ابتدآ عصفورين قبل أن ينتهيا إلى عميلين. والملاحظ على الرواية أنها ، وإن قدمت أكثر من نموذج للعصفور ، ضغطت بقوة على وحيد عمر عبد الله من أول الرواية إلى آخرها ، فهو الشخصية المحورية التي تنهض عليها الرواية ، والتي تشغل الحيز الأكبر من الفضاء الروائي ، والتي صارت"ذات وجود فعلي متعدد المستويات"8". ووحيد ابن عمر عبد الله مختار القرية"ص26" ، ابن عميل مشهور "ص29" ، "والده من أغنى أغنياء القرية بل أغناهم بالفعل"ص26" ، يقول أهل القرية عنه "انه يبيع الأراضي للاحتلال"ص26"،يزور تواقيع الفلاحين دون علمهم"ص48 ، ولما كان وحيد وحيد أبويه لم "يرزق أبوه بطفل غيره"ص48"، فقد" عاش حياته مدللا "ص47"، تتناثر النقود "كالأرز بين يديه"ص48" ، مصاريفه "لم تتجاوز الثلاثمائة دينار في الشهر الواحد"ص17 ". وهو شاب عادي جميل"ص28" ، وسيم يتجاوز السادسة والعشرين ، ذو شعر اسود فاحم ، يفرقه من جانبه اليمين على غير عادة الشباب ،قمحي البشرة تميل أكثر إلى البياض ، نحيف جيد الهندام جميل العينين أسودها"ص182"، "جميل العين"ص185" ، بنطاله الأبيض النظيف"ص34" ، هذا الرجل ذي الهندام الجيد"ص52" ، قميصه الأبيض"ص47" . وتتضح مما سبق جملة طويلة من الأمور اللافتة للنظر ، عمالة الابن ،وعمالة الأب ، فالعمالة بالوراثة قابلة للنقاش ، والحق إنه إذا كان الأب عميلا ، فان ابنه ليس عميلا بالضرورة، ولكنه في المقابل يمكن أن يقع ذلك، والحق أن الرؤية الشمولية التي ينطلق منها الكاتب هي التي جعلته يذهب هذا المذهب ، والحق أن هذه الرؤية ليست عفوية وإنما هي رؤية ثابتة للكاتب ، ففاتن تصبح عميلة وقد كان أبوها من قبل عميلا أيضا، ومن هنا يتأكد أن الرؤية التي ينطلق منها الكاتب انفعالية أكثر مما هي واقعية. ومن هنا فانها لا يمكن أن" تقدم تفسيرا بالمعنى الصحيح"9" نعم أن النار تخلف رمادا ولكن من الذي يمكن أن يمنع الرماد من أن يتحول إلى نار. ولا شك أن إغداق الأب على ابنه قضية قابلة للجدل وبخاصة أن المبلغ الذي يوفره له كل شهر مبلغ غير قليل على الإطلاق ، وانه لا مبرر حقيقيا ومقنعا لهذا الإغداق، وخاصة من أب مثله متزوج من امرأتين ، ووحيد ابن الأولى ، ومن المعروف أن ابن الأولى في العادة غير محبوب بالدرجة التي تجعل أباه يعطيه النقود بلا حساب، وإذا عرفنا أن أباه استقبله مرة بالبصاق في الوجه فإنه يتأكد أن عملية الإغداق غير معقولة، بل أنه في إحدى المرات طلب من ابنه أن يسأل الاحتلال أن يدفعوا له مقابل الخدمات التي يقدمها لهم، مما يدل على أن الإغداق وان وقع إلا انه يقع رغما عن الأب ، وبالتالي فإنه وان وقع لا يزيد عن أن يكون محدودا ، إما أن تطلقه على عواهنه الرواية إلى حد الثلاثمائة دينار فأمر غير قابل للإقناع، وفضلا عم ذلك فان الرواية لم تحرص ولو مرة واحدة على أن يظهر هذا الإغداق في شكل مصروف ينفقه وحيد، ومن هنا "فان المبنى لا يطابق المعنى""10". ومن المؤكد أن جمال وحيد قضية أخرى تحتاج إلى تأمل من نوع خاص ،نعم انه مهندم ونعم إن الهندمة معقولة ، أما الجمال فإنه ليس من أوصاف الرجال ، نعم أن الكاتب يصفه بالرشاقة وهو اقرب إلى المعقولية ، أما الجمال وخاصة حينما يجيء مع كلمة عادي ، فإن التناقض بين العادية والجمال ظاهر وجلي لا تخطئه أي عين ولو كانت ضعيفة الإبصار. وإذا كان الهندام معقولا فإن الكاتب يصف بشرته بالميلان إلى البياض ،وان شعره أسود فاحم ، ومعنى هذا أن جمع البياض والسواد كدلالة على الجمال أقرب إلى المرأة منه إلى الرجل ، اللهم إلا إذا كان ثمة استثناء وهو ما لم يتوفر في الرواية، نعم أن الرواية تجعل البطل في علاقة مع وفاء ولكن هذه العلاقة لا تتطلب بالضرورة أن يكون جميلا ونظيفا وجيد الهندام قميصه أبيض "ص47" ، وبنطاله أبيض "ص34" ، ابيض في أبيض إلا سواد الشعر وسواد العينين . واذا كان البياض في صورة من الصور استعارة تعكس النور والضياء الا أن فعل البطل من اول الرواية الى اخرها"عتمة معبرة""11" عن كل ما هو اسود ، الالوان زاهية والعتمة حاضرة"12"، وعلى أية حال فإن وصف العصفور بالجمال لا يمكن أن يخدم رؤية الكاتب نفسها، وقد كان من المفروض إن عمله يسوده حتى ولو لم يكن اسودا، إن جعل عمله أسود مع بياض كل من البشرة والقميص والبنطال تصوير متناقض على مستويات متعددة ، نظيف الملابس ويقضي الوقت كله في السير هنا وهناك خلف هذه البنت أو ذلك المناضل ، فكيف يمكنه أن يحافظ على النظافة مع ما تمتلئ به الحركة مما يتنافى والنظافة، أنه يلاحق وفاء بشكل غير معقول "ص28" أسابيع تأكل بعضها متلاحقة لكي يتكلم معها "ص110"، وإذا كان قد اشترك أيضا في المظاهرات للإيهام بأنه وطني فإن ذلك لا يتوافق مع النظافة وبياض الملابس كما قالت الرواية، وعليه فان الصورة لم تتمكن من أن تكون داعمة للموقف الذي تواجهه الشخصيات"13". وحسان العصفور الثاني يكبر وحيدا بخمس سنوات على الأقل ، شعره أملس منشور على جبينه دون ترتيب"ص 76 "، بشرته بيضاء اكتسبت اللون الأصفر"ص 76 "،هزيل من قلة أكله في السجن "ص76" ، حتى الاستحمام نادرا ما فعله "ص76" ، له لحية كثيفة "ص77" ، غزا شعره الشيب "ص77" رغم صغر سنه، لقد مزقت أمواس حلاقة المناضلين وجهه "ص78" ، يمتنع عن استقبال أهله في الزيارة. وواضح أن العصفورين يلتقيان في أكثر من صفة ، فهما شابان شعرهما جميل, وبيضاوان، وهزيلان، ولكنها يختلفان بعد ذلك في أمور كثيرة ، فوجه حسان ممزق بأمواس حلاقة المجاهدين ، وشعره شايب من شدة الهول ، ولحيته كثيفة وهو يرفض استقبال أهله لعل وعسى أن يجد "قابلية له في الاعتقاد العام"14". إن حسانا هنا يختلف تماما عن وحيد، فهو لا يتمادى في العمالة كما فعل وحيد، وإنما يتوقف عنها ويضع لها نهاية لا ترضي الاحتلال، فيبقوه في الزنزانة منفردا "ص95" ، لا يخرج منها إلا إلى الموت كما قال الضابط "ص95" يقضي بقية حكمه وحيدا "ص95" . أن بين وحيد وحسان اختلافات جوهرية ، فحسان ليس ابن مختار ، وليس مستمرا في التعاون مع العدو ، بل أن العدو يمنع عنه كل شيء ، ويمنعه من كل شيء، ومن المؤكد أن المساحة التي يحتلها حسان ليست واسعة كالتي يحتلها وحيد ، بل إن حكاية حسان نفسها تتم عن طريق وحيد وليس عن طريق آخر أثناء تواجدهما معا في غرف العصافير، ومن هنا يتاكد أن تقديم حسان كان من خلال هيمنة وحيد ، ومع ذلك فانه يجرد وحيدا"ويرمي به بعيدا"15"من قلب الفعل. وإذا كان العصفوران السابقان شابين ، فإن هناك عصفورا ثالثا وهو أبو خليل, وأبو خليل ذو بشرة حنطية غامقة"ص 78 "، نحيف "ص78" ، وحيد كالمجنون "ص86" ، محكوم علية في المرة الثانية لسبع سنوات "ص68" . ومن الواضح أن أبا خليل غير موصوف إلا في أضيق الحدود ، ولولا أن زوجته موصوفة بالفلاحة "ص84" لما عرفنا انه فلاح, وواضح أن تصوير العصافير يتم عن طريق التداخل ، فوحيد يحكي عن حسان ، وحسان يحكي عن أبي خليل , وأبو خليل على عكس العصفورين الآخرين العازبين متزوج يكني بأحد أبنائه. ومعنى هذا أن العصافير لا يقتصرون على الشباب ، وإنما يتعدونهم إلى من هم اكبر سنا, وليست مقتصرة على المدينة وإنما قد تطال أبناء القرى ، أي أن "التعصفر" ظاهرة "تقرع الآذان ..والعزائم والأذهان "16"، وهذا هو مكمن الخطر ، أن التعصفر المحدود أمر طبيعي لكنه حين يتجاوز المحدودية إلى ما يشبه الإطلاق فأمر يبعث على الدهشة، ومما لا شك فيه انه لا علاقة له بالمرحلة التاريخية ، وإنما الرؤية التي توجه المسار هي السبب ، وهي رؤية أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها شديدة الانفعال يتفتت الوعي فيها" تحت ضغط العالم الخارجي المعادي"17". ومما يؤكد ما ذهبنا إليه أن الكاتب لا يكتفي بالذكور وإنما يصر على أن يلحق بهم أنثى هي فاتن الابنة البكر لأحد العملاء "ص128" ، وجهها جميل "ص128-129" تلبس ملابس تظهر ظهرها عاريا "ص139"، الجنس أجمل هواية عندها "ص147" عيونها خضراء"ص 148 "، تضيف إلى رموشها رموشا صناعية "ص148" فستانها الزهري ...أبان الجزء الأكبر من صدرها النافر"ص148" ، ظهرها الناصع البياض "ص148" تنظر بعيون كلها خبث وإغراء "ص151" ،جسمها جميل "ص152"و 157 ليست متزوجة "ص151" عمرها لا يتجاوز التاسعة عشر ربيعا "ص133" قضت في لندن خمس سنوات "ص149" تتلقى فيها الدراسة في فن التجميل"ص 149 "، رغم أن معدلها الدراسي كان يؤهلها لدراسة الطب"ص 128"، ولما كانت قد عشقت مهنة التجميل منذ صغرها "ص128" فقد أرسلها أبوها إلى لندن لكي تتعلمها هناك ، لم تكن تنقص والدها النقود يوما "ص129" ، فعجلة مصنعه مازالت تضخ له النقود "ص129". وواضح أن الابنة كالأب في العمالة مثل وحيد وأبيه ، وفي البحث عن المتعة ، بل أنها فيها لا تهوى الصداقة الطويلة "ص148"، وإنما تبحث فيها عن التغيير والجدة باستمرار، أنها مثل وحيد أيضا لا تعبأ بالمال ، فهو بين يديها أكثر من الرز على تعبير المؤلف فيما يخص وحيد، وأن الغنى والثورة هما الطريقان إلى التعصفر ، وإذا كان من العسير قبول هذا التوجه فان ما فيه من التقريرية والمباشرة ما لا يضيء أي شيء. ومن المؤكد أن طريقها إلى المتعة في كنف والدها وتحت رعايته وفي بيته ليس أمرا مستغربا فقط ، وإنما فيه من الاستهجان ما يمنعه من أن يكون مستجابا لدى المجتمع ، ومن غير المتصور مهما كانت الأسباب أن يقدم أب على تسهيل الرذيلة أمام ابنته ، ومن هنا فإن صياغة الرؤية الفكرية وإقحامها على البنية الفنية عمل سلبي منع الرواية من أن تثمر شيئا غير الهزيمة والحزن ، نعم " أن الحقيقة لا شان لها بالقيم الاخلاقية"18"على المستوى النظري ولكنه لا يمكن غض الطرف عنه في ميدان الادب والفن . أن البعد الاجتماعي سواء فيما يتعلق بفاتن أو بوحيد ليس انعكاسا فنيا للواقع او كشفا "عن العلاقات التي تحكم الواقع"19"، وإنما هو إسقاط فكري مؤدلج من اجل إدانة فئة من المجتمع لا تتطابق ورؤية الكاتب الفنية. وإذا انتقلنا إلى بدايات التعصفر ، فإننا نجد أنها دائما بدايات بسيطة لا تنم عن أنها ستتحول إلى جراح دامية، فوحيد اعتقلته السلطات رغم انه هرب من المظاهرة "ص53" ، ورغم انه لم يلق حجرا واحدا "ص58" ، وأوهموه انه خطير ارتكب جريمة كبرى "ص75" ، وأنهم سيعملون على تخفيف الحكم عليه رغم أن الادعاء طالب بتوقيع اقسي العقوبة عليه "ص75" ، وحين حكم عليه بخمس سنوات سجنا منهما سنتان فعليتان والباقي مع وقف التنفيذ "ص76" زرعوا فيه أنهم اجتهدوا في تخفيف الحكم وأنه لولا ذلك لكان الحكم أقسى ، وعلى كل حال فإنهم سيعملون على إطلاق سراحه إذا تعاون معهم ، ولكي يسهلوا عليه الأمر أدخلوه إلى ما يسمى بغرفة العصافير كي يستفيد من تجاربهم "ص72" ، ويتعرف على زملائه في المهنة "ص71" ، ثم كان ما كان .. ينفذ مهمته بنجاح "ص70" ، فعل ذلك وغيره مرات عديدة أوقعت بالكثيرين "ص71"، شهد على المناضلين في المحكمة "ص71"، كان كالحرباء يتلون مع كل قادم جديد...، يتلوى كثعبان يسعى إلى طمأنة فريسته قبل الانقضاض عليها "ص72" ، حتى وصل اسمه إلى كل السجون "ص164" ، يضربون المعتقلين بأمواس الحلاقة ‘ن تتطلب الأمر "ص73" ، ويطفئون السجائر في أجسامهم "ص74" ، يقطع أذن المناضل نضال "ص121" ، ويقطع أحيانا جهازه الذكرى "ص122" ، ويغوص سكينه من جديد في جسم البطل "ص122" نضال عسى انه ينفذ مهامه بنجاح غريب "ص92" ، لا يخالفهم في شيء "ص75" ، ولا يعصي لهم أمرا "ص75" ، أن طاعته لهم وعمله معهم هو السبب في إمكانية خروجه من السجن "ص163" ، إن أخباره تأتي متلاحقة إلى غرف المناضلين، العصفور الجديد الذي يعمل لدى المخابرات "ص181". إن عمله ليس مقتصرا على المناضلين وإنما على زملائه أيضا ، من مهماتك الناتجة أيضا أن تنقل لنا ما يدور في غرفتكم "ص91" ، كل عصفور يراقب الآخر "ص92" ، اثنا عشر عصفورا في غرفة واحدة "ص110" ، وليس أمام أيهم طريق إلا الاستمرار في العمل ، وإلا فإن المخابرات لن تتركهم أبدا ، سيضغطون عليهم وسيفتعلون أي مسالة لتهديدهم "ص162"، وهكذا أوغل وحيد في الاستجابة إلى أوامر المخابرات ينفذ ويمنع حتى من قول ما قد يجول بخاطره "ص174". ثم أخرجوه مع بعض من السجناء الذين انتهت مدة أحكامهم من الوطنيين ليوهموا الناس بأن كل المفرج عنهم وطنيون ، وهكذا أخذ يشترك في المظاهرات علانية ومن دون خوف ، ولكي تحبك الأمور فقد اعتقلته السلطات أكثر من مرة "ص26" إلى ظنت وفاء انه مناضل بالفعل ، وأنه يستحق منها أن تلتفت إليه ، ولم يكن يدر بخلدها أنه طعم تريد المخابرات أن تلقمه أخاها المناضل ، ولم يدر يخلدها أيضا أن يحدث لها ما حدث في صالون فاتن وما فيه من آلات تصوير خفية . وابتدأ حسان يعمل مع الشرطة حين طلبوا منه مراقبة المدمنين على المخدرات من دون أن يدري أنهم مناضلون"ص 87 "، ولما وشى بهم قبضوا عليه معهم "ص87" ، وهكذا سووم إما بالعمل معهم وإما أن يكشفوا أوراقه للمجموعة "ص87" ، ولما كان الموت مرتبطا بكشف أوراقه قبل "ص87" ، وابتدأت مهماته بسيطة"ص 87 "، ثم أخذت تصبح مهمات اكبر"ص 87 "، وهكذا لم يكن أمامه مفر من الخضوع إليهم ،لقد وقع على أوراق بالعبرية لا يعرف مضمونها "ص87" ، وحين عرف أنها أفاده بجريمة أمنية "ص87 "حوكم بسببها سنتين فعليتين"ص 87"، ادخلوه إلى السجن ، ثم اخذوا يعدونه بإطلاق سراحه إذا نفذ ما يطلبون"ص 87 "، وهكذا دخل إلى عمق اللعبة : إننا نوقع بما يزيد عن ثمانين بالمائة من المناضلين"ص 88". كل ذلك بسيجارتي فلتر يأخذهما يوميا"ص 77" . لقد أنفقد في داخله الإنسان "ص76"، اشترى نفسه على حساب الآخرين "ص77 "فخسر نفسه وخسر كل شيء "ص77". وكل الذي ربحه هو انحفار الخيانة في وجهه "ص78 " بأمواس المناضلين الذين وشى بهم . ولا يختلف أبو خليل عنهما فقد عرضوا عليه التعامل مقابل تخفيف الحكم عليه"ص 78"، فتورط"ص 78"، ووقع على أوراق لم يعرف محتواها، وهكذا اعترف بجريمة لم يرتكبها تماما، وأوعزوا إلى القاضي. حكم عليه بست سنوات فعلية "ص78 "، أوهموه أنها كانت عشر سنوات، وأنهم رحموه بأربع سنوات "ص78 "، إنه في أسوء احتمالاتها لا يتجاوز الحكم فيها سنتان اثنتان(؟)"ص 78"، واعترافا منه بجميلهم عليه أخذ يتعاون معهم، كل يوم مهمة"ص 79"، في هذه الغرفة أو في غرف متشابهة في سجون أخرى"ص 79"، عمل في الزنازين. نام فيها ما لا يقل عن عام كامل ، نفذ فيها مهمات مختلفة"ص 79" ، ولكي يوهموه بأنهم عنه راضون صاروا يخرجونه بعد ذلك يوما أو يومين شهريا إلى مناطقهم بصحبته أحد الضباط"ص 79 "،وفي إحدى المرات جعلوا في الانتظار فتاة جميلة "ص79 "، مالت عليه "ص79 "، قبلته"ص 79 "، كان تحت عيون كاميرات خفية في الغرفة قامت بلعبتها، فأوقعوا عن طريقها بزوجته ، وهكذا صار الرجل وزوجته عميلين، أخذا دورة لم تستغرق أكثر من شهر"ص 86 "، كان يتدرب فيها يوميا لكي يقوم بتنظيم خلية مسلحة من بلدته"ص 86" ، تم القبض عليهم معه لكي يعود من جديد إلى السجن سبع سنوات "ص86 ". أما فيما يخص فاتن فان حكايتها بدأت باستخراج التصريح من دائرة الإدارة المدنية لصالون التجميل الذي بوسط المدينة ، حاول الأب استخراجه ولكنه لم يتمكن من ذلك ، وهكذا دخلت فاتن إلى الميدان ، جاءت تطلب التصريح فتمكن الضابط من تجنيدها هي وأختها سوسن تحت أنظار ألآت التصوير في الغرف المختلفة حتى لا تفكر في التراجع بعد ذلك مهما كانت الظروف . وواضح أن الأسباب التي أودت إلى الانهيار غير ذات بال حتى فيما يتعلق بفاتن، ولولا رؤية الكاتب الانفعالية لما كان يمكن أن تقع فاتن، و لولا أن الرؤية منطلقة أساسا من إدانة الطبقة التي تنتمي إليها ، ولا شك أن سبق الإصرار على اتهام الطبقة يتضمن غير قليل من الادعاء ، وهو تحفظ كانت الرواية في غنى عنه لو أنها نظرت بشيء من الموضوعية إلى المنطلقات الأساسية ، وما يترتب عنها من نتائج تبدو من الوهلة الأولى أنها غير طبيعية "واشارات الى زوال قيم الدنيا"20". أن المخابرات تستغل شيبا وشبانا ، ذكورا وإناثا ، مثقفين وغير مثقفين على حد سواء ، وأنها تنجح دائما في تجنيد من تريد، وكان يمكن أن تكون الأمور مقنعة أكثر لو أن الرواية قدمت ولو على سبيل الحذر شخصية واحدة لم تتمكن المخابرات من اصطيادها ، نعم أن حسانا قد انتبه بعد فوات الأوان ولكن انتباهه لم يجئ متأخرا فقط ، وإنما جاء غير مبرر أيضا ، مما أفقده شيئا غير قليل من الصدق. ومن المؤكد أن المنعرج الذي قدمته الرواية في هذه النقطة كان خطأ فنيا ناتجا في الأساس عن خطا في الرؤية التي صدرت عنها الرواية. وتلتقي شخصيا أبي خليل ووحيد في أنهما تحولا من عصفورين إلى عميلين ، وان هذا التحول ليس تحولا حقيقيا ، فهما ما داما يدخلان السجن من جديد فإنهما يرجعان كما كانا عصفورين ، وهكذا فإنهما يجمعان بين التعصفر وبين العمالة ويوحدان بينهما. وشذ عن ذلك كل من فاتن وحسام من حيث اقتصار كل منهما على نوع معين، فحسان عصفور لم يتحول ، وفاتنة عميلة لم تمر بالتعصفر. وإذا كان أبو خليل سببا في سقوط امرأته ، فان فاتن هي الأخرى سبب في سقوط أختها سوسن، ومن هنا فان انزلاق القدم ولو خطوة واحدة يجر خلفه انزلاقات غير متناهية وغير محددة، ولا شك أن النتيجة التي انتهى إليها العميل تتفاوت من حيث العمق من واحد إلى آخر، فبينما لم يكد وحيد يخسر شيئا خسرت فاتن كل شيء ، ولم يكتف منها بالفتيات "ص157 "كما في المرحلة الأولى ، وإنما صار يطلب منها إرضاء الجميع، وهكذا تحول جسدها الجميل إلى مكان تعبث فيه كل الحثالات "ص157 "، وصار أبو خليل وحيدا كالمجنون"ص 86" ، وانتهى حسان إلى الزنزانة يقضي فيها بقية حكمه وحيدا بانفراد إلى أن يموت"ص 90 "، لا يكلمه أحد ، حتى العصافير قاطعته ولم تعد تتحدث معه "ص87 ". أن النتيجة التي آل إليها كل من العصافير والعملاء اكبر بكثير من بدايتها ، فإذا كانت البدايات سهلة بسيطة ، فان النتائج التي تترتب عن بساطة البداية أكثر من مأساة ، ليس على المستوى الوطني وحده ، وإنما على المستوى الشخصي أيضا ، ومن غير مقابل حقيقي وجوهري ، هل السيجارتان بالفلتر تكافئان ما يقوم به العصافير من إيقاع بالمناضلين ، وما تتشوه به وجوههم نتيجة استخدام أمواس الحلاقة ، وهل الفخذان الأبيضان في حالة أبي خليل مقابل حقيقي لما قام به داخل السجن وخارجه ، إضافة إلى سقوط زوجته التلقائي المتعمد ، وهل قدمت المخابرات لفاتن شيئا واحدا مقابل لجوئها إلى السقوط المادي والمعنوي هي وأختها . انه من الواضح أن الصورة التي قدمتها الرواية للشخصيات تنفي عنها صفة الإقناع، وتلبسها أثوابا ليس فيها شيء من الإعجاب أو التعاطف، وذلك لان " الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ولد فيها النص "21" غير موضوعية. واللافت للنظر في موضوعه العصافير أنها شخصيات لم تفقد احترامها لنفسها فقط، وإنما فقدت كل الإحساس الإنساني ، فالمخابرات لا تحترمها ،ولا تضع لأي اعتبار، فوحيد مثلا يحاول أن يقبل أقدام الضابط "ص63 " من دون جدوى ، وينهق كالحمار من دون فائدة ، ويعوي كالكلب "ص86 "، ولكن الضابط لا يلتفت إليه . أن صورة وحيد تتلاشى تماما في محيط المحتل ، وتختفي منها كل ملامح الإنسان ، فصار إنسانا بلا كرامة ، نعم أنا حيوان"ص 86 "، يبزق الضابط على وجهه"ص 86 "، أخرس أيها الحقير"ص 76 "، يبلع الاهانة بعد الاهانة"ص 47 "، وهو خنزير "ص173 "، وحيوان"ص 173 "، يمكن أن يغطي الضابط فمه بحذائه ، وهو عربي حمار "ص89 "، وغير ذلك من أنواع الإذلال والإهانة . وواضح أن انحدار العصافير إلى الدرك الأسفل صورة تقريرية مباشرة مستوحاة أولا وقبل كل شيء من خيال الكاتب وليس من الواقع ، ومن هنا فان الرواية من الناحية الفنية لم تستطع شحن الوجدان المليء بالعلقم ، فالشخصيات المختلفة لم تتمكن من أن تستوي ولو من خلال التعصفر وواضح أن العصفور كما قدمته الرواية مسلوب الإرادة في الغالب، ليس له إرادة حقيقية في أي شيء ، وإذا كان ثمة ما يمكن أن يقال فانه لا معنى لأي شيء، فالعصفور ينزلج إلى العمالة بسهولة ثم لا يملك من أمره بعد ذلك شيئا ، انه يعمل بلا حرية، مجبر على ذلك ، أنه أداة في أيدي المخابرات ، ومن هنا فانه لا يمكن إلا أن يظل عالة على الحركة الوطنية وخنجرا مدسوسا في صدرها وهو منزو"في حنية من حناياها"22". ومن عجب أن اغلب العصافير كأبي خليل ووحيد وفاتن لا يكادون يأبهون لما يفعلون ولا يبحثون عن حل لأزمتهم، وباستثناء حسان فإنهم انغمسوا في الخيانة من دون أي ثمن ، ومن هنا فان حياتهم هي الأخرى تظل بلا ثمن حتى وان تنتهي حياتهم بالجزاء الذي يستحقونه نتيجة لعم قدرتهم على تمثل" الموقف الناتج عن الإدراك الذاتي للواقع "23". ويمكن في النهاية الإشارة إلى أن الظروف الخاصة التي تعيشها الحركة الوطنية تعاني أساسا من كثرة الاعتقالات ، ومن المعروف أن السجون الإسرائيلية مليئة عن آخرها بالمعتقلين الفلسطينيين ، فقد وصل عددهم نحو اثني عشر ألفا ، وهو حجم اكبر من كل المعتقلات السابقة ، وحجم يمكن أن يساعد على ولادة عصافير جديدة لا ينبغي أن تذهب مذهب وحيد أو فاتنة أو أبي خليل ، وان تجعل لنفسها حدا لا تتجاوزه حتى لا يتحول المعتقلون إلى عصافير او منفذي إعدام في حق كل العصافير وهو ما يتمناه" الفكر المتوحش في صلب الإيديولوجية الصهيونية"24"

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل