المحتوى الرئيسى
worldcup2018

من فضلك.. لا تذهب إلى التحرير يوم الجمعة 27 مايو

05/25 15:19

بقلم: د. ممدوح المنير ما يحدث الآن في مصر يثير الكثير من علامات الريبة والتشكك بأكثر مما يثير علامات الاندهاش والحيرة!، فلا يزال البعض منّا- وخاصةً من إخواننا الليبراليين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم، ودار في فلكهم- يحاولون بسوء نية لا تحتمل التأويل الانقضاض على الديمقراطية في أبسط معانيها، وهم الذين ما فتئوا يتشدقون بها ليل نهار، وصباح مساء، يلصقونها بهم التصاق القيد بالمعصم ويبرِّئون غيرهم منها براءة الذئب من دم يعقوب إن جاز التعبير!.   وهم بذلك يمارسون السياسة في أسوأ معانيها، سياسةً مجردةً من أي قيمة أخلاقية أو إنسانية عمادهم فيها الخداع والتضليل والكذب ثم الكذب ثم الكذب، حتى يعتقدوا أن الشعب قد انطلى عليه كذبهم، لكنهم في واقع الحال والمآل لا يصدقون إلا أنفسهم!.   وإذا سألتني عزيزي القارئ عن السبب وراء هذه المقدمة التي لا بد من منها في وجهة نظري، أقول إنك تعرف جيدًا أنه قد حصل جدل كبير ونقاش ضخم في مصر في الشهور الماضية عقب الثورة، حول طبيعة المرحلة الانتقالية والخطوات الواجب اتباعها لإعادة بناء الدولة المصرية من جديد والوقت اللازم لذلك، وانقسم الناس على أثرها فرقًا وشيعًا وأحزابًا، فبين مطالب بمجلس رئاسي مؤقت يدير البلاد، وآخر يطالب بانتخابات رئاسية قبل البرلمانية، وآخر يطالب بوضع دستور جديد أولاً، وآخر يطالب بانتخابات نيابية ثم وضع الدستور من لجنة تشكل من قبل المجالس النيابية ثم تجرى انتخابات الرئاسة في النهاية، وأمام تعدد الرؤى واختلاف وجهات النظر، لم يجد المجلس العسكري أمامه بديلاً سوى إجراء استفتاء شعبي على الشكل الذي يعتقد أنه الأصوب لإدارة المرحلة الانتقالية حسمًا للخلاف.   فإذا قبل به الناس فبها ونعمت، وإذا رفضه الناس اقترح غيره، وعرضه عليهم في استفتاء آخر، وهذا هو جوهر الديمقراطية أن تُحترم إرادة الأغلبية، وبالفعل تم الاستفتاء، واختار أكثر من 18 مليونًا من المصريين في سابقة غير مسبوقة في التاريخ في عدد المصوتين أن يقولوا "نعم" لإجراء الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم اختيار اللجنة المنوط بها تعديل الدستور من قبل مجلس الشعب، ثم وضع الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية في النهاية، واختار نحو 4 ملايين مواطن أن يقولوا "لا" على هذه التسلسل للمرحلة الانتقالية، وقلنا حينها إن هذا حقهم ووجهة نظرهم، وقلنا إن رفضهم للتعديلات أساسه حرصهم على سلامة الوطن من وجهة نظرهم، ولم نشكك في نواياهم، خاصةً أنه كان من بينهم عدد لا يستهان به من الشخصيات المحترمة والمعتبرة، أما وقد اختار الشعب المصري بأكثر من 77% أن يقولوا "نعم" على التسلسل الذي ذكرناه آنفًا، فكان لا بد أن يُحسم الخلاف، وتنزل الأقلية على رأي الأغلبية وننشغل بالبناء، وبوحدة الصف، بدل من الاختلاف والشقاق، خاصةً أن القضاء المصري النزيه لم يصدر ضد نتيجة الاستفتاء أي حكم يطعن في صحته، وهو نفسه القضاء الذي لم يهب أن يصدر آلاف الأحكام ببطلان الانتخابات في عهد مبارك مع الضغوط التي كانت تمارَس عليه.. أيفعلها إذًا في أجواء الحرية؟!   هذه النتيجة لم تعجب إخواننا الليبراليين وغيرهم، وحاولوا الالتفاف عليها بشتى الطرق، منها التشكيك في نزاهة الاستفتاء دون أن يقدموا دليلاً ماديًّا ملموسًا يقنع أي قاضٍ محترم بإصدار حكم ضده، ومنها أن من صوتوا بـ"نعم" قد تم الضحك عليهم؛ بحجة الحفاظ على المادة الثانية من الدستور من العبث، وهؤلاء بدعواهم هذه يشككون في عقل وتفكير جموع الشعب المصري الذي أزال مبارك ونظامه.   آخر حيلهم للانقضاض على الديمقراطية هي الدعوى إلى مليونية يوم الجمعة القادمة (27 مايو) تحت مسمى الثورة المصرية الثانية!!، وهم بهذه التسمية الخبيثة يهدفون إلى هدم كل ما سبق، وخاصةً الاستفتاء، فكلمة (الثورة الثانية) تعني التأسيس لشرعية جديدة تهدم كل ما سبق وتؤسس لشرعية جديدة، وهذه حيلة تدلِّل على أن أصحاب هذه الدعوة يحاولون خداع الشعب المصري للتنصُّل من حكم الأغلبية الذي صدر بنتيجة الاستفتاء، بل وينقلبون على الثورة المصرية التي لا تزال مستمرة.   فالمطالب التي يدعو لها هؤلاء للتظاهر يوم الجمعة (27/5) هي: 1- مجلس رئاسي مدني لتنفيذ أهداف الثورة كاملةً مع جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد. 2- تطهير الشرطة من قيادات الفساد وإعادة الأمن والأمان لمصرنا الحبيبة. 3- تطهير القضاء، لضمان تطبيق العدالة الناجزة. 4- تطهير المحليات وانتخاب المحافظين. 5- تطهير الإعلام بكل وسائله، فلا تقدم ولا حريات في بلد يرأس إعلامه فاسدون. 6- الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين من يوم 25 يناير وما قبلها والإفراج عن ضباط 8 أبريل الأحرار. 7- محاكمة كل الفاسدين والمفسدين، وعلى رأسهم المخلوع مبارك. 8- استرجاع كل أموال الشعب المنهوبة، ومحاكمة كل من شارك، أو ساهم، أو تواطأ في نهب ثروات البلاد).   هذه المطالب كما تلاحظ جميلة وممتازة، ومن السهل على الكثيرين من الشعب المصري التعاطي معها، وكل مطلب منها يعدُّ مبررًا للنزول للشارع، هذا هو العسل الذين يريدون خداع الناس به، أما السم فهو المطلب الأول الذي ينقضُّ على نتيجة الاستفتاء، ويلغيها تمامًا، وبالتالي يلغي إرادة 18 مليون مصري، فالمجلس الرئاسي، والجمعية التأسيسية والدستور الجديد الذين يطالبون به الآن وفورًا؛ قد أعلن غالبية الشعب رفضه لهذا الطرح.   لذلك الخدعة سوف تكون كالآتي: دعوات للنزول يوم الجمعة القادمة لميدان التحرير، وسينزل الكثير من الناس بحسن نية، وقد يكونون رافضين تمامًا لمبدأ وضع دستور الآن أو فكرة المجلس الرئاسي، ولكنهم خرجوا من أجل تطهير الشرطة والقضاء والإفراج عن المعتقلين، لكن مع سيطرة الليبراليين على وسائل الإعلام سوف يكون هناك حرص على نقل الحدث وتسليط الضوء على أنهم خرجوا من أجل تشكيل جمعية تأسيسية ووضع دستور جديد الآن في انقضاض على نتيجة الاستفتاء، ويضغطون بالتالي على المجلس العسكري مع وضعه في الحرج، خاصةً مع الأزمات الأمنية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وبالتالي نجد رجلاً مثل يحيى الجمل وشركاه؛ هم الذين يشكلون لجنة تأسيس الدستور، ومن ثم وضع دستور جديد على هواهم، ويتمشى مع مرجعيتهم الليبرالية العلمانية بمعزل عن الشعب الذين يخشون أن يأتي بالإسلاميين للمجلس الشعب، وبالتالي تكون لهم الكلمة الأولى في تشكيل لجنة وضع الدستور وبالتالي وضع دستور تكون مرجعيته الشريعة الإسلامية.   هذه هي اللعبة السياسية التي تجري في مصر الآن.. ليبراليون وعلمانيون لا يملكون أيديولوجيا مقنعة للشعب أو برنامجًا نهضويًّا معتبرًا، ولكنهم يملكون التمويل والدعم الخارجي الكبير- الإدارة الأمريكية أعلنت دعم (التحول للديمقراطية!!) في مصر بـ250 مليون دولار- مع السيطرة شبه المطلقة على وسائل الإعلام، ودون رصيد شعبي يذكر لهم، في المقابل إسلاميون وفي مقدمتهم الإخوان لا يملكون مصادر التمويل الضخمة التي عندهم إلا من جيوبهم ولا يسيطرون تقريبًا على أي وسيلة إعلامية، ولكن أيديولوجيتهم الشعب المصري، يحبها ويتعاطى معها؛ لأنه متدين بطبعه، لذلك ليس أمام يحيى الجمل وأعوانه سوى تمرير دستور على هواهم بمعزل عن غالبية الشعب المصري.   هذا هو المشكل في الموضوع، أما الكارثي فإن هؤلاء الذين ينقضُّون على نتيجة الاستفتاء يزرعون- بقصد أو بغير قصد- بذور الفتنة التي تهدم ولا تبني ويهدمون أبسط معاني الديمقراطية التي تستند إلى الاحتكام إلى رأي الأغلبية.   أدرك أن هناك من الشرفاء من سينزل يوم الجمعة، ولم يفكر في الموضوع بالشكل الذي طرحته، إما لأنه لم تصله الفكرة، أو لعدم اقتناعه بها، وهذا حقه الذي لا تثريب عليه، لكن أخشى ما أخشاه أن يتم استخدام هؤلاء في إظهار الصورة إعلاميًّا على عكس ما يريدون، فيصبحون مفعولاً بهم وليسوا فاعلين، اللهم قد بلغت؟! اللهم فاشهد.   --------- * كاتب وباحث سياسي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل