المحتوى الرئيسى

أيمن حسن : الصحافة “واخده” الثوره لكارثة

05/25 17:53

تمر الشعوب عقب الثورات بفترة من ” فقدان الإتجاه المؤقت”، وضبابية الرؤية، وقلق المستقبل، ومحاولة الإجابة على سيل من الأسئلة المحيرة: ماذا سيحدث غدا؟ كيف يكون شكل الدولة ؟ ما هي المواصفات الواجب توافرها في الرئيس القادم ؟ كيف نضع دستورنا القادم ؟ من هو المؤهل لوضع هذا الدستور ؟ هل سينهض الإقتصاد وتتحسن ظروفنا الحياتية ؟ هل تتحقق التنمية أم لا ؟ هل نخطو للإمام  أم نعود للخلف ؟ كيف نختار من يمثلنا في مجلس الشعب ؟ هل تعود الحياة لطبيعتها ويستقر الأمن؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها كل مصري على نفسه الآن، والتي تؤكد الوصول إلى سؤال الهوية، أو ثقافة ما يعقب الثورة مباشرة، وهنا نطرح السؤال، هل واكبت الإعلام المصري هذا التحول ؟في محاولتي للرد على هذا التساؤل، قمت برصد اهتمامات مجموعة من الصحف المصرية ضمت ” الأهرام – الأخبار – الجمهورية – المصري اليوم – الشروق – الدستور – الوفد ” خلال أسبوع كامل، يبدأ من يوم السبت 23  أبريل، حتي يوم الخميس 28 أبريل 2011، مستخدما في ذلك فقرة عرض الصحف المصرية بصحيفة ” اليوم السابع” ووجدت ان هذه الصحف نشرت حوالي 283 خبرا.كان أول ما كشف عنه الرصد ان الصحف المصرية غرقت تماما في موضوعات وتغطيات ذات طبيعة ماضوية، سواء ما يتعلق منها بتغطية وقائع تحقيقات الفساد أو ما يحيط بالتحقيقات وظروفها والثروات التي نهبت، فقد نشرت هذه الصحف حوالي 213 خبرا ماضويا، أي ما يعادل  76 % من الأخبار، فيما أقتصرت الأخبار عن المستقبل على  70 خبرا، بنسبة 24 % ، فتصدرت أخبار مبارك ونجليه جمال وعلاء صحف عصر ما بعد الثورة، حتى وان كانوا في رداء السجن، فيما تركت الصحف عن عمد أو قلة حيلة فكرية، مرحلة المستقبل كاملة في غياهب الإشاعات والتخمينات، ومع تضاعف أرقام الثروات وحجم الفساد، والفترة الزمنية المتوقعة للمحاكمات وحتى إسترداد هذه الثروات، فربما تستمر هذه التغطيات الماضوية لفترة، تكفي لتنتهي الثورة إعلاميا في سجن طرة أو في خطبة عن غزوة الصناديق.وعن الموضوعات التي عالجتها هذه الأخبار خلال نفس الفترة، كشف الرصد أن الصحف المصرية، نشرت 148 خبرا عن الفساد والمحاكمات بنسبة 49 % ،  ونشرت 44 خبرا يتعلق ببناء مصر، كالإعداد للانتخابات والدستور وممر التنمية ومشاريع قوانين، وغيرها، وذلك بنسبة  14 % ، ونشرت الصحف 28 خبرا تتعلق بجماعة الأخوان المسلمون والجماعات السلفية بنسبة 9 % ، بينما نشرت 8 أخبار فقط عن شباب الثورة وهو ما يمثل 3 % فقط، وأخبار أخرى متنوعة بلغت 76 خبرا، بنسبة 25 % .أما المذهل فهو الفقر الشديد في إستطلاعات الرأي بالصحف، في وقت تموج فيه البلاد بالحراك نحو المستقبل، بنسبة استطلاع واحد أسبوعيا، وركز معظمها على الماضي دون المستقبل، فمؤسسة “الأهرام” العريقة، لا تزال تتساءل في قسم ” شارك برأيك ” على موقعها   ” هل تقبل العفو عن مبارك تحت أي ظروف؟ “، وكأن التحقيقات والحبس وأوراق القضايا، عبث ولعب بعقول المصريين وهو اخر ما نحتاجه في هذه الفترة المتوترة أصلا.ما تنشره الصحف المصرية من أخبار ومتابعات، يمثل كارثة وطنية بكل المقاييس، ففي الوقت الذي تعكف فيه مراكز الأبحاث والدراسات العالمية على دراسة الثورة المصرية، ومحاولة التنبؤ بما تؤول اليه الأحوال في مصر، ودراسة نفسية الشعب وتطلعاته المستقبلية، عكفت الصحف على النظر خلفها في بلاهة وسذاجة، من ” قميص السجن الأبيض” الى ” وقوف صفوت الشريف إماما لمحتجزي طره”، في الوقت الذي تستقبل فيه دوائر صناعة القرار والمؤتمرات أهم وجوه الثورة وأحد الداعين لها، وائل غنيم، ويطالب أوباما باختياره – سواء رأينا انه من حقه أم لا – رئيسا لمصر، تفرغت صحفنا للشيخ فلان والشيخ علان، وعلا شأن ” زيط ومعيط ونطاط الحيط” حتى تصدروا عناوين الصحف، ونسى رؤساء التحرير المصريين، إستطلاع راي الناس في مواصفات ومؤهلات شخصية ” لا شخص” رئيس الجمهورية، ومواصفات ومؤهلات شخصية ” لا شخص ” أعضاء مجلس الشعب القادم.نسيت الصحف رموز وحملة مصر المستقبل، ونسيت الشعب، فلم تستطلع رأيه في مشاريع ممر التنمية ولم تشرح للناس المقصود به، لم يشرح أحد للناس ان مصر كانت ولا تزال دولة مدنية مرجعيتها إسلامية، ولم ينقصها إلا ممارسة هذه المدنية من خلال الديمقراطية والعدل وسيادة القانون،  أهملنا رجل الشارع وتركناه في تخبط، بالغنا بصورة ” متوحشه ” في الحديث عن الفساد ونسينا أنه الظلام الذي اصاب الناس بالهلع، فأحطناهم به من جديد، ولم نفتح لهم باب الأمل للمستقبل.وانا أتساءل كيف نطالب الناس بالعودة للعمل وإدارة الإنتاج ونصف مصر تنتظر الأموال المنهوبه وكانها ستوزع عليهم غدا في طوابير، كيف نقضي على الفتن وقد دفعنا الناس دفعا إلى الإحباط، كيف نطالب الناس بعدم التظاهر ونحن نسينا أن نفتح معهم حوارا عن المستقبل، وهل قامت الثورة فقط للقبض على الفساد، أصيب الإعلام المصري بالذهول من حجم الفساد ولم يستطع الخروج من هذا النفق المظلم، فقاد الناس إلى هذا التيه وتركهم فيه محبطين، يائسين، لا يرون مستقبلا، نسي الإعلام ان يفتح حوارا حول المطالب الفئوية، وينقل هذه المطالب مكتوبة إلى المسؤولين، اليوم لا يكفي أن نطالب الناس بالعودة للعمل وهم يظنون ان الثورة انتهت وان حقوقهم ضاعت، اليوم يجب ان تصحب الصحف مسؤولي المجتمع المدني والخبراء والمسؤولين إلى كل مصنع في مصر، جلسة يوم واحد تفتح للعمال آفاق الأمل، بأن الصبر على مطالبهم عاما آخر، لا يعني ضياعها، وإنما إدارة عجلة الإنتاج وإعادة ترتيب الأوراق، وان المزيد من التوقف يعني ضياع مصر كلها، لكن الصحف للأسف تركت هؤلاء العمال في التيه وتفرغت بسطحية غريبة للحديث عن إعتصام هنا وإعتصام هناك، دون رؤية إستراتيجية للتغطية الصحفية.الإعلام اصاب الدنيا كلها بالذهول وهو يجري خلف تصريح من الشيخ فلان والشيخ علان، الذين لزموا بيوتهم حتى سقط مبارك، هؤلاء لم تصلهم الثورة بعد، لأنهم أول ما تنفسوا  كادوا يحروقنا ” بكاميليا وعبير، إرحمونا من هذا الهطل، نحن لم نقم بالثورة لننتهي إلى عبط، ومن يرد أن يغطي موضوع الطائفية فعليه الطرق على قلب الحقيقة، ومناقشة جذور الصراع السياسي بين البابا شنوده والرئيس المصري الأسبق أنور السادات، ويطرح الأسئلة الحيوية حول راي البابا في الدولة المدنية وحول مدى سلطة الكنيسة على الأقباط : هل هي روحية فقط أم روحية وسياسية، وهل هذه الرؤية تغيرت بعد الثورة أم لم تتغير، خاصة في ظل خروج أقباط مصر من الكنيسة إلى الميدان، ودلالات هذا التحول، وهل تحاول الكنيسة إستعادتهم إلى حظيرتها كأطفال، كما كان العهد دائما، وهل تدفع مصر ثمن هذه الرؤى والصراعات، وفي المقابل هل يدرك السلفيون أنهم يدعمون الكنيسة في هذا التوجه، حين يثيرون كل يوم مزاعم عن فتاة أسلمت أو هربت أو ضبطت، وحين يأخذ الطرفان القانون بأيديهم، فكلاهما يقوضون قوة القانون، والغريب ان نفاخر بان القانون يطال راس الدولة ولا يطال شيخ فتنة هنا أو قس فتنة هناك، وفلول النظام تتلقف كل هذا فتصعده، لكن في الحقيقة نحن من بدأ الخطأ.اليوم يجب ان يتصدر المستقبل وشباب الثورة والشعب المصري الصحف، لا يستطيع أي فصيل سياسي ان يفاخر بأنه صاحب الثورة، إلا إذا أستثنينا صراع البرادعي مع النظام السابق، وشباب الثورة الذي تلقف الرسالة، وآمن أن الأمور لم تعد تطاق وأن اللحظة حانت، حتى الأخوان الذين ظلوا 60 عاما في صراع مع السلطة، لم يصل خيالهم إلى الثورة، ولا أعتقد أن خيالهم يسمح لهم الآن بوضع مصر على أول طريق الدول الناهضة ديمقراطيا أو إقتصاديا، شباب الثورة فقط هو من يملك هذا الحلم وهذا المستقبل، وهو الوحيد المؤهل لهذا، وبجانبهم الشعب المصري، وأعتقد انه قد حان الوقت للتصريح بالإسم الذي منعهم خجلهم السياسي من الإعلان عنه، وهو ” مجلس قيادة ثورة ” ينتخبونه ويتم تقديمه للشعب بصراحه وبلا مواربه، ويتحدث باسم الثورة التي كثر المتحدثون المزيفون باسمها حتى الذين كمنوا في بيوتهم في إنتظار النتائج.كنت أتمني ان أقرأ تحقيقات موسعة عن التخطيط للثورة، عن كل يوم وكل تفصيلة، وكيف يعيشون الآن، وما هي طموحاتهم، كنت أتمني أن تصحبهم الصحف في جولات ميدانية بكل مدينة وقرية ونجع في مصر، نستمع للناس معهم ونتحدث عن المستقبل، ماذا يرى الناس في الثورة، وماذا يريدون للمستقبل، نمر على كل مصنع وحقل ومسجد وكنيسة، كل بيت في مصر، نغير مفاهيم الناس عن المستقبل عمليا.تكلموا مع الناس ودعوهم يتحدثون عن المستقبل، عن المشاريع القادمة، عن مليون فدان في السودان، عن وادي آخر للنيل، عن نقل 2 أو 3 مليون مصري الى سيناء، عن تمليك سيناء لأهلها، إسألوا أهل الصعيد عن شهداء طريق الصعيد، وهل يرغبون بإزدواجه أم لا ؟ اسالوا أهل القاهرة كيف نخلي القاهرة من نصف سكانها كحل أخير، إسألوهم كيف يرون الثورة وماذا يحلمون للمستقبل، اسألوهم عن شباب الثورة لديهم، عن شباب خالد سعيد و6 ابريل وحركة التغيير، وكفاية.صدعتمونا بعبارة ” الثورة لا تحمل عصا ذهبية “، وأنا اقول لكم ” بل تحمل عصا ذهبية مصرية ” إذا عرفنا كيف نوجه هذه العصا نحو المستقبل ونضعها على كتلة الذهب الوحيدة هي الشعب المصري، أما إذا بقيت الصحف في زنزانة طره، مع بقايا النظام فإنني أحذر من الكارثة.– صحفي و مراسل صحيفة ” سبق” السعودية بالقاهرةمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل