المحتوى الرئيسى

السوبر تأويلية في مصالحة السوبر تفكيكية بقلم:حسن عجمي

05/25 18:37

حسن داوود في " فيزيك " السوبر تأويلية في مصالحة السوبر تفكيكية حسن عجمي يأخذنا كتاب " فيزيك " لحسن داوود في رحلة إلى ذواتنا المفككة لنكتشف أن المناهج التقليدية غير نافعة في تفسير لاعقلانية فكرنا و فعلنا. فالواقع الاجتماعي المضطرب واقع عقلي متناقض كما ترينا قصص " فيزيك ". و لا يوجد ما يفسّر تمسكنا باضطراباتنا و أمراضنا و لاعقلانياتنا سوى أنها مؤسِسة لأيديولوجيات مستقبلنا. لذا نحتاج إلى مفاهيم و مناهج جديدة لفهم تقلب اللاعقلانية و تحوّلها إلى أيديولوجيات مستقبلية تلبس لباس العقلانية. هكذا توصلنا قصص داوود إلى جدل العلاقة بين السوبر تأويلية و السوبر تفكيكية و انصهارهما. جدل الفصحى و العامية يزاوج الروائي حسن داوود في كتابه " فيزيك " بين العامية و الفصحى. ثمة منطق معين يحكم هذا الزواج ؛ فبينما العامية مُستخدَمة من أجل تعبير الفرد عن نفسه و أفكاره و مشاعره, الفصحى تتخذ دور التعبير عن الحقائق و تحديدها. شخصيات قصص حسن داوود تتكلم بالعامية تماماً كما تفعل في الحياة اليومية. لكن الفصحى تتدخل كي تضبط السياق و تصف الظواهر الطبيعية و الاجتماعية المكوِّنة للشخصيات. يقول داوود في إحدى قصصه : " مش أصدوا , قال واحد متمسخراً أيضاً. / إنتي كمان سدّ نيعك. أجابه المختار." هكذا العامية لغة الناس في قصص داوود بينما الفصحى لغة تحديد السياق و الحقائق أي لغة الإيضاح في حال غياب المعنى أو غموضه بالنسبة إلينا نحن سجناء اللغة الفصحى. تتضح هذه المنهجية في أمثلة عدة في الكتاب منها : " سميح الشيخ محمود اشترى آلة التصوير سنة 1944 . الذين هم كبار الضيعة الآن كانوا صبياناً آنذاك , أو أكبر من الصبيان بقليل. " شوف هادا علي جويد"... ثم يأخذ إصبعه إلى الصبي الآخر الذي يقف ملتصقاً بعلي جواد : " و هادا الحج نعيم" ". هنا الفصحى تسرد الأحداث و تبيّنها بينما العامية تحيا في فم شخصيات القصص و تحييهم. على هذا الأساس , للفصحى دور مختلف عن دور العامية ؛ فالفصحى لوصف الحقائق و الأحداث وصفاً موضوعياً بينما العامية دورها كامن في تعبير الفرد عن ذاته و كيفية اختباره لمحيطه و عالمه. هذه إحدى الرسائل الأساسية لنص حسن داوود. و هذه الرسالة قد تؤسس لنصوص في المستقبل حيث تُستخدَم العامية للتعبير عن الأنا و تجاربها و تُستخدَم الفصحى لإيضاح الأحداث و الحقائق. هذه النصوص المستقبلية الممكنة تعتمد الفصحى و العامية معاً و بذلك تحلّ الخلاف الواقع بينهما. لقد انقسمت الشخصية العربية إلى هويتين لغويتين هما هوية اللغة الفصحى و هوية اللغة العامية. و بات العقل العربي يتكلم بالعامية لكن يفكر بالفصحى ما جعل الخطاب اليومي العربي المعاصر خالٍ من مشروع فكري هادف. من هنا , لا بد من حلّ هذه الأزمة اللغوية و الفكرية , و من الحلول الممكنة حلّ حسن داوود ألا و هو أن نزاوج بين الفصحى و العامية في الخطاب نفسه ( حسن داوود : فيزيك. 2010. دار الساقي ). قيمة النص قائمة في استدعائه لنصوص جديدة و مناهج مبتكرة. من هذا المنطلق , نريد تجنب تفسير كتاب داوود من خلال أجزائه و ترابطها فقط كما نريد تجنب تأويل الكتاب على ضوء نصوص جرت صياغتها في الحاضر و الماضي. و الهدف من ذلك قراءة النص على أساس ما قد يبني من نصوص في المستقبل , و هذا موقف السوبر تأويلية. بالنسبة إلى السوبر تأويلية , القراءة الأفضل هي قراءة النص من منظور ما قد ينتج من معانٍ و مناهج و أساليب فكرية و لغوية في المستقبل. من هنا , كتاب " فيزيك " يشكّل رسالة قوية لصياغة نصوص مستقبلية تزاوج بين الفصحى و العامية على النحو الذي زاوج بينهما داوود في قصصه. نصوص المستقبل نوافذ لفهم نصوص الحاضر و الماضي لأن المعاني تتخذ مضامينها من خلال متلقيها الذي ينمو في المستقبل. نموذج القراءة هذا يبعدنا عن التفسير و التأويل التقليديين لكي نتبنى السوبرتأويلية وما تتضمن من سوبر تفكيكية. فبينما التفكيك يرغب في تبيان لاعقلانيات النص كتناقضاته , السوبر تفكيكية تريد أن تدرس تحوّل لاعقلانيات النص إلى عقلانيات في المستقبل. على هذا الأساس , التزاوج بين العامية و الفصحى الذي قد يبدو لاعقلانياً اليوم سيصبح على الأرجح عقلانية المستقبل. فالانفصام الذي أصاب عقل اللغة العربية لا بد من مداواته من خلال صهر العامية و الفصحى في لغة مستقبلية واحدة تظهر معالمها في كتاب "فيزيك ". جدل العقل و الواقع يصوّر حسن داوود العلاقة الجدلية بين العقل و الواقع. يقول : " الذاكرة تعمل فوتوغرافياً. إذاً تلتقط صوراً ثابتة. أما إن فكرّنا أن ذاكرتنا تأتينا بالأشياء متحركة...فهذا ليس إلا من قبيل التوهم ". هكذا العقل يحيا في نبض تناقضاته ؛ فهو من جهة يلتقط صوراً ثابتة للواقع بفضل الذاكرة , لكنه من جهة أخرى يضفي على تلك الصور حركة بفضل التوهم الذي هو أيضاً قدرة عقلية. لكن من خلال تناقض العقل و آلياته نتمكن من إدراك العالم ؛ فنحن ندرك العالم في حركته. من هنا , لاعقلانية العقل في حاضرنا و ماضينا تغدو عقلانية في المستقبل لأن من جراء الصور العقلية الثابتة الفاشلة في تمثيل الواقع و من جراء تدخل التوهم كقدرة عقلية يُتاح لنا إدراك العالم كما هو. الوهم نفسه يصبح آلية ناجحة في إيصالنا إلى معرفة الواقع. هكذا لا عقلانية الماضي تمسي عقلانية المستقبل تماماً كما تؤكد السوبر تفكيكية. على هذا الأساس, يصوغ حسن داوود في قصصه الواقع الاجتماعي اعتماداً على ذاكرة و توهم يشكلان العقل القادر على تحقيق المعرفة. و ليس من الغريب أن يتحوّل الوهم إلى لا وهم ؛ فمثلاً توهم الشعراء و الفلاسفة بوجود أكوان ممكنة لكن وهمهم أمسى حقيقة حين أكدت العديد من النظريات العلمية على وجود أكوان ممكنة عدة. و بما أن العقل متناقض و لكونه نتيجة الواقع, إذن من المتوقع أن يكون الواقع أيضاً متناقضاً. و هذا ما يعبّر عنه داوود حين يرسم لنا السرعة الهائلة للتغير الاجتماعي التي أدت إلى أن الشيء يتبع سابقه حتى ليكاد يصل قبله. لا معقولية أن يحدث الشيء قبل الأشياء التي من المفترض أن تحدث قبله أمست معقولية ممكنة. و هذا غير مستغرب لأن بالنسبة إلى داوود الحركة تحدث في أصغر لحظة ممكنة و بذلك متى تبدأ الحركة تتوقف. تختلط الأزمنة فيغدو الماضي حياً في المستقبل و يمسي المستقبل متحركاً في الماضي. لا عقلانية أن يولد الشيء قبل ولادة الظواهر التي من المفترض طبيعياً و منطقياً أن تأتي قبله تصبح عقلانية إذا قرأنا تلك اللاعقلانية على أنها تعني أن المستقبل مكرر في الماضي و العكس صحيح خاصة ً في المجتمعات الماضوية كمجتمعاتنا. هكذا توضح السوبر تفكيكية تحولات اللاعقلانيات إلى عقلانيات. هنا يتوقف الزمن من جراء انصهار الأزمنة المختلفة في زمن واحد فرد. لذا المهابيل في كتاب داوود لا يكبرون مع العمر. و هذه اللاعقلانية الإضافية تمسي عقلانية مستقبلية لأن المهابيل وحدهم يكتسبون إنسانيتهم و بذلك لا حاجة لهم لكي يكبروا أكثر من ذلك ( المرجع السابق ). مهابيل القرية الثلاثة يتمايزون عن بعضهم البعض ؛ إبراهيم هو الأهبل القوي , و حسين هو الأهبل الخواجا , أما محمد وطفا فهو أهبل فقط. و باختلاف المهابيل عن بعضهم البعض يكتسبون إنسانيتهم لأن الفرد المطابق للآخرين يخسر هويته في هوية اجتماعية تبتلع كينونته و تفرده. أما الباقون المختلفون عن المهابيل فيتشابهون و يتطابقون ما أفقدهم إنسانيتهم , و لذا هم يمارسون الإرهاب العقلي ضد بعضهم البعض حتى أنهم يسخرون من الجثث و الموتى. من هنا , من الطبيعي أن تسيطر عليهم ثقافة الجهل كالاعتقاد بأن صغر الرأس يدل على قلة العقل. إنها ثقافة الخديعة ؛ فالشخص منهم يخدع ذاته تماماً كما يخدع الآخرين. لكنها خديعة ماكرة تجعل من الخيانة قيمة و من الجهل قيمة. و لذا من الطبيعي أيضاً أن نتنافس على من منا أكثر جهلاً و من منا أصابته هزيمة أكبر كما يفعل أبطال الهزائم في قصص داوود. لم يعد يوجد فرق حقيقي بين القيمة و اللا قيمة , و بين القديم و الجديد , و بين الريف و العاصمة. فالقرى انتقلت إلى المدينة لتملأ فراغات دمارها بفراغات أكبر. هجرة الذات إلى الآخر هجرتها إلى ذاتها. هذا الانصهار العظيم بين القيمة و اللا قيمة , بين القديم و الجديد, و بين الريف و المدينة نتيجة طبيعية لحقيقة أن العقل يشكّل الواقع من خلال أخذ صور فوتوغرافية ثابتة له تكرر صناعة المشهد نفسه مرات عدة لامتناهية بتفاصيل متغيراتها طفيفة و ثانوية ما يحتم لاعقلانية التزاوج بين القيم و اللاقيم و بين الأزمنة و الأمكنة المختلفة. اللاعقلانيات التي يرصدها كتاب " فيزيك " لحسن داوود تسجن مجتمعاتنا في مستقبل طغاة جدد سيصوغون ( على الأرجح ) من لاعقلانياتنا أيديولوجيات تحكمنا. هكذا تدعونا قصص داوود إلى مشاهدة المستقبل الكامن في حاضرنا و ماضينا ( المرجع السابق ). لا عقلانيات اليوم ستغدو عقلانيات المستقبل أي أيديولوجياتنا المستقبلية تماماً كما تقول السوبر تفكيكية لأننا لا نعادي جهلنا و خياناتنا بل نعرّف أنفسنا من خلالها. التفسير الوحيد لما شخصيات قصص حسن داوود مقتنعة بلاعقلانياتها و متمسكة بها هو أن لاعقلانياتها التي هي لاعقلانياتنا ستصبح أيديولوجيات لها و لنا . هكذا نتمكن من دراسة النص من خلال نصوص مستقبلية هي الأيديولوجيات التي سوف تحكمنا بالنسبة إلى قصص داوود. لذا دراسة نصوص حسن داوود تلزمنا بمنهج السوبر تأويل فلا نرى النص من خلال ذاته فقط و لا من خلال نصوص عالقة في حاضرنا و ماضينا بل ننظر إلى النص من منظور النصوص المستقبلية التي يتنبأ بها أو ينتجها . من هنا , لا بد من ترسيخ الأرضية الفلسفية من أجل صناعة مفاتيح الأبواب و النوافذ المستقبلية المغلقة. فما هو التفسير و ما هو التأويل ؟ و لماذا نرغب في الهرب منهما ؟ جدل التأويل و التفسير أوضح التراث الفرق بين التفسير و التأويل , وانقسم الكتّاب و المفكرون و الفلاسفة إلى فريق مدافع عن التفسير و فريق آخر مدافع عن التأويل. أتباع التفسير قبلوا بظاهر النص فعُرِفوا بأصحاب الظاهر بينما أتباع التأويل لم يقبلوا سوى بما خفي في النص فعُرِفوا بأصحاب الباطن. والخلاف ما زال قائماً حول أيهما أفضل و أقرب إلى الحق و الحقيقة. و لم يبق الخلاف فكرياً بين التفسير و التأويل أي بين الظاهر و الباطن بل تطور الخلاف ليصبح صراعاً دموياً بين الفِرَق الإسلامية المختلفة. هكذا حوّلنا أجمل خلاف فلسفي إلى أقبح حرب أهلية عمرها أكثر من ألف و أربعمائة سنة. على هذا الأساس , البحث في اختلاف التفسير عن التأويل ليس ضرورة معرفية فقط بل هو ضرورة اجتماعية و إنسانية أيضاً. بينما التفسير هو دراسة فحوى النص من خلال أجزاء النص نفسه , التأويل دراسة مضمون النص من خلال نصوص أخرى. هذا الفرق بين التفسير و التأويل أساسه الاختلاف حول المعنى. فابن سينا مثلاً يعتبر أن المعنى هو ما تدركه النفس , و بذلك بالنسبة إليه معاني أي نص محدَّدة من قبل ما ندركه من النص. و بما أنه من الممكن أن ندرك في أي نص كالنص الديني معانٍ فلسفية و صوفية , إذن بالنسبة إلى ابن سينا تأويل النص الديني هو الطريق الصحيح لفهم الدين أي قراءة النصوص الدينية فلسفياً و صوفياً هي القراءة الصحيحة. هكذا نظرية ابن سينا في المعنى أدت إلى قبوله بالتأويل بدلاً من التفسير. أما بالنسبة إلى ابن تيمية فالسياق يحدِّد المعنى , و بذلك لا بد من فهم النص على ضوء أجزائه و ليس من خلال نصوص أخرى كنصوص الفلسفة أو التصوف. لذا يقبل ابن تيمية التفسير فظاهر المعاني و يرفض التأويل الباطني لأي نص. هكذا أيضاً نظرية ابن تيمية في المعنى أوصلته إلى قبول التفسير الظاهري للنصوص. لكن من الممكن أن نبني نظرية مختلفة في المعنى مفادها أن المعنى هو ما نخلق و نصوغ من خلال هذه الكلمات و العبارات أو تلك. إذا قبلنا هذه النظرية قد لا نحتاج إلى الاختيار بين التفسير و التأويل بل قد تدفعنا هذه النظرية إلى إنشاء مقاربة مختلفة للنصوص. فبما أن المعنى هو ما نخلقه من خلال اللغة , و بما أنه من الممكن خلق معانٍ جديدة , إذن يبدو أن المقاربة الصحيحة للنصوص كامنة في قراءة النص من منطلق قدرة النص على إنتاج نصوص و معانٍ جديدة. و هذا ما نسميه السوبر تأويل. لا بد من التمييز بين التأويلية و السوبر تأويلية. بينما التأويلية هي قراءة النصوص و فهمها على ضوء نصوص أخرى متشابهة أو مختلفة و موجودة في الحاضر أو الماضي , السوبر تأويلية هي قراءة النص و فهمه من خلال النصوص المستقبلية أي النصوص التي ستولد و تتشكّل في المستقبل. هكذا تختلف السوبر تأويلية عن التأويلية. السوبر تأويلية تحرر النص من النصوص الموجودة في الحاضر و الماضي و بذلك تحرر الناقد و الكاتب معاً من سجون المعتقدات و الأفكار و المناهج التقليدية. لكن التأويلية تُبقي النص سجين النصوص الأخرى الموجودة بالفعل في حاضرنا و ماضينا و بذلك تسجن المعاني في مضامينها الماضية و الحاضرة. على هذا الأساس , يتفوق السوبر تأويل على التأويل. بالإضافة إلى ذلك , يعاني كل من التأويل و التفسير من مشكلة قاتلة يتجنبها السوبر تأويل. بالنسبة إلى التأويل , الطريقة السليمة من أجل دراسة أي نص قائمة في فهم النص على ضوء نصوص أخرى. من هنا , إذا اعتمدنا التأويل لن نفهم النص الذي نريد فهمه بل سنفهم النصوص الأخرى التي على أساسها قرأنا النص الذي نرغب في دراسته. فمثلاً , إذا درسنا النص الديني فلسفياً أي على ضوء النصوص الفلسفية المتاحة لنا , حينها نكون قد درسنا تلك النصوص الفلسفية بدلاً من دراسة النص الديني. هكذا يفشل التأويل في إيصالنا إلى الفهم الحقيقي للنصوص. أما إذا درسنا النص من خلال أجزائه و سياقه فقط كما يفعل التفسير , فحينها نكون قد درسنا ظاهر كلام النص وما يعبّر عنه حرفياً ما يتضمن عدم دراستنا لما يقصد النص من وراء خطابه. هكذا يفشل التفسير أيضاً في فهم النص و مقاصده. لكن السوبر تأويلية تتجنب المشكلتين السابقتين ما يشير إلى تفوقها على التأويل و التفسير معاً. بما أن السوبر تأويلية تدرس النص من خلال نصوص قد تنشأ في المستقبل أو من خلال نصوص من الممكن أن توجد رغم عدم وجودها في الحاضر و الماضي , و بما أن تلك النصوص التي على ضوئها تدرس النص هي نتائج مستقبلية محتملة للنص الذي نريد دراسته, إذن حين تدرس السوبر تأويلية النص هي تدرس بالفعل النص ذاته الذي تريد دراسته بدلاً من أن تدرس نصوصاً أخرى مختلفة عنه كما يفعل التأويل. هذا لأن النصوص المستقبلية التي من خلالها يدرس السوبر تأويل النص هي نصوص يؤسسها النص نفسه الذي نرغب في دراسته. هكذا تتجنب السوبر تأويلية الوقوع في مشكلة التأويل ألا و هي دراسة نصوص أخرى مختلفة بدلاً من دراسة النص ذاته الذي نريد دراسته. السوبر تأويلية هي دراسة النص على أساس ما قد ينتج من نصوص في المستقبل ؛ فأي نص تتشكّل معانيه بشكل أوضح من خلال ما قد يبني من نصوص إضافية. السوبر تأويلية دراسة للمعاني الممكنة التي قد تولد في المستقبل , لكن السوبر تأويلية أيضاً هو دراسة النص ذاته الذي نريد دراسته لأن النصوص الأخرى التي نعتمد عليها من أجل فهم النص الذي نريد فهمه هي من صناعة النص نفسه الذي نرغب في فهمه. فقيمة أي عمل كامنة في نتائجه. من هنا , قيمة النص قائمة في قدرته على صياغة نصوص أخرى. لذا الدراسة السليمة لأي نص تتكوّن من دراسة النص على ضوء ما قد ينتج من نصوص في المستقبل تماماً كما يؤكد السوبر تأويل. من جهة أخرى , بما أن السوبر تأويلية تدرس النص من خلال ما قد يعنيه في المستقبل أي من خلال نصوص مستقبلية قد ينتجها , إذن لا تدرس السوبر تأويلية النص من خلال ظاهر كلام النص ومن خلال ما يعبّر عنه حرفياً بدلاً من دراسة مقاصد النص و ما وراء كلماته و عباراته , و بذلك تتجنب السوبر تأويلية مشكلة التفسير. على هذا الأساس , السوبر تأويلية هي المنهج الأفضل لفهم النصوص. جدل التفكيك و التحليل من الضروري أيضاً أن نميّز بين التفكيكية و السوبر تفكيكية. التفكيكية كما قدّمها دريدا هي منهج دراسة النص من خلال ما يملك من لامعقوليات. بالنسبة إلى دريدا , كل نص يعتمد في تكوينه على لامعقوليات معينة , و وظيفة النقد هي إظهار لامعقوليات النص. من هنا , النص يحتاج إلى تفكيك لتتضح اللامعقوليات التي يحتويها و على أساسها يتشكّل. لكن السوبر تفكيكية تختلف عن التفكيكية باختلاف شاسع. هذا لأن السوبر تفكيكية تهدف إلى إظهار كيف أن لامعقوليات النص قد تغدو معقوليات في المستقبل بينما التفكيكية تركز على إظهار لامعقوليات النص. بينما التفكيكية مقتنعة بأن أي نص لاعقلاني إلى درجة كبيرة , السوبر تفكيكية تصر على أن أي نص تتحوّل لامعقولياته الظاهرة إلى معقوليات في المستقبل. هكذا بالنسبة إلى السوبر تفكيك اللاعقلانية الظاهرة في النص قد تصبح عقلانية كامنة في المستقبل, و بذلك وظيفة النقد هي الكشف عن العقلانية المستقبلية التي يحتضنها النص. و بينما يجعل التفكيك كل النصوص فالبشر لا عقلانيين , يحافظ السوبر تفكيك على عقلانية النصوص و البشر من دون أن ينسى اللا عقلانية الظاهرة في كل نص و في كل فرد. و تتمكن السوبر تفكيكية من الجمع بين لاعقلانية الخطاب و عقلانيته لأنها تؤكد على أن اللاعقلانيات الظاهرة اليوم في أي نص قد تمسي عقلانيات المستقبل. العقلانية مفهوم نسبي يتغير من زمن إلى آخر. فما كنا نراه على أنه غير عقلاني في الماضي أصبح اليوم عقلانياً إلى أقصى درجة. فمثلاً , كانت البشرية تظن أن فكرة أن الأرض ليست هي محور الكون فكرة لا عقلانية , لكن هذه الفكرة اللاعقلانية أمست فكرة عقلانية مقبولة من قبل الجميع. هكذا تتحوّل اللاعقلانيات إلى عقلانيات, وبذلك لا بد من دراسة كيف تصبح لامعقوليات الماضي معقوليات المستقبل , و هذا ما تقوم به السوبر تفكيكية. بما أن المعتقدات اللاعقلانية في الماضي تغدو معتقدات عقلانية في المستقبل كما يرينا التاريخ البشري , إذن لاعقلانيات النصوص تصبح عقلانيات نصوص أخرى في المستقبل كما تقول السوبر تفكيكية بالضبط. من هنا , تكتسب السوبر تفكيكية مصداقية منهجية و معرفية كبرى. الآن , بما أن السوبر تأويلية هي دراسة النص من خلال النصوص التي قد تتكوّن في المستقبل , و بما أن السوبر تفكيكية تدرس النص على ضوء تحوّل لاعقلانياته في الحاضر و الماضي إلى عقلانيات في المستقبل , إذن تتصالح السوبر تأويلية و السوبر تفكيكية و تنصهران في منهج واحد يسعى إلى فهم خطاب حاضرنا و ماضينا من خلال ما قد ينشأ من خطاب في المستقبل. و هذا ما يميّز أيضاً بين السوبر تأويلية و السوبر تفكيكية من جهة و التأويل و التفكيك التقليديين من جهة أخرى. فالصراع لا ينتهي بين التأويل التقليدي و التفكيك التقليدي بينما لا يوجد صراع بين السوبر تأويل و السوبر تفكيك بل ثمة توافق و تزاوج ناجح بينهما. يهدف التأويل إلى إعادة بناء النص لكي يبدو عقلانياً على ضوء فهمه من خلال نصوص أخرى عقلانية. لكن التفكيك يهدف إلى الكشف عن لا عقلانيات النص و إظهارها علنياً بدلاً من إخفائها و إلباسها لباس العقلانية. من هنا , لا مفر من الصراع الدامي بين التأويل و التفكيك. لكن السوبر تأويل و السوبر تفكيك متفقان كما رأينا و بذلك يتم حلّ الخلاف بين التأويل و التفكيك. هكذا السوبر تأويلية و السوبر تفكيكية آليتان لحلّ الخلاف الفكري و المنهجي بين المذاهب الفلسفية و النقدية المختلفة, و في هذا فضيلة لهما. من الممكن أيضاً التمييز بين التحليل و السوبر تحليل. بينما التحليل يسعى إلى فهم النص , السوبر تحليل يهدف إلى فهم ما قد ينتج النص من نصوص مستقبلية. من هنا , تنصهر السوبر تحليلية أيضاً مع السوبر تأويلية و السوبر تفكيكية في حقل معرفي و منهجي موحّد. السوبر تحليلية لا ترى النص سوى في توالده في نصوص تنمو في المستقبل. و بذلك تشارك السوبر تحليلية في صناعة المستقبل بدلاً من أن ترضى بتحليل النص على ضوء حاضره و ماضيه. هكذا السوبر تحليلية تحررنا لتجعلنا كائنات مستقبلية بدلاً من أن تسجننا في قبور حاضرنا و ماضيه. من لا يستطيع قراءة حاضره و ماضيه في مرايا مستقبله لن يختبر الماضي و لا الحاضر و لا المستقبل . يحتاج كتاب " فيزيك " لحسن داوود إلى قراءة مستقبلية أوضحنا بعض سماتها في رحلتنا القصيرة هذه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل