المحتوى الرئيسى

أيها المهمَّشون.. إذا بُليتم فاستتروا

05/25 12:55

بقلم: قطب العربي الآن حصحص الحق، وعرفنا من هم أنصار الديمقراطية ومن هم أدعياؤها وأعداؤها، فمعظم الذين صدَّعوا رءوسنا على مدى عقود ترويجًا ودفاعًا واستبسالاً عن الديمقراطية لم يكونوا صادقين في دعواهم إلا من رحم ربي، وقليل ما هم، غالبية أدعياء الديمقراطية من ليبراليين ويساريين وقوميين سقطوا في أول اختبار عملي للديمقراطية، وذلك برفضهم لإرادة الأغلبية التي تجسَّدت في الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم 19 مارس الماضي، بعد أن جاءت على غير هواهم، وأظهرت حجمهم الحقيقي في الشارع، رغم امتلاكهم ناصية معظم الفضائيات والصحف والإذاعات.   هذه هي الفضيحة الثانية للديمقراطيين العرب التي رسبوا فيها في الاختبار الديمقراطي بعد فضيحة الجزائر مطلع التسعينيات، وهم الذين ما فتئوا يتهمون خصومهم الإسلاميين على مدى عقود بأنهم أعداء الديمقراطية، وأنهم في أحسن الأحوال أنصار ديمقراطية المرة الواحدة، وإذ بهؤلاء الليبراليين واليساريين لم يحتلموا حتى ديمقراطية المرة الأولى، فهاجوا وماجوا، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها حتى الآن، مطالبين بإهدار إرادة الأغلبية التي صوَّتت بـ"نعم" على التعديلات الدستورية؛ لأنها أغلبية جاهلة وقاصرة، ومن بقايا النظام البائد!!، ومطالبين بتجاهل التعديلات الدستورية والمسارعة إلى إعداد دستور جديد قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية، من خلال جمعية تأسيسية- طبعًا- لا بد أن تكون من رموزهم هم، وإلا فإنها ستصبح أيضًا جمعيةً زائفةً وجاهلةً وحقيرةً، ولا تعرف مصلحة الشعب، والمقصود بالشعب دائمًا ليس شعب مصر، من أسوان إلى الإسكندرية، ومن العريش حتى السلوم، ولكنه فقط هذه المجموعة القليلة والتي لو استثنينا نسبة الأقباط منها لما وصلت إلى 10% من الشعب على أقصى تقدير، وكان من المفترض بهم بعد أن همَّشهم الشعب أن يستتروا.   في الجزائر وعندما أظهرت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات النيابية مطلع العام 1992 تقدمًا كبيرًا للجبهة الإسلامية للإنقاذ تحركت كتائب العلمانيين (ويسمون في الجزائر اللائكيين)، سواء المثقفون المدنيون أو العسكريون؛ لوأد النتيجة في مهدها، وقام العسكر مدعومين بالمثقفين العلمانيين بإلغاء نتيجة الانتخابات، وفرض سيطرة الجيش على البلاد، وحل الجبهة الإسلامية،  ودخلت الجزائر في عشرية سوداء استمرت حتى العام 2002م تقريبًا، قتل خلالها آلاف  الجزائريين، سواء المدنيون أو رجال الشرطة أو الجيش، ولم تتوقف هذه الدماء إلا بعد أن اقتنعت السلطة بإجراء مصالحات مع الجماعات المسلَّحة، وإن كانت الآثار الاقتصادية والاجتماعية لتلك الفترة لم تندمل بعد.   الذين يتحركون الآن في مصر على شاكلة نظرائهم في الجزائر سيُدخلون مصر في سنوات عجاف لا يعرف إلا الله مداها ونهايتها، ولن تكون آثارها السيئة مقتصرةً على الإسلاميين الذين هم الهدف الآن، بل ستمتد الآثار حتمًا إلى جميع قوى ومكونات المجتمع، وقد يكون الإسلاميون هم الأقل تضررا؛ لأنهم ببساطة سيعودون إلى وضعهم الذي تعايشوا معه لعقود طويلة، بينما غيرهم سيعاني لأنه لم يعتَدْ أجواء الكبت والقهر التي ستكون مصاحبةً لحكم عسكري كامل لمصر وفرض للأحكام العرفية ولحظر التجول والمراقبة والاعتقال، والمصادرة، ولن يقبل الشعب أن يتم حشره في هذه الزاوية على أيدي هذه الأقلية المتمردة!.   لقد وقفت هذه المجموعات المصرية مؤيدةً لانقلاب عسكر الجزائر وعلمانييها على الديمقراطية في ذلك الوقت، وراحوا يكيلون التهم للضحية وهي جبهة الإنقاذ الإسلامية التي حرمت من العمل السياسي حتى الآن، ولم نرَ لهذه القوى الليبرالية موقفًا حادًّا من المحاكمات العسكرية التي تعرض لها الإخوان منذ منتصف التسعينيات، كما وقفت صامتةً بل شامتةً حين تمَّ تجميد حزب العمل ووقف صحيفته "الشعب" عن الصدور في مايو 2000 (مع استثناءات قليلة).   تسارع هذه القوى اليوم خطواتها، وتسابق الزمن، لنسف التطور الديمقراطي الطبيعي الذي حددته التعديلات الدستورية التي أقرها الشعب بأغلبية 78%، وتريد هذه القوى بدلاً من ذلك تنصيب مجالس وهمية من صنعها، مثل تلك التي أعلن عنها ممدوح حمزة ومحمد فايق يوم أمس (ما يسمى المجلس الوطني لحماية الثورة)، والذي كان من المفترض أن يضم مائة شخصية لكن الخلافات والتنازع على العضوية حال دون إعلان القائمة النهائية.   وإلى جانب هذا المجلس غير الشرعي لم تتوقف محاولات تشكيل هيئات أخرى لصياغة الدستور قبل الانتخابات البرلمانية، سواء لجان تهاني الجبالي أو يحيى الجمل، منتزعة اختصاص اللجنة التي سيتم انتخابها بطريق ديمقراطي لوضع الدستور عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية.   الأنكى من كل ما سبق هو محاولة التهديد بالشارع عبر التظاهر والاعتصام وليس عبر صندوق الانتخابات لفرض رؤى هذه الأقلية؛ حيث دعا تحالف ما يسمى بالقوى الثورية المكون من 51 ائتلافًا وحركة إلى الخروج يوم الجمعة المقبل للمطالبة بتشكيل مجلس رئاسي مدني، وعدم إجراء أي انتخابات قبل وضع دستور جديد، هكذا بكل بجاحة متجاهلين إرادة 78% من الشعب المصري، لكنهم يغفلون أن الشعب الذي خرج في ثورة 25 يناير متحديًا الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز وحتى الطائرات لن يقبل أن يسلب أحد إرادته، وأنه سيدافع عن هذه الإرادة بكل قوة، وأنه في مقابل كل ألف شخص يخرج متمردًا على هذه الإرادة سيخرج 5 آلاف مدافعين عنها، ومقابل كل مليون سيخرج خمسة ملايين أو يزيد، لكن الأغلبية لا تزال حتى اللحظة تتعامل بعقلانية شديدة مع الموقف، وترفض إدخال مصر في دوامة المظاهرات المتعارضة التي تصل بنا إلى الفوضى في النهاية، ولأنها أيضًا تعرف أن هذه النتيجة وهي الفوضى التي تجر إلى فرض الحكم العسكري الدائم هي هدف هذه الأقلية المتمردة بعد أن فقدت الأمل في الحصول على تمثيل نيابي مشرف عبر انتخابات حرة في سبتمبر المقبل.   ومما يزيد التفاؤل بفشل مخططات هذه الأقلية المتمردة أيضًا هو إدراك المجلس العسكري لمقاصدها وأجندتها، وتأكيد احترامه لنتيجة الاستفتاء، وتأكيده إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في سبتمبر، وكذا تأكيده تسليم السلطة لمدنيين بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، وهو موقف نبيل يندر أن نجد له مثيلاً في أي حالات مشابهة إقليميًّا ودوليًّا، ونتمنَّى من المجلس أن يحافظ على هذا التعهد حتى النهاية ولا ينجرَّ إلى معارك وهمية يفرضها هؤلاء المهمشون مستعينين بعشرات القنوات والإذاعات والصحف والمؤتمرات؛ لأن كل هذه الأدوات ستنهار تلقائيًّا أمام تدفق الجماهير إلى صناديق الاقتراع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل