المحتوى الرئيسى

رحلتي إلى الحرمين الشريفين بقلم: د. نافذ الشاعر

05/25 19:35

رحلتي إلى الحرمين الشريفين بقلم/ د. نافذ الشاعر (1) كنت أشعر بالإرهاق الشديد في هذه الليلة من كثرة الزيارات والاتصالات، ونمت متأخرا واستيقظت مبكرا كعادة المسافرين، وكنت أخشى أن تستيقظ طفلتنا الصغيرة المدللة التي تتعلق بأمها بشكل جنوني، ووصلنا إلى مكان تجمع المسافرين، ولم يكن قد تجمع هناك الكثير، وجاء الأتوبيس بعد قليل وركبنا فيه وانطلق بنا نحو العبور، وهناك جاءت امرأتان صغيرتان، تودعان امرأة أخرى مسافرة، فلما عرفتا هاتان المرأتان أننا من أقربائهما، ولم أكن أعرفهما، أوصتني بها خيرا، وحملتني أمانة لا أرغب في حملها، لأن نظرها ضعيف وحمولتها ثقيلة تريد من يعاونها في حملها.. وسار الأتوبيس على بركة الله، وقرأنا دعاء السفر وراء المرشد بشكل جماعي.. وهناك وجدت أحد الدكاترة الذين درست على يدهم في الجامعة قبل ثماني عشر عاما، ولم يكن قد تغير من ملامحه شيء سوى الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه، بعد حادث سير تعرض له، وكان يرافقه زوجه وابنه، فسلمت عليه فتذكرني، ثم قمت أنا وابنه بحمله في سيارة الإسعاف لتحمله إلى المعبر. وبعد انتظار طويل وبارد وممل في الصالة المصرية، خرجنا إلى الجانب الآخر من الصالة، وركبنا في أتوبيس مكيف وهادئ ومريح كان في انتظارنا، فجاء المرشد الذي رافقنا من أول الرحلة ورددنا خلفه دعاء السفر، فتحدث بكلام قصير غير مسموع مع مندوب الشركة التي سافرنا معها، فقال المندوب بعد هذه النجوى القصيرة: يجب أن تنزلوا إلى أتوبيس آخر لأن هناك خطأ ما، فلما نزلنا وقمنا بتنزيل أمتعتنا الثقيلة وحملناها في الأتوبيس الآخر، تبين أننا وقعنا في شرك حيث أدرك المرشد أن هذا الأتوبيس أفضل الأتوبيسات جميعها، فأراد أن يستأثر به لنفسه ولمن يرافقونه.. وصار الأتوبيس وبعد سير طويل نزلنا في استراحة على الطريق تقدم السمك والدجاج، وانهال المسافرون على الاستراحة الصغيرة التي لا تستوعب أمثال هذا العدد من الناس، فلما شققت طريقي بين الزحام ووصلت إلى المطبخ كان السمك والخبز قد نفذ تماما، فاضطررت إلى تناول وجبة من الكفتة والكباب ونحن نشك في مصدر هذه اللحوم المفرومة، فتناولنا الوجبة أنا والزوجة والمرأة الأخرى التي ترافقنا، ثم شربنا الشاي والمثلجات وعاودنا المسير.. أما الشيء الذي لاحظته في هذه المرة وكان جديدا فهو انطفاء الأنوار وتكسير الإسفلت على طول الطريق البري من رفح حتى السويس في مسافة تزيد عن ثلاثمائة كيلو متر، وكنت أشعر بالخوف من انحدار الأتوبيس، أو تزحلقه في إحدى الأودية الموجودة على جانبي الطريق، أو خروج عصابة مسلحة من البدو، وخصوصا كانت تتردد بين الناس حكايات كتلك بعد انفلات الأمن في مصر، وكنت أتساءل من الذي أطفا الأنوار وخرب أعمدة الكهرباء؟؟ (2) وصلنا إلى مطار القاهرة الدولي في غسق الليل، وتم حشرنا في ممر طويل، احتلت أغلب مقاعده، فافترشنا البلاط المثلج، وبعد ثرثرة قصيرة مع الزوجة نمت واستيقظت على آذان الفجر فصليت في مسجد المطار الصغير، ثم نمت حوالي ساعة في المسجد لكني استيقظت منهكا بسبب التكييف البارد، ثم ذهبت إلى حيث تجلس الزوجة فناولتني قطعة خبز محشوة بالجبن، مع كأس شاي مصنوع بواسطة (مسخن الماء). وحان موعد صلاة الجمعة ونحن لا نزال محشورين في هذا الممر البارد الطويل، فذهبنا للصلاة في مسجد المطار، وكان الخطيب شابا يرتدي جلبابا ريفيا بسيطا، تحدث بلغة بسيطة عن سلامة القلب والضمير، وكنت اشعر بالنعاس الشديد الذي يحول بيني وبين متابعة الخطبة.. وبعد الصلاة تجولنا في مطار القاهرة الذي يمتلأ بالمحلات التجارية والمطاعم وكأنه سوق مركزية، وكان أكبر هذه المعارض دكان كبير يمتلأ بشتى أنواع الخمور، وسألنا عن أسعار المأكولات، دون أي نية في شراء شيء، فكان كاس الشاي بـ 18 جنيه والساندويتش بـ100 جنيه، وزجاجة الخمر بـ 20 دولار.. وجاءت إلينا فتاة مصرية سمراء، عاملة في المطار، ذات ملامح جادة، فجمعت منا 12 جنية ثمن وجبة صغيرة من الأرز مع بعض شرائح لحم الدجاج، أحضرتها لنا من خارج المطار.. وعند العصر أحضرنا أمتعتنا ووقفنا في صف طويل استعدادا لوزن الحقائب والانتظار في صالة المغادرة، وفي الساعة الثامنة بدأنا في الدخول إلى الطائرة من خلال سرداب أو نفق يصل إلى باب الطائرة مباشرة، وبدأت المحركات تدور، وبدأنا نستمع إلى التعليمات الواجب إتباعها عندما يدلهم الخطب ويحدق الخطر، ومنها قناع الأكسجين عندما ترتفع الطائرة أو تقابلها ظروف تقلل من نسبة الأكسجين فيشعر المسافر بالاختناق، عندها ستنفتح تلقائيا من سقف الطائرة فتحة يسقط منها قناع عليك أن تجذبه وتضعه على أنفك وتستنشق منه الأكسجين، ليخلصك مما أنت فيه من كرب وبلاء.. ونظرت فوقي لعلي أجد مكانا ينزل منه هذا القناع فلم أجد! ثم جاءت التعليمات عن سترة النجاة عندما يحم القضاء وينزل البلاء. وتقول هذه التعليمات يجب أن تتطوق بسترة النجاة، ثم تجذب طرفا منها فتمتلئ بالهواء، وإن حدث ما لا تحمد عقباه، فتعسر امتلاء السترة تلقائيا بالهواء، فإنك لواجد بها فتحة عليك أن تضعها في فمك وتنفخ وتنفخ حتى تمتلئ السترة بالهواء، ثم توكل على الله وألقي بنفسك حيثما تكون!.. ووضعت يدي تحت المقعد أتحسس سترة النجاة لأطمئن على وجودها، ثم قلت في نفسي كم سمعنا عن حوادث الطائرات، وهلاك الركاب وتبعثر الأشلاء، لكننا ما سمعنا يوما عن شخص أغنت عنه سترته أو طوق نجاته من الهلاك شيئا..! ورحت أفكر في الأمر أكثر وأكثر فأقول ماذا لو حدث المقدر والمكتوب، وخافت الزوجة أن تلقي بنفسها من هذا البعد السحيق، وراحت تتشبث بي باستماتة، فهل أدفعها بعيدا، وأقول يا روح ما بعدك روح؟ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم! وتحركت الطائرة.. وبعد حوالي خمس دقائق كانت قد ارتفعت عن الأرض، وغاب مطار القاهرة في غسق الليل.. وحينما ارتفعت الطائرة عن الأرض أحسست كأنني فوق بلون مملوء بالهواء على ظهر الماء، وبدأت الطائرة تتسلق الهواء، كما تتسلق السفينة موجة عاتية في خضم البحر، وكان النظر من الطائرة يشعر بالخوف والفزع من هذا البعد السحيق، وخصوصا عندما كنت أتابع على شاشة الكمبيوتر أمامي أننا على ارتفاع 44 ألف قدم عن سطح الأرض، ورحت أتخيل حدوث خلل في محركات الطائرة، وشعرت بضغط شديد على أذني كأن فتيلا دخل فيها، وشعرت كأنها ملئت بالماء، مع أنني ركبت الطائرة وأنا في سن السادسة أو الخامسة من عمري مرتين أو ثلاثة، لكني لم أشعر بمثل هذا الخوف الذي شعرت به الآن.. وكنت أتابع على شاشة الكمبيوتر صورة الطائرة وهي تجتاز البحر الأحمر، وكان الأمر يبدو على التلفزيون سهلا عندما يظهر البحر الأحمر وكأنه ذراع إنسان، وتظهر الطائرة كأنها حمامة صغيرة، ولا تبوح هذه الإشارات الرمزية بفداحة الخطر الذي يحدق براكب هذا الطائر الميمون.. وكم تبدو فداحة النكبات غير متخيلة وهي مدونة كرموز على الورق، كما لا تبوح رموز القنبلة الذرية بحجم الكوارث التي تخلفها وهي مكتوبة في صورة معادلات رياضية.. ورحت أفكر في هذا الطائر الميمون الذي يرتفع ويرتفع ويحاكي الطائر في تحليقه، لكنه يفوقه في قوته وجبروته، وكيف كان الإنسان منذ القدم يحلم بهذا الطائر الذي يطير، وينقله على جناحيه من مكان إلى مكان، ويقطع به البحار والبلدان، وهل كانت الأحلام القديمة إرهاصا وظلا لميلاد هذه الطائرات النفاثة، فلما حان ميلاد هذه الطائرات وخرجت من حيز الإمكان إلى حيز الوجود، كف الخيال عن تخيل الطائر أو الحصان الذي يمتطي صهوته السندباد ويطير به إلى مدينة الرؤى والأحلام!.. وقطعت هذه الأفكار المضيفة الجميلة التي مرت بطاولة العشاء وهي تخيرنا بين السمك والدجاج، واخترت السمك، ثم عادت مرة أخرى ببراد الشاي والقهوة والجرائد المصرية التي تتحدث عن محاكمة مبارك وزوجته سوزان.. وما أن انتهينا من تناول وجبة الطعام حتى سمعت رنين صفارة موسيقية تعلن وصولنا إلى مطار جدة، فنزلنا من الطائرة إلى المطار، وكان الجو شديد الحرارة، وكان مطار جدة غير مرتب كمطار القاهرة، أما القائمون على الأختام فهم شباب صغار السن يمتازون بالنشاط الدءوب، والحركة السريعة، وسرعة الانجاز أكثر من الموظفين في مطار القاهرة.. ولما استلمنا حقائبنا وخرجنا كانت ثلاث أتوبيسات تنتظرنا، وكان المطلوب منا أن نحشر أنفسنا فيها كيفما كان، ثم ننطلق في رحلة شاقة تزيد عن 500 كيلو متر من جدة إلى المدينة المنورة.. ولم نجد سوى كرسيين فارغين أحدهما تجلس عليه امرأة والآخر يجلس عليه رجل، وجلست الزوجة بجانب المرأة وجلست بجانب الرجل، الذي أفسد علي النوم والتأمل لضخامته وعلو شخيره.. (3) انطلقت بنا الحافلة بين الجبال في طريق صحراوي معتم خالي من أعمدة الكهرباء، وأمضينا طوال ذلك الليل مبحرين في صحراء مقفرة موحشة، فلما اقتربنا من المدينة المنورة، لاحت أنوار البيوت المبنية في أحضان الجبال، ولكني لم استطع متابعة هذه المناظر الجميلة بسبب النعاس الشديد.. وانبلج الصباح مشرقا وصافيا ومنعشا حين وصلنا إلى المدينة المنورة في حوالي الساعة 8:30 صباحا، وبمجرد وقوف الحافلة أمام الفندق، حل محل السكون والفراغ والنعاس، نشاط محموم وبلبلة شديدة.. وتسابق الناعسون في إنزال حقائبهم ودخول الفندق والتجمع في الصالة لاستلام مفاتيح الغرف.. وكانت الغرفة التي نزلنا فيها مريحة وواسعة ومكيفة، وتطل على مفترق طرق رئيسي في المدينة المنورة، فألقيت نفسي على السرير ورحت أغط في نوم عميق لم أذقه منذ ثلاثة أيام، واستيقظت قبيل غروب الشمس بقليل، فذهبت إلى المسجد النبوي الذي كان يغص بأجناس متنوعة من الرجال والنساء، من عرب، وفرس، وزنوج، وهنود، وأتراك، وأجناس مختلفة من أبناء العم سام، إلا أن الملاحظ أن العرب أقل هذه الأجناس وجودا، وحيثما وليت وجهك استمعت إلى رطانة لا تفهمها، وزحام متنوع غريب من بلبلة الألسن.. وبرغم الازدحام الشديد، كان الشعور بالسكينة أقوى وأشد من كل ازدحام.. ورجعنا إلى الفندق في حوالي الساعة 11 ليلا ، وأنا لازلت منتشيا بما رأيت وما سمعت، ولم يفسد علي هذه السكينة سوى الطلبات الكثيرة للمرأة التي تكفلنا بها، وخصوصا أنها سكنت مع ثلاث نساء إحداهن سيئة الخلق وعصبية المزاج.. (4) استيقظت في حوالي الساعة السادسة إلا ربعا، وكانت الشمس على وشك الشروق، وأيقظت الزوجة فصلت الصبح، ونامت الزوجة بعد الصلاة، وبقيت مستيقظا أقرأ في المصحف من سورة المائدة، وخطرت لي معاني جديدة لبعض الآيات فدونتها في مفكرتي.. وكان الفندق في هذه الساعة شديد الهدوء، فقمت وأعددت لي كأسا من الشاي، وجلست على السجاد الأحمر الجميل الذي يكسو أرض الغرفة، ورحت أتأمل حركة الناس في الشارع من وراء الزجاج، وكنت أعجب من هؤلاء الآسيويين الذين يجيئون من بلاد بعيدة لأداء الصلاة في هذه الأماكن المقدسة، وقد حمل كل شخص طعامه في يده وعاد إلى الفندق.. وبعد العصر ذهبنا مع مجموعة من الناس في جولة إلى جبل أحد ومسجد قباء ومسجد القبلتين.. أما جبل أحد فهو جبل طويل وممتد، يبعد عن المسجد النبوي حوالي 4.5 كم، ويبلغ طوله ثمانية كيلومترات، وعرضه ما بين 2-3 كم، وعند أقدامه بنيت مدينة جديدة تمنيت أنها لم تبن في هذه المكان، وتمنيت لو بقي جبل احد كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما جبل الرماة أو جبل عينين، الذي وقف عليه الصحابة يوم معركة أحد فهو مرتفع صغير يبلغ طوله 180متر وعرضه 40متر، وبني عليه في العهد العثماني مسجد صغير وبعض البيوت التي تم إزالتها مؤخرا، وأغلب الظن أنه أزيل منه الكثير، وقد تسلقه بعض الناس للنظر إلى جبل أحد، وفي مقدمة الجبل جلست بعض النسوة لبيع العطور للزائرين.. وقريب من جبل الرماة توجد مقبرة شهداء أحد، ويحيط بهذه المقبرة سور حجري أبيض، وقد جعل لها بوابة لا يسمح لأحد بدخولها أو لمسها، وإنما لإفساح النظر إلى هذه المقبرة التي لا ترى فيها شيئا حتى شواهد القبور، وبرغم اليافطات الكثيرة المكتوبة بعدة لغات لا توجد يافطة مكتوب عليها أسماء هؤلاء الشهداء؟ وبعد ذلك ذهبنا إلى مسجد القبلتين، الذي تم تغيير قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى البيت الحرام أثناء صلاة العصر في هذا المسجد، وبعد ذلك ذهبنا إلى مصنع التمر، وعجبت من ارتفاع أسعار التمر حيث تصل كيلو التمر فيه إلى 100 ريال، ولم يشتر أحد منه شيئا، اللهم إلا زجاجة ماء بريال واحد... وبعد ذلك ذهبنا إلى مسجد قباء وصلينا هناك ركعتين، وشاهدت مندوب شركتنا للمرة الأولى والأخيرة يصلي هاتين الركعتين، حيث أخبرنا هذا المندوب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: "أن صلاة ركعتين في مسجد قباء تعادل عمرة" فيبدو أنه اكتفى بالركعتين طوال الرحلة وترك الصلاة ومناسك العمرة فلم يفعل منها شيئا!.. وكان في المدينة أماكن كثيرة أتمنى زيارتها ولكني لم أجد من يرشدني إليها ولم أجد الرفقة الصالحة لزيارتها، ولم أزرها مع الأسف، ومن هذه الأماكن: مسجد الجمعة، وهو المسجد الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أول جمعة في المدينة.. كذلك مسجد بني معاوية أو "مسجد الإجابة" الذي بني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في ديار بني معاوية الأوسيين، وكان يسمى باسمهم، وسمي بمسجد الإجابة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر به ذات يوم فركع ركعتين ودعا طويلا ثم قال: "سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يهلك أمتي بالقحط فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".. وكذلك مسجد أبي ذر، أو "مسجد السجدة"، الذي سجد النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه سجدة الشكر، لأن جبريل بشره في ذلك المكان أن من صلى وسلم على النبي، فإن الله يصلي ويسلم عليه.. وكذلك "مسجد الراية" الذي نصبت في موضعه قبة لرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب.. وكذلك "مسجد الغمامة" الذي يروى أنه بني في آخر المواضع التي صلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة العيد؛ حيث كانت غمامة تظله وهو يخطب فسمي بالغمامة.. وكذلك سقيفة بني ساعدة التي اجتمع الصحابة فيها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتمت فيها بيعة أبو بكر.. وكذلك وادي العقيق، الذي يقع في الجهة الغربية من المدينة وقد وردت أحاديث كثيرة بفضله، ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك" وكذلك وادي بطحان الذي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"إن بطحان على ترعة من ترع الجنة" (5) استيقظت في هذا اليوم على صلاة الفجر فصليت الفجر في المسجد النبوي، وكنت أتمنى المكث في المسجد النبوي لكن كان يشتت انتباهي درس في التفسير، عبارة عن قراءة عادية من تفسير من التفاسير السلفية، بصوت يصل إلى كل أنحاء المسجد من خلال السماعات المثبتة على سواري المسجد.. فرجعت إلى الفندق ونمت حتى الساعة التاسعة، فتناولت إفطاري وذهبت لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكنت أتمنى تخيل المكان الذي عاش فيه النبي وأزواجه، ولكن الزحام الشديد هناك يسبب الضيق والاختناق، ويزيد من هذا الضيق والاختناق حراس غلاظ ينتهرون بغلظة وقسوة من يقف أو يتأمل.. ولو وقف شخص هناك ما استطاع تخيل هذا المكان كما كان في عهد النبي، فقد تغيرت معالمه، وانطمست آثاره، وكان الأولى بالمسلمين تركه كما هو مع بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، مع إحاطته بما يمنع وصول الناس إليه.. إن المسلم يقف اليوم عاجزا عن تخيل المكان الذي عاش فيه الرسول وأزواجه، وهذه من أكبر الجناية التي تمت في التاريخ على شيء مقدس، أو على أقدس شيء على الإطلاق.. لقد بني هذا المسجد في المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم وصوله إلى المدينة مهاجرا، وكانت مساحته حوالي 2475مترا مربعا آنذاك، ثم حدثت له توسعات ضخمة على مدار التاريخ، حتى وصلت مساحته الحالية إلى (400327) أربعمائة ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين مترا مربعا، يتسع لقرابة مليون مصل.. ومن المعالم الهامة في المسجد النبوي (الحجرة الشريفة) التي كان يقيم فيها النبي مع السيدة عائشة رضي الله عنها، وتبلغ مساحتها 3.50×5متر، وتوفى رسول الله في هذه الحجرة ودفن معه فيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وبني عام 1279م، فوق هذه الحجرة بأمر من السلطان المملوكي قلاوون، ما يعرف بالقبة الخضراء التي لا تزال قائمة حتى اليوم.. ومن المعالم الهامة في المسجد النبوي (الروضة الشريفة)، وهي المكان الواقع بين الحجرة الشريفة والمنبر الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وتبلغ مساحتها نحو 330مترا مربعا، وجاء في الحديث الصحيح: "مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".. وتنتشر في الروضة الأعمدة الرخامية الضخمة التي ارتبطت بمآثر مدونة في كتب الحديث.. ويقع المنبر الذي كان يخطب عليه النبي في جهتها الغربية، وكان مكونا من ثلاث درجات، وظل قائما حتى عام 1226م، حين احترق مع الحريق الذي شب في المسجد آنذاك.. أما المنبر الحالي فيعود إلى عهد السلطان العثماني مراد، عام 1589م.. (6) ذهبت إلى المسجد النبوي، وحاولت الصلاة في الروضة الشريفة، فلم أستطع لشدة الزحام، فصليت قريبا من الروضة ركعتين، وكان بجانبي شخص حاولت سؤاله عن بعض الأمور فكان إيرانيا لا يفهم من العربية أو الانكليزية حرفا، فتبادلنا الإشارات والإيماءات، ونحن نعتقد أننا فهمنا عن بعضنا شيئا ما.. ورجعت إلى الفندق أنتظر الأتوبيسات التي ستنقلنا إلى مكة المشرفة، وقد أخبرنا أنها ستجيء في الثامنة والنصف، ولكنها لم تجيء إلا في العاشرة والنصف، وحدثت مشادة كلامية بيني وبين المشرف عن الرحلة حيث قال لا يجوز أن يجلس رجل بجانب زوجته؛ لأننا سنحرم من (أبيار علي) بعد قليل، ورفضت أن أقوم من جانب الزوجة لأنني على قناعة بان كلامه خطأ ولكن الزوجة ألحت علي بالقيام.. وغير بعيد عن مقعد الزوجة وجدت مقعدا فارعا جلست فيه دون أن يشاركني أحد، مما أعطاني فرصة للتأمل والاسترخاء أكثر مما لو كانت تشاركني فيه الزوجة التي تكثر من الأسئلة والاستفسارات وتقطع علي سيل التأملات.. وبعد قليل وصلنا إلى "ذو الحليفة"، وهي ميقات أهل المدينة ويقال له (أبيار علي)، وهي تبعد عن المدينة (12كم)، وعن مكة المكرمة (400كم). والشيء العجيب أنك قلما تهتدي إلى أسماء المساجد التاريخية، لأنها مكتوبة على يافطات صغيرة بحجم الكراس الصغير.. أما اليافطات الكبيرة فمكتوب عليها بعدة لغات: دورات مياه للرجال، أو دورات مياه للنساء، أو إلى مصلى الرجال، أو إلى مصلى النساء، فيبدو أنهم لا زالوا يعتبرون أسماء المساجد بدعة شنيعة!.. ودخلنا حمامات مسجد (أبيار علي) للاغتسال للإحرام، ولم تكن الحمامات على قدر كبير من النظافة والاهتمام، وخرجنا إلى الأتوبيسات، وأنا ألف فوطة الإحرام على ظهري وصدري وبطني، وهي المرة الأولى التي اخرج فيها إلى الشارع بلا ملابس سوي هاتين القطعتين من القماش، فأحسست بوعكة خفيفة في بطني خشيت أن تزداد حدة، وشعرت بالقلق عندما تخيلت أنني سأبقى على هذه الحال طوال هذه المسافة في الأتوبيس المكيف الذي تقترب درجة حرارته من درجة حرارة الشتاء، وشعرت بمغص خفيف، والحمد لله زال هذا المغص بعد أن تناولت زجاجة سفن أب من استراحة مقامة على الطريق.. كنت أشعر وأنا أرتدي ملابس الإحرام كأني صائم أنتظر الإفطار، أو كأني في شهر الصيام أشتاق إلى قدوم العيد.. لقد كانت الطريق من المدينة إلى مكة طريق صحراوية طويلة تنتشر على جانبيها الجبال السوداء والحمراء والوديان العميقة.. وكنت أنظر إلى تلك الجبال المخيفة وإلى تلك الصحاري التي لم يعمرها أحد، وكنت أتساءل هل هذه هي نفس الطريق التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته من مكة إلى المدينة، وكنت أحاول تخيل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقطع هذه الفيافي المهلكة، ثم أحاول تخيله وهو راجع إلى مكة للحج والعمرة فلم يسعفني الخيال، وكنت أعتقد أننا نسير في طريق أسهل بكثير من الطريق التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وتمنيت لو كانت هناك معالم على طول الطريق تشير إلى طريق النبي صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته.. وبدأنا نقول بصوت منخفض "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.." وكانت تلبية فيها نوع من العفوية والتلقائية والخشوع، لم يفسدها علينا إلا أحد الركاب ذوي الأصوات الخشنة، عندما أخذ الميكرفون وراح يصرخ بالتلبية بصوت عال أقض مضاجع كل الركاب، وأطار النعاس من العيون.. (7) لما اقتربنا من مكة المكرمة، بدت أنوار المباني تلوح لنا من بعيد، ثم بدأت الحافلة تغوص في عمق المدينة شيئا فشيئا، حتى لاحت لنا ساعة مكة الضخمة من بعيد، وقرأنا على جانب الطريق يافطة كبيرة مكتوب عليها بعدة لغات "ممنوع دخول غير المسلمين"! وووصلنا إلى الفندق الذي سننزل فيه، وكانت غرفتنا في الطابق السابع تطل نافذتها على ساعة مكة المكرمة مباشرة وتبعد عنه مسافة 10 دقائق سيرا على الإقدام.. وتعتبر ساعة مكة المكرمة أكبر ساعة برج في العالم، نظرا لقطر واجهتها الذي يزيد عن 40مترا، وبارتفاعها الذي يزيد عن 400مترا عن مستوى الأرض، ويبلغ الارتفاع الإجمالي لبرج ساعة مكة 600 مترا، فيما يصل ارتفاع الساعة من قاعدتها إلى أعلى نقطة فيها إلى 250مترا.. ويبلغ طول عقرب الدقائق 22مترا وطول عقرب الساعة 17 مترا، ويزن كل عقرب 6 أطنان، ويستخدم نظام الإضاءة مليوني مصباح لإضاءة ساعة مكة ليلا، ويمكن رؤيتها من مسافة تبعد عن البرج حوالي 30 كيلو مترا.. وبعد العشاء ركبنا في سيارة أقلتنا إلى الحرم، لقضاء شعائر العمرة، وكان يقود هذه المجموعة أحد المرشدين الذي يدعو ونحن نؤمن على دعائه، وكان لا يتعب من كثرة الدعاء الذي استمر حوالي ساعتين متواصلتين، وهو يشبه المنشدين الذين ينشدون المدائح الدينية في الموالد والمناسبات الدينية.. ودخلنا الحرم ونحن نرفع أصواتنا بالتلبية، والناس تنظر إلينا باستغراب واندهاش، وشعرت بالحرج من تلك النظرات.. وكان المسجد الحرام يمتلئ بالنساء غير العربيات اللاتي يشع من وجوههن الجميلة جلال الإيمان، وقد قدمن من أوربا وآسيا وأفريقيا.. ولما وصلنا إلى الكعبة المتشحة بالسواد أجهش عند رؤيتها بعض من كان معنا من النساء والرجال. ومع أن الوقت متأخر لم نستطع تقبيل الحجر الأسود، أو لمس أستار الكعبة من كثرة الطائفين حول البيت، واكتفينا بالنظر إليها من بعيد.. وطفنا حولها سبعة أشواط، ثم ذهبنا فشربنا من ماء زمزم، ثم سعينا بين الصفا والمروة، وعدنا إلى الفندق حتى نحلق رؤوسنا وبذلك نكون قد أنهينا شعائر العمرة.. (8) إذا سألت الناس عن شيء هناك وجدتهم يخلطون بين الكعبة وبين المسجد الحرام وبين الحجر الأسود.. فالكعبة هي الغرفة المغطاة باللون الأسود المطرز بالذهب، والحجر الأسود عبارة عن حجر صغير أسود موجود في ركن الكعبة الشرقي، وهو موجود منذ عهد إبراهيم عليه السلام، لكنه تفتت إلى ثماني قطع، يبلغ حجم القطعة الواحدة مقدار التمرة، بعد أن أخذه القرامطة مدة 22سنة ثم أعيد ثانية إليها.. أما المسجد الحرام فهو مساحة صغيرة جدا تحيط بالكعبة تبلغ حوالي 2000مترا مربعا، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يحيط به، وإنما كانت تحيطه منازل أهل مكة، وبين هذه المنازل طرق توصل إلى الكعبة.. وخلال العصور المتتالية تم توسيع هذه المساحة، وقام عمر بن الخطاب ببناء جدار حول الكعبة وجعل له أبواب، ثم تطورت عمارة المسجد الحرام حتى وصلت أبوابه إلى 155 بابا الآن، وكل باب له اسم خاص، ويضئ الباب باللون الأحمر في حال اكتمال الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام من جهة هذا الباب، وأصبحت مساحة المسجد الحرام مع الأسطح 356000 متر، يستوعب أكثر من مليون مصلي في وقت واحد.. وكنت أتأمل الكعبة، وأحاول تخيل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف حول هذا البيت، الذي جاء في القرآن أنه أول بيت وضع للناس، وكنت أبحث في هذا المكان عن شيء لمسه النبي صلى الله عليه وسلم، أو وضع يده عليه، وبقي كما هو فلم أهتدي إلى شيء أطمئن إليه، لقد تم بناء الكعبة خمس مرات على مدار التاريخ، المرة الأولى في عهد إبراهيم عليه السلام، وكان لها بابان، والمرة الثانية عندما تهدمت قبل البعثة النبوية بخمس سنين، فقامت قريش ببنائها، واشترك النبي صلى الله عليه وسلم في بنائها، وتم تغيير شكلها قليلا عن الشكل الذي أقامه إبراهيم عليه السلام، حيث قامت قريش بسد باب من أبوابها، وقامت برفع الباب الثاني عن الأرض بما يزيد عن مترين، وقام النبي يومئذ بوضع الحجر الأسود بيديه الشريفتين عندما اختصمت القبائل فيمن ينال شرف حمل الحجر الأسود ووضعه في مكانه.. والمرة الثالثة كانت على يد عبد الله بن الزبير عندما هدمها وأعاد بناءها على قواعد إبراهيم كما جاء وصفها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل لها بابان، والمرة الرابعة عندما قتل عبد الله بن الزبير، وسيطر الحجاج على مكة، فقام بهدمها وإعادتها كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أما المرة الخامسة والأخيرة فكانت في عهد العثمانيين على يد السلطان مراد خان عام 1630م، عندما تهدمت من سيل اجتاح مكة، وهو البناء الذي لا يزال قائما حتى الآن.. كنت أعجب من أشياء كثيرة في الحرم منها عدم وجود يافطات داخل الحرم تدل على الأماكن دون اضطرار الشخص الداخل إلى الحرم للسؤال والاستفسار.. كذلك تجد الاهتمام بالمسجد النبوي أكثر من الاهتمام بالمسجد الحرام، ففي المسجد النبوي تجد المكان أكثر ضبطا وترتيبا وتنظيما من المسجد الحرام، وربما هذا راجع إلى اهتمام السعودية بالحديث الشريف أكثر من الاهتمام بالقرآن، أو لأنهم يقدمون الحديث على القرآن، ربما؟ كذلك لا توجد في ساحة المسجد الحرام مظلات تظلل الساحة كالتي توجد في ساحات المسجد النبوي في المدينة، وكانت تحيط بالكعبة البنايات الشاهقة التي تكاد تخنقها وتفقدها مهابتها، وكذلك تجد الطرق في مكة طرق مكسرة تمتلئ بالمياه والوحل، وكأنها لا يهتم بها أحد... حتى أن أهل المدينة أطيب في المعاملة من أهل مكة، وربما هذا يرجع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث المسلمين على الهجرة إلى المدينة، وكان يقول أنا شفيع من مات في المدينة، ولذلك هاجر كل المؤمنين ولم يبق في مكة إلا الطلقاء وضعاف الإيمان والأجلاف، وهؤلاء هم ذريتهم.. كذلك تجد البخل يغلب على أهل مكة حتى أنهم يغلقون ماء زمزم في غير أوقات الصلاة، وخصوصا الحنفيات الموجودة خارج الحرم، وإنما تفتح فقط في وقت الصلاة، وكأنهم بهذا الصنيع يعيدون فعل السيدة هاجر عندما فارت مياه زمزم فأخذت تحاول حصرها وإحاطتها بالرمال لئلا يتسرب منها شيء، فورثوا هذه الخصلة أيضا، وأصبحوا يحصرون ماء زمزم ولا يطلقونه إلا بحساب معلوم، حيث أن الشخص لا يستطيع فتح الحنفية بسهولة، لأنه يجب أن يبقى ضاغطا عليها بيده فإذا رفع يده عنها انقطع الماء، كذلك فإن الحراس يمنعون أي شخص يدخل إلى داخل المسجد وفي يده قالون يتسع لأكثر من 5 لترات.. ومن العلامات الدالة على بخل أهل مكة ما شاهدته في يومين متتاليين بعد الصلاة في إحدى المساجد، حيث قام في اليوم الأول شاب صغير يسند بيده كهلا بدت عليه علامات المرض الشديد، ثم قال: إن هذا آبي مريض يحتاج إلى عملية تكلفتها 20 ألف ريال، فأرجوكم أن تساعدوني بارك الله فيكم يا أخواني، وبكى بكاء حارا وتحدرت دموعه على وجنتيه، ثم تكلم وبكى، ثم تكلم وبكى، وفي النهاية لم يشفع له كل هذا البكاء، وهاتيك الدموع بان يستدر من الناس ريالا واحدا؟ وفي اليوم التالي بعد صلاة العشاء قام شاب يحمل بين يديه رجلا عجوزا شديد النحافة يبدو أنه لا يستطيع الوقوف، وأخذ يناشد المصلين ويبكي أن يساعدوه بأي شيء لعلاج هذا المسكين- حسب تعبيره- ولم ينل منهم ولو فلسا واحدا..! (9) ذهبت في هذا اليوم لأداء عمرة عن والدي، فذهبت إلى التنعيم، وهو مكان إحرام أهل مكة، وهناك يوجد مسجد كان يعرف بمسجد السيدة عائشة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب بأخته عائشة لتحرم للعمرة من هناك، ومن يومها أصبح يعرف هذا المكان بمسجد السيدة عائشة، لكن اليوم تم تغيير اسمه بمسجد التنعيم، ولا أدري لماذا، ربما لأنهم يعتبرون أن اسم المرأة عورة؟؟ وكان هذا المكان يمتلئ بالرجال والنساء الإيرانيين، وكانت تتميز النساء الإيرانيات باللباس الأبيض الذي ينم عن شياكة رفيعة وذوق عال، في اختيار اللباس والزينة لدى شيعة إيران، كذلك تبدو النساء الإيرانيات بارعات الجمال دون الحاجة إلى أي ماكياج أو تزويق، أضف إلى ذلك نظرة كلها تحد وكبرياء.. وأحيانا كان يخطر في قلبي أنهن يتعمدن ذلك لإلهاء المصلين وشغلهم عن صلاتهم حيث أنهن كثيرا ما يدخلن أمام المصلين، أو يقفن أمامهم ولا تنقطع حركتهن طوال الصلاة ولا قبلها ولا بعدها، والله أعلم بما في القلوب وخلجات النفوس.. ودخلت في إحدى الحمامات وأخذت حماما وكان الماء شديد الحرارة، وبالكاد استطعت تحمله، من شدة حرارة الجو، ثم لبست ملابس الإحرام ونويت الإحرام وصليت ركعتين، وأذن المغرب فصليت في المسجد، وكان صلاتي بجانب شاب سمعته في سجوده يذكر الحسين وآل البيت، فلما سلم الإمام لم يسلم معنا هذا الشاب، فاستمر في صلاته وصلى ركعتين زيادة عن صلاتنا فعجبت من ذلك، فلما انتهى من صلاته سألته: هل أنت شيعي فقال نعم، فهززت رأسي ولم أكمل الحديث معه، لأن من عادة الشيعة عندما يضطرون لصلاة الجماعة مع أهل السنة أن يزيدوا في صلاتهم أو ينقصوا منها حتى لا يكونوا قد اقتدوا بإمام من أهل السنة!.. (10) كنت صائما في هذا اليوم وكنت أنوي عمل عمرة حيث يجد الشخص أن للعمرة طعما مختلف أثناء الصيام، لكني لم أذق لهذه العمرة طعما، وبدلا من أن ينقلب الليل إلى سرور وانشراح انقلب إلى هم ونكد!.. فقد ذهبت أنا والزوجة إلى التنعيم للإحرام من هناك، ثم رجعنا إلى المسجد الحرام للطواف، فأذن المغرب فتناولت عدة تمرات وأقيمت الصلاة فصليت، وبعد الصلاة اتصلت المرأة التي تكفلنا بها في بداية رحلتنا، قائلة أنها في المسجد الحرام تريد أن تعتمر وتطلب أن نأتي لأخذها، فكان هاتفي في الحزام تكاسلت عن إخراجه، فأخذت هاتف الزوجة حتى أهاتف هذه المرأة وتدلني على مكانها، وأعود بها إلى حيث تقف الزوجة، فوجدت المرأة ولكني لم أجد الزوجة في المكان الذي تركتها فيه، وبحثت عنها في كل مكان فلم أجدها، وبقيت مشغولا في البحث عنها إلى صلاة العشاء ولم أكن قد قضيت شيئا من مناسك العمرة، ثم صليت العشاء وبعدها أخذت هذه المرأة وأسلمتها لإحدى النساء الطائفات فتوكلت بها، ثم بدأت أكمل مناسك العمرة بمفردي وأنا أفكر في الزوجة، ولما ذهبت للسعي بين الصفا والمرأة كنت أتفرس في الوجوه لعلي أجدها بين الساعين، فلم أجدها، ويبدو أنني قد استبدت بي نفس المشاعر التي استبدت بالسيدة هاجر أثناء سعيها في هذا المكان، حيث كانت تهرول بقلق تبحث عن الماء، وأنا هنا أهرول بقلق أبحث عن الزوجة، وكذلك الزوجة لابد أنها كانت تهرول بقلق تبحث عن الزوج!.. وكذلك كنت بحاجة إلى الإفطار لأني صائم، ولما انتهيت من المناسك كانت المرأة لا تزال في الطواف، فقالت ارجع إلى الفندق وسألحق بكم بعد أن انتهي من مناسك العمرة، ورجعت إلى الفندق فوجدت الزوجة هناك؛ فقد أدت مناسك العمرة بمفردها، ورجعت إلى الفندق لأنها تقول أنها بحثت عنا فلم تجدنا، وتقول أنها أدت هذه المناسك وهي تشعر بالقلق الشديد.. أما المرأة التي كانت برفقتي فقد ضلت الطريق ولم تستطع أن تهتدي إلى السيارات التي تقل الناس إلى الفندق الذي نقطن فيه، وكنت أطمئن عليها بالهاتف إلى أن لطف بها أحد المعتمرين السعوديين فأركبها في سيارته وجاء بها إلى الفندق الذي نسكن فيه فجزاه الله كل خير.. وكنت أتمنى أن اقضي هذه الليلة في قراءة القرآن والتدبر في معانيه، ولكني عندما تناولت الإفطار استبد بي النعاس فرحت أغط في ثبات عميق!.. (11) التقيت في هذا اليوم بأحد الأصدقاء الذي كان يقول لي قبل أن يأتي إلى السعودية، أنه يوجد له عم قد تركهم منذ ما يزيد عن 40 عاما، وأنه لم يره قط، وكان يقول لي أنه سيمكث كل المدة عند هذا العم الثري الذي اختار الديار الحجازية وطنا له، فلما ذهب إلى زيارته رجع من يومه، فلما سألته عن عمه قال إنه يبلغ من العمر الآن 60عاما، ومتزوج من امرأة من شرق آسيا، وهو يعمل في تجارة الأدوية، وله عمارة من عدة طوابق، وله بنات وأولاد قد تزوجوا وشقوا طريقهم في الحياة، وحصلوا على شهادات عالية.. وبعد أن أكمل كلامه سألته هل بت في بيته، أو قدم لك طعاما؟ فقال لا.. وكان إذا قال له فلان يسلم عليك كان يرد قائلا: مش عايز منه سلام!.. (12) بما أن الرحلة كانت تقترب من نهايتها فقد انتابني أسف شديد حين فكرت مليا في انقضاء إجازتي السارة في جوار البيت الحرام، وفي الساعة 11 صباحا، كان موعد التحرك من الفندق إلى المطار، فذهبت في الصباح وطفت حول الكعبة طواف الوداع، وأحضرت بعض الملابس، ورجعت إلى الفندق في الساعة العاشرة فكانت الأتوبيسات قد حضرت إلى الفندق، وبدأ الناس يضعون حقائبهم فيها، وكانت الزوجة تريد إخباري بذلك فتعذر الاتصال بي، لأن الشبكة كانت معطلة في هذا اليوم، والاتصالات مقطوعة، ولما حضرت أسرعت إلى الفندق فأنزلت حقائبي، فلم أجد لها مكانا في أماكن وضع الحقائب في أسفل الأتوبيس، فاضطررت إلى رفعها على ظهر الأتوبيس مع حقائب بعض الناس الذين لم يجدوا لهم مكانا في أسفل الأتوبيس أيضا.. وكان أقرباء الزوجة يطلبون من الزوجة ويلحون عليها إحضار ماء زمزم، فكنت أرفض أن احمل الماء لكن تحت إلحاح الزوجة الشديد أحضرت معي 30 لترا من هذا الماء السحري، ووضعناها في عبوتين تسع الأولى 10 لترات، وتسع الثانية 20 لترا، وكان ثمن العبوتين الفارغتين 15 ريالا، وقمت بتغليفها في محل قريب من الفندق بـ 15 ريالا، ولما وصلنا إلى المطار، أخبرنا رجال الأمن بمنع دخول أي عبوة ماء تزيد عن 10 لترات، فاضطررت إلى شراء عبوة فارغة من المطار بـ 10 ريالات، ولما هممت أن أملئها من العبوة ذات العشر لترات، قمت بفك تغليف العبوة ذات العشرة لترات ظنا مني أنها العبوة الكبيرة، وهذا اضطرني للذهاب لتغليفها مرة أخرى بثماني ريالات أخرى، ولما جئت لتغليف العبوة التي ملأتها لم يتبق في جيبي من العملة السعودية سوى 7ريالات، فرفض صاحب المحل تغليفها إلا بثماني ريالات كاملة، فقمت بإلقاء الماء بعبوته في حاوية القمامة.. وانتظرنا في صالة المغادرين بعد وزن حقائبنا، وتفتيشنا بواسطة الباب الالكتروني، وفي تمام الساعة السابعة والربع أقلعت الطائرة من مطار جدة، وكنت أراقب علو الطائرة وسرعتها على شاشة الكمبيوتر أمامي، ثم انشغلت في تناول وجبة الدجاج الساخنة، وشرب الشاي والقهوة، وقراءة الصحف المصرية، وفي تمام التاسعة مساء حطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي، وعجبت من الإجراءات المشددة علينا، وكان المسافرون يتوقعون أن الأتوبيسات ستقلهم إلى معبر رفح في نفس الليلة.. وطال الانتظار، وفي النهاية تم اقتيادنا إلى العنبر الذي تم حجزنا فيه قبل أسبوعين، ونحن نغادر مطار القاهرة، لانتظار الأذن بمغادرة المطار، فتذمر الناس واحتجوا على ذلك ولكن دون جدوى، وفي النهاية نقلنا حقائبنا الثقيلة من طابق إلى طابق ومن مصعد إلى مصعد كي تبيت بجانبنا، ونستخرج منها حاجياتنا التي تلزمنا في هذا المعسكر المؤقت، ونمت على الكرسي الحديدي البارد حتى الصباح، واستيقظت على جلبة وصراخ، لأن الأذن بالمغادرة لم يأت بعد، أضف إلى أن الدخول والخروج من هذا المعسكر الذي تم حشرنا فيه ينبغي أن يكون بإذن وتحت عيون شرطة الأمن، وبعد احتجاج ومشادات كلامية ومفاوضات صعبة دامت حوالي 3 ساعات، تم التوصل إلى السماح لنا بالمغادرة في صباح اليوم التالي.. وكان الوقت يمر بطيئا ثقيلا لا ندري كيف نقضيه، فكنت أحياتنا أغفو وأحيانا أصحو، وكنت أسلي نفسي بالقراءة حينا أو بالابتعاد عن القراءة أحيانا، وفي الساعة الثانية صباحا جاء الأذن لنا بالمغادرة، فخرجنا نجر حقائبنا وقد دبت فينا قوة رهيبة، ووضعناها في الأتوبيسات المنتظرة خارج صالة المطار، ثم تحركت الأتوبيسات في طريق تمتلئ بالحواجز العسكرية المشددة، حتى وصلنا إلى المعبر بعد حوالي 7 ساعات من السفر، وهناك أنزلنا حقائبنا، واستمرت الإجراءات في المعبر حوالي ساعتين ثم رجعنا إلى البيت في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، فقضيت بقية النهار في النوم استعدادا لاستقبال المهنئين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل