المحتوى الرئيسى

مصير الفاسدين.. بين عدل القضاء ورحمة العلماء

05/25 13:38

بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان أبرز ملامح أي نظامٍ ديمقراطي هو سيادة القانون، وإقامة العدل بين كل المواطنين، على قدم المساواة، وهي أساس مشروعية الحكم وسند بقاء الدولة نفسها، والحقيقة أن البشرية لم تعرف القانون العادل الذي يقيم المساواة بين الناس إلا عندما نزلت الشرائع السماوية.. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (الحديد: من الآية 25)، والمساواة في الحقوق والواجبات مَعْلَم مهم من معالم الدولة الديمقراطية، والإسلام يكفل هذه المساواة بين كل مَن ينتمي لمجتمع المسلمين.   أما المساواة أمام القانون والخضوع لأحكام القضاء من جانب كل المواطنين، حكامًا ومحكومين، مؤمنين وكافرين، طائعين وعصاة، فهو ما يفخر به المسلمون في تاريخهم وعصورهم الزاهرة؛ فها هو الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم يقرر: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".   ويغضب أشد الغضب عندما يشفع لديه حبيبه وابن حبيبه أسامة بن زيد في امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت لكي يعفيها من قطع يدها كعقوبةٍ مقررة.. فيقول صلى الله عليه وسلم: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (رواه البخاري).   ويشهد تاريخ الإسلام وقائع عديدة تطبيقية لهذا المبدأ المهم والخطير، منها ما سطَّره التاريخ بأحرفٍ من نور كيف قضى القاضي (شريح) لليهودي ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في درعٍ مسروقة، كما تدل الوقائع على غضب علي بن أبي طالب نفسه في مجلس القضاء عندما خاطبه القاضي بلقب أبي الحسن بينما نادى غريمه باسمه المجرد.   والأمم تبقى وتزدهر بدوام العدل وسيادة القانون، والأمم تندثر وتُمحى وتنهزم عندما يسود الظلم والفساد؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين.   وعندما جاء الإسلام جاء ليقرر قاعدةً أصوليةً أصَّلتها كل الشرائع السماوية التي نزلت من عند الله تعالى؛ هي "حاكمية الشريعة الإلهية"، وتستمد الشريعة السماوية الإسلامية قدسيتها في أن مبادئها العامة وأصولها المستقرة وبعض أحكامها التفصيلية هي من عند الله تعالى، وليس للبشر فيها إلا الاجتهاد في الفهم والاجتهاد في التطبيق.   وهذا المبدأ يجعل الجميع خاضعًا لها خضوعًا تامًّا، فلا ينفك أحد- مهما كان- عن تطبيق الشريعة الإسلامية، لا حاكمًا ولا محكومًا، لا مشرِّعًا وضعيًّا أي عضوًا في مجلس الشعب أو قاضيًا أو فقيهًا شرعيًّا أو حقوقيًّا، ولا مواطنًا عاديًّا، ولا مواطنًا يتمتع بأي درجة من الامتياز، فلا حصانات أمام الشريعة الإسلامية الإلهية.   ويكفي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لهذه القاعدة عندما طالبه أحد الصحابة بالقصاص منه؛ لأنه آلمه عندما ضربه في بطنه فآذاه، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن كشف عن بطنه الشريف ليقتص منه الصحابي الجليل في ساحة الميدان قبل النزول للمعركة، فما كان من الصحابي إلا أن قبّل بطن النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "إنني أقبل على الموت وأردت أن يكون آخر عهدي بالدنيا أن أمسَّ جسد النبي الشريف صلى الله عليه وسلم".   ولكنه طبّق القاعدة العظيمة في أن القصاص حقٌّ مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما قرره النبي صلوات الله وسلامه عليه نفسه في آخر حياته عندما خطب في الناس يدعوهم لأخذ حقوقهم من قبل أن يلقى ربه في حديث طويل يخاطبهم فيه: "من كنت أخذت منه مالاً فهذا مالي يأخذ منه ما شاء، ومن كنت اقتدت منه فهذا حقه فليقتد منه.." إلخ الحديث الطويل المشهور.   إن إقامة دولة الحق والعدل وسيادة القانون حيث يخضع كل المواطنين لأحكام الدستور والقانون هي مبدأ إسلامي أصيل، ولم يحدث الانحراف في تاريخنا إلا حديثًا في عهود الظلم والاستبداد، عندما تخلَّت الأمة عن تطبيق الشريعة الإسلامية كمبدأ أصيل، واستبدلت بها قوانين أخرى ليست لها نفس القدسية والمكانة في نفوس الشعوب، وبدأ الهوى يتدخل في صياغة الدساتير التي تتغير حسب مقاس الحكام وفي سَنِّ القوانين التي تصدر بهوى الحاكم أو وفقًا لمصالح النخب المسيطرة وليس لصالح المجموع العام، وفي تشكيل الهيئة التشريعية المنتخبة لصياغة القانون، فإذا بها لا تمثل إرادة الشعب ولا تدافع عن مصالحه، بل وصلنا للتحالف المشبوه الخطير بين السلطة والثروة؛ ما أدى إلى إهدار مبدأ المشروعية نفسه، وانهارت دولة الحق والعدل، ولم يعُد هناك سيادة للقانون في البلاد الإسلامية، بل سادت مقولات: "أنا القانون" يطلقها كل حاكم مستبدّ ظالم، والناس في صمت؛ خوفًا ورهبةً، ومَن يعارض فمصيره القتل أو النفي أو السجن!.   الديمقراطية الحقيقية تعني إعلاء شأن القانون العام فوق رأس الجميع، بمَن فيهم من الحكام وأصحاب الثروة، وإعلاء مبدأ سيادة القانون يعني بالتالي تقرير أهم حقوق المواطنة، وهو المساواة أمام القانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، فلا فضل لأحد على أحد، ولا ميزة لمواطن في الدولة على مواطن آخر، لا بسبب الدين ولا الجنس ولا اللون ولا الثروة ولا المكانة، فالجميع أمام القانون سواء.   وسلوك عدم المساواة في تطبيق القانون لو تم تعميمه في التعامل مع أعمدة النظام الفاسد بحجة كبر السن أو المرض أو تقديم خدمة وطنية للوطن أو التنازل عن المال المنهوب من قوت الشعب سيقوم آخرون بتقليدهم في ارتكاب جرائم الفساد مقابل عمل مصالحة لا ندري هل هي منصفة أم لا؟!   ----------- * موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية- أسوان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل