المحتوى الرئيسى

طقوس تجهيز كفن الثورة

05/25 08:29

المؤكد أن الاقتصاد المصرى يمر بأزمة كبيرة، وهى أزمة متوقعة بعد ثورة شعبية جارفة اقتلعت نظاماً من أعتى الأنظمة الأمنية الفاسدة، وتعطلت خلالها معظم قوى الإنتاج وحركة النقل، ولكن المؤكد أيضاً أن أزمة الاقتصاد لم تصل أبداً إلى «مرحلة الخطر» التى أعلن عنها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والمؤكد ثالثاً أنه لا يوجد أدنى مبرر سياسى أو اقتصادى بعد الثورة يدفع الدكتور سمير رضوان، وزير المالية، إلى هذا اللهاث غير المحسوب خلف صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للإنشاء والتعمير بحثاً عن حفنة مليارات ترتبط دائماً ببرنامج شديد السوء يؤدى حتماً إلى مزيد من إفقار الغالبية العظمى من المواطنين ويدفع بالبلاد التى تخضع لروشتة الصندوق والبنك إلى مزيد من الاضطراب والفوضى. لقد استند وزير المالية فى سعيه خلف الصندوق والبنك إلى فزاعة الأرقام الاقتصادية التى تثير الخوف والهلع فى قلوب المواطنين، ناسياً أن النظام المخلوع أتخمنا طيلة ثلاثين عاماً بأرقام وإحصائيات رفعتنا أحياناً إلى تخوم أحلام الرخاء، وهوت بنا أحياناً أخرى إلى حضيض الخوف والذعر من الحاضر والمستقبل، وفى الحالين اكتشفنا أن لصوص الثروات وبارونات الأسواق يزدادون غنى مع ارتفاع معدلات النمو ومع انخفاضها أيضاً، وأن 90٪ من المواطنين عانوا من توحش الأسعار والبطالة وانهيار الخدمات والإفقار المتواصل فى سنوات ارتفاع معدلات النمو إلى 7٪، ربما أكثر مما عانوا خلال سنوات وقوف معدلات النمو عند 3٪ فقط. وينسى الدكتور سمير رضوان أن عجز موازنة 2011/2012 الذى وصل إلى حوالى 10٪ ودفعه إلى الحديث المركز والمخيف عن كارثة اقتصادية وشيكة، هو ذاته العجز الذى تعانى منه الموازنة الأمريكية الجديدة، ورغم ذلك لا يجرؤ مسؤول أمريكى على سك عبارات مخيفة مثل حافة الخطر والإفلاس الوشيك وثورة الجياع المقبلة، لأن هذه الأوصاف فى حد ذاتها تكفى وتزيد لتخريب اقتصاد بلد مستقر، فكيف يستخدمها وزير مالية بلد خارج من جراحة ثورية ضخمة، ويمر الآن بمرحلة النقاهة؟! والمريب حقاً أن عجز الموازنة العامة للدولة وصل خلال بعض سنوات حكم مبارك إلى حوالى 20٪، وآنذاك كان الدكتور سمير رضوان، خبيراً اقتصادياً مرموقاً، على صلة وثيقة بأجهزة الحكم ووسائل الإعلام والمنتديات الاقتصادية والمالية، ولا أتذكر أبداً أنه استخدم مثل هذه الأوصاف المخيفة فى حديثه عن الاقتصاد فى عهد مبارك، كما لا أتذكر أيضاً أن خبيراً اقتصادياً واحداً اعتراه الهلع لمجرد أن معدلات النمو فى أى من بلدان العالم قد انخفضت إلى 2.6٪، فقد انهارت معدلات النمو إلى أقل من ذلك، بل قاربت الصفر فى بعض الدول بعد الأزمة المالية العالمية فى فبراير 2008، ولم يحدث أن انهار اقتصاد دولة واحدة من دول الجنوب الفقير، بل كاد الانهيار يحدث فى أكثر من دولة من دول الشمال الغنى. لماذا إذن كل هذا التهويل فى وصف أزمة الاقتصاد المصرى؟ ولمصلحة من هذا اللهاث خلف عدو لدود كانت قروضه وشروطه وبرامج إصلاحه هى السبب الرئيسى فى إفقار غالبية المواطنين، وفى إثراء حفنة لصوص؟ أغلب الظن أن هذا التهويل لا علاقة له بالاقتصاد، وأن أسبابه الحقيقية يمكن العثور عليها فى حقل السياسة الذى يحتشد الآن بأجندات وتحركات غامضة لا تريد لهذه الثورة العظيمة أن تكتمل أبداً، ولابد لهذه التحركات المريبة من ساتر كثيف من أحاديث الإفلاس والمجاعة وتراجع السياحة وطلب المعونات واستجداء القروض، وهو ساتر كفيل بإلهائنا عما يحدث وكف أبصارنا عن رؤية أصحاب المصالح المحلية والإقليمية وهم يضعون الثورة فى قفص حديدى تختنق فيه تدريجياً وتتحول إلى جثة هامدة على مسرح الاقتصاد المنهار.. وعندئذ سنسارع من تلقاء أنفسنا إلى المساعدة فى دفن جثة الثورة.. والعودة إلى حيث كنا.. وربما إلى أسوأ مما كنا! elbrghoty@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل