المحتوى الرئيسى

الهمة في طلب العلم بقلم:المحامي الدكتور مسلم اليوسف

05/25 21:22

الهمة في طلب العلم في ضوء القرآن الكريم بقلم المحامي الدكتور مسلم اليوسف abokotaiba@hotmail.com بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا ِِإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ( سورة آل عمران: 102) { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ( سورة النساء: 1) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } ( سورة الأحزاب:70،71 ) أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله تعال ى، وخير الهدى هدي محمد –صلى الله عليه وسلم -، وإن شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . فهذا مبحث مبسط بينت فيه الهمة في طلب العلم في ضوء القرآن الكريم أتمنى على طلاب العلم و طلاب الهمة الاستفادة منه . و الله الموفق مسلم اليوسف حلب 1-1- 2011م العلم هو من أهم المجالات التي يجب على أصحاب الهمم العالية أن يمتازوا فيه ، لهذا نجد أن كثيراً من نصوص القرآن الكريم تحث على طلب العلم و الاشتغال به ، وكذلك نجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً دائماً على أن يكون هو ، و أصحابه من أوائل من سلكوا طريق العلم ، لهذا فإننا إذا أردنا أن نطلع على أحوال العلماء في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أو من أتوا بعده ، فإننا ما نجدهم إلا أصحاب عزائم خارقة ، و همماً سامقة ، فقد احتلوا ذروة الفضل ، و المجد و ارتقاء سنام العلم و المكانة الرفيعة و حيازة الذكر العطر الدائم ، و الأجر الباقي المستمر ، و غير ذلك من الفضائل و المآثر ، و أصحاب تلك العزائم تميزوا في علو الهمة ، و دأب العزيمة ، و تجشم الصعاب ، و امتطاء العقبات ، فاستحقوا الفوز بالجنان ، فما كان فوزهم بما فازوا به ، بل إن بلوغهم ما بلغوه ، و فوزهم بما نالوه إنما يعتمد على علو الهمة ، و مضاء العزيمة و تزايد الصبر و الدأب حتى إدراك الأمنية و الطلب . لما كان العلم باب الدنيا ، و مفتاح الآخرة كان لزاماً علينا أن نعرف هذه الماهية ، و أن نقف على هذه الحقيقة . مفهوم العلم : العلم في حقيقته : هو عبارة عن صفة مثالية تقال على كل خير أو تقرير أو مقولة أو وصف ينطبق على واقع الأحداث ، و الأشياء و تصورها تصويراً حقاً قاطعاً يقيناً لا شك فيه و لا ريب ، و كل صفة بهذا النعت يقال لها علماً باشتراك في الاسم ، مهما كان مصدرها إلهياً سماوياً أو بشرياً ، و لكن القرآن الكريم بعد ذلك يميز بين علم الله و هو الأصل و بين علوم الملائكة و الأنبياء و سائر البشر ، و هو فرع مشتق من علم الله تعالى ( ). و عرف الأصفهاني العلم بأنه : ( إدراك الشيء بحقيقته ) ( ). و قال المناوي : ( العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع أو هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض أو هو حصول صورة الشيء في العقل ) ( ). العلم في الاصطلاح القرآني : إن شمول العلم لكل ما يدرك بحقيقته من جهة ، و مرونته للدلالات المجازية من جهة أخرى يجعل منه لفظاً واسع الدلالة . أما في القرآن الكريم الذي يمثل الدستور الشامل للبشرية ، و الذي اعتنى بالعلم عناية كبيرة ، فلابد أن يكون لهذا اللفظ عناية خاصة أيضاً ، و قد ذكر أن للعلم أحد عشر وجهاً في القرآن الكريم ، مختلفٌ فيها عند علماء التفسير ، هذه الوجوه هي : العلم ، و الرؤية ، و الإذن ، و القرآن ، و الكتاب ، و الرسول ، و الفقه ، و العقل ، و التمييز ، و الفضل ، و ما يعده أربابه علماً و إن لم يكن علماً . و هذه الوجوه و إن لم يكن مسلماً بها إلا أنها تشير إلى علاقة قوية تربطها بالعلم ، بحيث اعتقد دلالته عليها دون غيرها ، فالقرآن الكريم و الرسول -  - والعقل و الفقه لا تبعد أي منها في أصلها ، و حقيقتها عن حقيقة العلم ، فالقرآن يجمع مختلف العلوم و أهمها ، و الرسول -  - هو من نزل عليه القرآن الكريم الذي يوصل إلى مختلف العلوم ، فكان عالماً به ، و علمه الناس ، و هكذا الحال في بقية الوجوه المذكورة ، و التعبير عنها بالعلم يمكن أن يعد من باب المجاز ، و عموماً ، فإن الأمر في تأويلاتها بين المفسرين على غير اتفاق ( ). الهمة في طلب العلم : أكد القرآن أهمية العلم و المعرفة ، فالعلم هو عماد المجتمع ، و الركن الأساسي في تحقيق النهضة و الرقي بين أفراد المجتمع ، فالحاجة إلى العلم ملازمة للإنسان والإنسانية ، و العلم أساس الحضارة ( ) ، و قوام الحياة الإنسان المعنوية و المادية ، والأخروية و الدنيوية( )، و العلم يُعد داعياً للإيمان و العمل لاسيما العلم الذي ينبثق من تعاليم الإسلام المستمد من وحي القرآن و السنة ؛ لأن الإسلام هو دين العلم ، والقرآن كتاب علم ، و أكبر دليل على ذلك أن أول ما نزل على محمد -  - من القرآن الكريم قوله تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) . إن هذه الآيات هي أول توجيه رباني إلى سيدنا محمد -  - في بداية دعوته ، و هي أول منة إلهية له ، و لأمته يهديهم بها إلى ما فيه الخير ، و الصلاح في الدنيا ؛ والآخرة . في هذه البيان الإلهي أمر للنبي الأمي بالقراءة ، فقد وجه الخطاب له صلى الله عليه وسلم ، و فيها إبراز للمعجزة أكثر ، لأن الأمي بالأمس صار معلماً اليوم . أما قوله تعالى المبين أعلاه ، فهي دلالة على النبوة و الرسالة ، و الذي علم بالقلم ، و ذلك ؛ لأن من يُعلم الأمي بالقلم ، يعلم غيره بدون قلم بجامع التعليم بعد الأمية ، فالقادر على هذا قادر على غير ذلك ، و الله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، و كل ما تعلمه الإنسان ، فهو من الله تعالى ( )، فيا أصحاب الهمم العالية لا تتقاعسوا عن العلم و طلبه ، و لا تتكاسلوا عن إيصال كل ما هو مفيد إلى غيركم ، واسعوا ليل نهار في الارتقاء بهذه الأمة لتكون أمة متعلمة ، و ليذكر كل من جعل العلم نبراسه في الدنيا أن يعي حقيقة ثابتة هي أن الله هو المنعم على العبد ، فهو الذي رزقه حسن الفهم ، و حب العلم ، و هو المنعم بأن يَسَر للإنسان من يعلمه و يُحسن تأديبه ، فالمنة و الشكر و الفضل للرحمن . و قد ذكر الرازي في تفسيره في وجه التناسب بين الآية المذكورة في صدر هذه السورة التي قد اشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق ، و في بعضها تعليمه ما لم يعلم ، ليحصل النظم البديع في ترتيب آياته إنه تعالى ذكر أول حال الإنسان ، و هو كونه علقة ، مع أنه أخس الأشياء ، و آخر حالة ، فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف ، و هذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف ، لكان ذلك الشيء في هذا المقام ( ) . العلم مفتاح الحضارة ، و باب كنوزها ، و وسيلة بنائها ، و برهان قولنا هو أول ما نزل من وحي السماء على قلب نبينا محمد -  - ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) . فما من حضارة في التاريخ ، كانت أبجديتها الأولى ( أقرأ ) سوى حضارة الإسلام ، التي أجلت العلم ، و ذكرت وسائله القراءة ، و الكتابة . و مع نزول سورة القلم كان بدء الإعلان الإلهي لبناء حضارة جديدة ، على أسس متينة و استعد الكون لفتح صفحة من صفحات الحضارة المتميزة ، و التي انتظرتها البشرية منذ عهود طوال ، انقطع فيها الوحي الإلهي و كان الناس يلوبون عطشاً من الظمأ و الساقية بعيدة في السماء ، فقربها الوحي الأمين حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء كما تجلت من قبل في الوادي المقدس ، نشأت حضارة ، فكأنما ولدتها كلمة ﭽ ﭻﭼ التي أدهشت النبي الأمي -  - و أثارت معه و عليه العالم ، فمن تلك اللحظة ، و ثبت القبائل العربية على مسرح التاريخ ، حيث ظلت قروناً طوالاً تحمل للعالم حضارة جديدة ، و تقوده إلى التمدن ، و الرقي ( ). و تبرز أهمية العلم من خلال اختيار الإنسان ليكون المرشح للخلافة في الأرض ، و ذلك من خلال تفضيل البشر على الملائكة ، فاستأثر الإنسان وحده بهذا المنصب وتبعاته ، منها الوصول إلى العلم و المعرفة . يقول الله تعالى : ( وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) . و الأسماء التي علمها آدم هي مسميات الأشياء ، و ذواتها التي يحتاجها الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها ( ) . و اعلم أخي : أن الله سبحانه و تعالى لما اقتضت حكته ، و رحمته في إخراج آدم و ذريته من الجنة عوضهم بعهده ، الذي جعله سببا موصلا لهم إليه و طريقا واضحا بين الدلالة عليه من تمسك به فاز و اهتدى ، و من أعرض عنه شقي ، و غوى ولما كان هذا العهد الكريم و الصراط المستقيم و النبأ العظيم لا يوصل إليه أبدا إلا من باب العلم و الإرادة ، فالإرادة باب الوصول إليه و العلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه و كمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين همة ترقية و علم يبصره و يهديه ، فإن مراتب السعادة و الفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما ، إما أن لا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها أو يكون عالماً بها ، و لا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا و قلبه عن كماله الذي خلق له مصدوداً منكوساً قد أسام نفسه مع الأنعام راعياً مع الهمل ، و استطاب لقيعات الراحة و البطالة و استلان فراش العجز و الكسل لا كمن رفع له علم ، فشمر إليه ، و بورك له في تفرده في طريق طلبه ، فلزمه و استقام عليه قد أبت غلبات شوقه إلا لهجرة إلى الله و رسوله ، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله ، و لما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها ، و شرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها و لا حياة له إلا بها أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ، و لا يفوت و عزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت ، و لا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى ؛ و الحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ؛ و رسوله ؛ و خليله ؛ وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا ، و أقامه على هذا الطريق هاديا ، و جعله واسطة بينه ، و بين الأنام ، و داعيا لهم بإذنه إلى دار السلام ، و أبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم الأعلى يديه أو يقبل من أحد منهم سعيا إلا أن يكون مبتدأ منه ، و منتهيا إليه ( ). فعياذا بك اللهم ممن دنت همته ، و قصر في العلم ؛ و الدين باعه ؛ و طالت في الجهل ؛ و آذى عبادك ذراعه ، فهو لجهله يرى الإحسان إساءة ، و السنة بدعة ، والعرف نكرا ، و لظلمه يجزى بالحسنة سيئة كاملة ، و بالسيئة الواحدة عشرا قد اتخذ بطر الحق ، و غمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل ، و يرضاه ؛ و لا يعرف من المعروف ، و لا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو حالف هواه يستطيل على أولياء الرسول ، و حزبه بأصغريه ، و يجالس أهل الغي ؛ و الجهالة ؛ و يزاحمهم بركبتيه قد ارتوى من ماء أجن ؛ و نضلع ؛ و استشرف إلى مراتب ورثة الأنبياء ؛ و تطلع يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ؛ و يبرز عليهم في الجهالة ؛ فيظن أنه من السابقين ، و هو عند الله و رسوله و المؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل ، و إذا أنزل الورثة منازلهم منها ، فمنزلته منها أقصى ، و أبعد منزل نزلوا بمكة في قبائل هاشم ...... و نزلت بالبيداء أبعد منزل( ). إن العلم هو وسيلة إصلاح المجتمع و تهذيبه ، و هو المادة التي يرتكز عليها المصلحون ، لاسيما العلم الصحيح بحقيقة الدين ، العلم القائم على الحق ، المتمثل في القرآن الكريم و السنة الشريفة ، و ما يتعلق بهما من دلالات اللغة ، أو مناسبات النزول ، فيكون العلم من مصدره مباشرة ، فلا يكون علم مجرد قائم على النظريات ، و لا يكون علم تخصصي دقيق منحصر في فئة معينة من الناس ، بل يكون علم يستطيع العاميّ أن يتناوله ، و يفهمه ؛ و يطبقه في واقع حياته ، و هذا هو المطلوب ( ). و تظهر أهمية العلم بوصفه عنصراً رئيساً من عناصر الشهادة ، و يعني ذلك أن تكون الأمة الإسلامية شاهدة على الناس بعقيدتها ، و في عملها على السعي الدائم للعلم القائم على الحقائق البعيد كل البعد عن الأوهام ، و الخرافات ، و القائم على التصور العقدي ، فيما يتعلق بتكريم الإنسان ، و رسالته في الحياة ، و المهمة الأساسية في وجوده القائمة على الإصلاح و الهداية ، و التغيير ، فبذلك يحقق العلم غايته ، ويكون شاهداً على الناس بتجلية الحقائق لديهم ، و إخراجهم من الضلال إلى الهدى ، و من حياة الشقاء إلى حياة السعادة ، و المطلوب هو ذاك العلم الذي يؤثر فيهم ، ويستدرجهم نحو الخير ، و الصلاح ( ) . إن القرآن الكريم يقرر كذلك حقيقة عدم الاستواء بين الذين يعلمون ، و الذين لا يعلمون ، في قوله تعالى : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ) . فالعلم هو أساس التفاضل بين الناس ، فالذين يعلمون و الذين لا يعلمون لا يستويان مثلاً ، و في ذلك دلالة على فضل العلم و رفعة قدره( )، فأهل العلم لهم خاصية عند الله و منزلة عالية ، و يؤكد ذلك قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) . إن الذين أوتوا العلم لهم منازل عالية ، العلم الذي يقتضي العمل ( ) . كما أن أكثر الناس خشية من الله العلماء ، كما في قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) . من عرف الله حق المعرفة ، فهو أكثر الناس خشية و تقوى ، و التقوى هي خير سبيل للعلم . و القرآن الكريم يدعو الإنسان ذا العقل السليم أن يجعل همته في التعلم ، واكتساب المعرفة ؛ لأن النتائج المترتبة من ذلك عظيمة للفرد و المجتمع بأكمله ، فقد حث الإسلام على التعليم في مختلف العلوم الدنيوية و اعتبرها من فروض الكفاية مثل الطب و الصيدلة و الهندسة ، و شجع على تعلم الحرف ، و رغب بتعلم العلوم الشرعية ، و جعل تعلم الحد الأدنى من الحلال و الحرام منها فرض عين لما يعود ذلك على المجتمع الإسلامي من الخير الكثير ، و أمر الفرد المسلم أن يستزيد من التعلم ويبحر به ، فلو قام كل فرد بتعلم ما يرغبه من العلوم و عمل به ، لكانت الأمة الإسلامية بألف خير و رقي و نهضة . يقول الله تعالى : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) . فالأمر الإلهي بالاستزادة من العلم واضح جليٌّ لا خلاف فيه . و العلم حلية العقل ، و به يُهتدى إلى اكتشاف كنه الأشياء و سبر أغوارها ، وتحليل جزيئاتها ، و القرآن الكريم فتح أبواب العلم النافع على مصراعيها ، فدعوته للنظر في آفاق الكون الرحيب ، و التدبر في الخلق ، كل ذلك ينشأ منه علم زاخر . قال سبحانه و تعالى : ( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) . فالكون صفحة مشرعة للعلماء ، و النفس صفحة مفتوحة لاكتشاف آيات الله في الخلق ، و لا يكون ذلك إلا بالعلم . قال الله سبحانه و تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) . و عن أبي هريرة -  - أن رسول الله -  - قال : ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ : إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) . ( ) فالعلم في حضارة الإسلام يجري ثوابه بعد الممات ، و تبقى آثاره الحسنة تخط في الأرض ، و تسجل في السماء ، و يظل صاحبه يرتقي الدرجات بفضل علم علمه الناس فخلف لساناً حميداً ، و قولاً سديداً ، و لو أردنا أن نستقصي آيات العلم في القرآن الكريم ، لطال بنا العد ، فالقليل يغني في التمثيل ، و هكذا تتظاهر النصوص في مصادر الحضارة الإسلامية لدفع المسلمين إلى التعلم ، و التعليم بشكل لا نظير له في أية حضارة أخرى ، و العلم المقصود الذي تهدي إليه الحضارة الإسلامية ، و به قامت ، هو العلم الذي يهدي إلى الخير ، و يحذر من الشر ، و من الخير ما فيه كمال إنساني في أي نوع من أنواع الكمالات المعتبرة ، في أسس الحضارة الإسلامية ( ) . فالعلم نهج يرفع لبنات الحضارة في الأعالي ، و طريقة من طرائق التفكير التي بها تشاد الحضارة ، فقال سبحانه و تعالى : ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) . فهذا بحث و نظر ، و هو تعليم في إدراك الأدوات ، و معرفة الوسائل . قال سبحانه و تعالى : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) . و إذا كانت الحضارة نبت العلم ، فليس ثمة شك في أن العلم يدفع إلى الإبداع و التفكر و التدبر و كل من الإبداع و التفكر و التدبر ، ينبت الحضارة و ينشئ معرفة( ). و كما أن القرآن الكريم أقر المبادرة إلى العلم باعتباره من قوام الحياة ، أمر أيضاً بالمسارعة إلى أهل العلم ذوي التخصص حينما يشكل على المسلم أي قضية من قضايا دينه و دنياه ، بقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . فأهل الذكر هم أهل العلم على الإطلاق ، فالعالم بالشيء يكون ذاكراً له ، سواء أكان هذا العلم في الأمور الدينية بالقرآن ، و ما يتعلق به من علوم ، أم بالعلوم الدنيوية ، فأمر الله تعالى إلى رجوع الناس إلى الرسل حتى يبينوا لهم ما يشكل عليهم من أمور دينهم ، فيكون الحكم عاماً بالقياس ( ) . و قد حث المعلم الأول الرسول -  - على طلب العلم ، و شجع على التنافس في طلبه ، فقد ورد عن ابن مسعود -  - عن الرسول -  - : ( لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ) ( ). و عن أبي هريرة -  - أن رسول الله -  - قال : ( مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً إِلا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُه ) ( ) إن العلم النافع الذي يخدم الفرد ، و مجتمعه العلم الذي يبتغي فيه رضا الله تعالى هو الذي يقوده إلى الجنة . و سار على هديه -  - الصحابة -  - فقد كانوا يبذلون الوقت و الجهد لتحصيل آية أو حديث من رسول الله -  - فكانوا يبذلون الأوقات و الجهود في سبيل ذلك ؛ لأن اعتقادهم الدائم أن العلم هو الذي يقودهم إلى صحبة الرسول -  - بالجنة . قال تعالى : ( هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) . و ذكر السلمي في تفسيره لهذه الآية قولاً للواسطي في أن المقصود بالراسخين في العلم أنهم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب و سر السر ، فعرفهم ما عرفهم ، وخاضوا في بحر العلوم بالفهم و عجائب الخطاب ، فنطقوا بالحكم . و قيل : هم الذين كملوا في جميع العلوم و عرفوها و أطلعوا على همم الخلائق كلهم أجمعين ( ) ، و هم الذين يعلمون تأويل القرآن الكريم . و قد ثبت عن الرسول -  - أنه دعا لابن عباس -  - قائلاً : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) ( )، و قيل أن الراسخون في العلم هو الذين يعلمون التفسير ( )، فعالي الهمة لا يرضى بالدون ، و لا يرضى بأن يقطف من الشجرة ثمرة بل لا يرضى بدون كل الثمر ، فهذا هو العالم الفقيه يقطف من كل الثمرات ، و لا يكتفي بالقليل ، و نراه إذا علم سعى ، لأن ينطلق بعلمه ليطور و يرتقي بعمله فالعلم والعمل كالجناحين الذين لا يطير عالي الهمة إلا بهما ، فيصل إلى المعالي فينير سماه ، وينشر هذا النور لينير عتمة كل إنسان ، و لهذا قيل أن العلم هو إمام العمل ، و العمل تابع له ، و مؤتم به ، فكل عمل لا يكون خلف العلم مقتدياً به ، فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه ، كما قال بعض السلف : ( من عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح ) ( ). و من على بهمته في طلب العم وصل إلى أعلى المراتب في الدنيا ، و ارتقى على سلم المجد ، فالعالم هو من يفضل على كثير من الخلق ، و ما يكون إلا من أعالي القوم و أشرفهم ، و لذلك يقول الله تعالى عن اختياره لطالوت ملكا : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) . إن الله تعالى اختار طالوت ملكا عليكم ، و أعلم بالمصالح منكم و لا اعتراض على حكم الله ، ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب و المال و هما العلم المبسوط و الجسامة ، و الظاهر أن المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب ، و يجوز أن يكون عالما يالديانات و بغيرها ، و ذلك أن الملك لابد أن يكون من أهل العلم ، فإن الجاهل مزدري غير منتفع به ، و أن يكون جسيماً يملأ العين جهازه ، لأنه أعظم في النفوس ، و أهيب في القلوب ، أي الملك له غير منازع فيه فهو يؤتيه من يشاء و من يستصلحه للملك ، و الله تعالى واسع الفضل والعطاء ، بوسع على من ليس له سعة في المال ، و يُغنيه بعد الفقر ، و الله عليم بمن يصطفيه للملك ( ) . و نجد مما سبق أن تفضيل الله لطالوت ما كان إلا ، لأنه نهل من منهل العلم ، وشرب من ينبوعه الكثير و الكثير و ما كان ليرتوي أبداً ، فالعلم ما هو إلا كالماء والهواء له . و ها هم أنبياء الله تعالى يضربون لنا أروع الأمثال في علو همتهم ، و في حب التعلم ، فقد كانوا أكثر الناس حرصاً على التعلم ، فها هو نبي الله موسى -  - ارتحل و سافر طويلاً و قطع من البلاد الكثير حتى يصل إلى من يعلمه ، فيزداد في علمه ، فيعرض القرآن الكريم نموذجاً للهمة العالية في طلب العلم في سورة الكهف . قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا* وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) . قال تعالى : ( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) . ففي هذه الآية قال موسى -  - للخضر( ) استئذانا منه في إتباعه له على وجه التعلم أي علمني كل علم ذا رشد أُرشد به في ديني ، و الرشد هنا هو إصابة الخير ، و هذا الفعل لا ينافي نبوته و كونه صاحب رسالة و شريعة لا يعني أن لا يتعلم من نبي آخر فيما لا يتعلق بأحكام شريعته ، و أراد أن يعلمه علماً نافعاً ، وعمل صالح ( )، والمعنى لا أزال على ما أنا عليه في السير و الطلب و لا أفارقه حتى يقع إما بلوغ المجمع أو أمضي الحقب ، أي : زماناً أتيقن معه فوات المجتمع ، و هذا منتهى الهمة و العزيمة و الإرادة و الإصرار على تحقيق الهدف ، فهذه هي الهمة العالية الجازمة التي بدونها لا يصل الإنسان إلى النجاح في العمل ، لأن العمل الناجح يحتاج إلى همة عالية و عزيمة صادقة . تشير الآيات الكريمة إلى عدة أمور مهمة : 1- همة موسى -  - في طلب العلم و الاستزادة منه ، مع أنه كليم الله ، لكنه طلب من ربه أن يدله على طريق العبد الصالح حتى يتعلم منه ، فذلك أكبر دلالة على حرص موسى لطلب العلم و الاستزادة منه . 2- إن من مظاهر الحرص على طلب العلم الرحلة إليه ، و هذا ما قام به موسى -  - حتى لقي العبد الصالح . قال تعالى : ( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) . و مما بين ذلك أن موسى -  - قصد طلب العلم ، و اشترط الخضر على موسى أن يتبعه ، و لا يسأله عن أي شيء و هذا أمر بالنسبة لطالب العلم قد يبدو صعباً ؛ لأن غالب حال طلبة العلم هو السؤال ، فبالسؤال يتم التعلم ، و لكن إذا طلب المعلم من المتعلم الصمت أوجب علي ذلك احتراماً و توقيراً له ( ) . 3- إن من أهم لوازم العلم و تحصيله الصبر و تحمل المشاق النفسية و الجسدية ولا يخفى على أحد ما الذي عاناه موسى -  - خلال رحلته مع العبد الصالح ، فقد كان يستهجن أي موقف يقوم به العبد الصالح سواء بموقفه من السفينة ، أو قتل الغلام ، أو بناء الجدار . و طلب العلم يحتاج إلى مشقة و تعب ، و هذا يحتاج إلى صبر و تحمل ، و لا يأتي الصبر إلا بهمة و عزيمة ، فإذا صبر الإنسان على طلب العمر أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع : بعز القناعة ، وهيبة اليقين ، و بلذة العلم ، و بحياة الأبد ، و أثابه في الآخرة بأربع بالشفاعة من إخوانه ، و بظل العرش يوم لا ظل إلا ظله ، و يسقى من حوض المصطفى ، و يجاور النبيين في أعلى الجنان ( ) . 4- في قول موسى لفتاه : ( قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصاً ) . إشارة إلى أن طالب العلم النافع لا يشغله عن طلبه القوت الضروري ، بل يسعى إليه فوراً عندما يجد من يقدمه إليه ، فإنه سيدنا موسى -  - لم يطلب من خادمه أن يبحث له عن طعام بدل الحوت ( ) . فالشاهد في هذه القصة هو ضرورة توفر الجلد و الصبر و عدم استعجال النتائج قبل أوانها حتى يتحقق العلم النافع . و قيل : ( و لذلك قيل العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيك كلك ، فإذا أعطيته كلك ، فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر ) ( ). 5- إن التواضع في طلب العلم من أهم الركائز التي تحقق الحصيلة العلمية ، و قد بدأ تواضع موسى -  - مع العبد الصالح في طلبه للعمل ، و رغبته الشديدة في مصاحبته لتحصيل العلم ( ) ، و قيل : العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي . ( ) قصة موسى و الخضر – عليهما السلام - : تثبت في صورة عملية واضحة رائعة أن وراء المعلومات و المكشوفات في هذا العالم ، و في هذه الحياة مجهولات كثيرة ، و أن ما يجهله الإنسان – و أعظم إنسان في عصره - أكثر من ما يعلمه ، وأنه دائماً يبني حكمه على ما يشاهده و يشعر به ، و لذلك يخطئ كثيراً ، و يتعثر كثيراً ، و أنه لو انكشفت له حقائق الحياة ، و بواطن الأمور و عواقبها ، لتغير حكمه كثيراً و نقض ما أبرم ، و تثبت أنه لا إحاطة بهذا الكون الواسع المليء بعقد ؛ وغوامض لم يستطع العلم البشري مهما اتسع ؛ و ارتفع أن يكشفها ، و أنه لو أسندت إلى العلم البشري إدارة هذا العالم الفسيح ، و منح الحرية التامة و التصرف المطلق ؛ لأفسد العالم و أهلك الحرث و النسل ؛ لأن نظره قاصر ، و علمه محدود ( ). إن قيمة العلم هي أغلى قيمة من قيم الإسلام ؛ لأن بالعلم ترفع الهمم ، وترتقي النفوس نحو المعالي ، و تستثمر الطاقات ، إن المعاني التي تحملها الآيات القرآنية ، و الأحاديث النبوية الشريفة عن قيمة العلم و أهميته ، هي التي قامت عليها الحضارة الإسلامية ، و تحققت من خلالها النهضة ، نهضة الشعوب . لقد جاء رسول الله -  - بدعوته ، و هي تحمل أسمى معاني الوجود ، الدعوة إلى العلم ، فلا يمكن أن يتحقق الإيمان في النفوس بدون توظيف العقل و المعرفة ، فالعلم يقود إلى الإيمان ، إن الانسجام الذي بين العلم ، و الإيمان لهو الذي تتسم به العقيدة الإسلامية لقد قامت الحضارة الإسلامية رفيعة البنيان ، متينة الأركان ؛ لأنها جامعة بين العلم و الإيمان ، فلم تكن تلك الهوة الكبيرة بينهما كما هي الآن ، فقد كان عالم الشريعة طبيباً أو فلكياً ( ) . إن الأثر الذي يتركه العلم أثر دائم لا ينقطع ، به تتحقق الفائدة في كل عصر وفي كل أوان ، لذلك هذه دعوة إلى المبادرة و الهمة العالية في إحياء العلم و المعرفة ، والارتقاء بالأمة الإسلامية المحمدية ، أمة اقرأ ، حتى تقوم الحضارة الإسلامية من جديد . و مما يجدر بنا أن نركز عليه في أمر العلم هو هذه الميادين المنوعة في هذا العصر الحديث حيث تفوقت المجتمعات المعاصرة في استخدام التقنية و المخترعات الحديثة ، وهذا الميدان من الميادين التي تخلف فيها المسلمون كثيراً و أصبحوا عالةً على الغرب واتسعت الفجوة بينهما ، مع أن المسلمين في الأصل هم أهل العم و المعرفة ، و دينهم يحث على ذلك . و لذا لابد من السعي الحثيث لسد تلك الفجوة ، بل و جعلها في الاتجاه المعاكس ، أي أن يتفوق المسلمون ، و يكون لهم قصب السبق و الزيادة في هذه الميادين ، و على المسئولين في إدارات التربية و التعليم ، و تخطيط المناهج أن يولوا عناية خاصة لرفع همم المتربين لطلب العلم و الحصول على أسراره و مبهماته ، وتوظيفها لاكتشاف القوانين الكونية و من ثم خدمة المجتمع المسلم أولاً ، و البشرية جمعاء . و يسخر الله - سبحانه تعالى - هذه الاكتشافات و المخترعات لمن يحسن التفاعل مع السنن و القوانين التي أودعها الله في هذا الكون ، و في هذه القوانين متاحة لكل البشر ، مؤمنهم و كافرهم ، حاضرهم و ماضيهم ، و المؤمن أولى بأن يستفيد من هذه السنن ، و يسخرها لمنفعته و منفعة إخوانه في المجتمعات المسلمة . قال تعالى : ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ) . و قال أيضاً جل جلاله : ( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) . أي أن أمر البشر في اجتماعهم ، و ما يعرض فيه من مصارعة للحق و للباطل ، و ما يلابس ذلك من الحرب و الطعان و النزال ، و الملك و السيادة يجري على طرق قويمة ، و قواعد ثابتة ، اقتضتها الحكمة و المصلحة العامة ، و المراد بذلك أن مشيئة الله في خلقه تسير على سنن حكيمة ، من سار عليها ظفر ، و إن كان ملحداً أو وثنياً ، و من تنكبها خسر و إن كان صديقاً أو نبياً ، و المسلمون الصادقون أولى الناس بمعرفة تلك السنن في الأمم ، و أجدر أن يسيروا على هديها ( ) . و من هذه الميادين التي لابد أن نجعل همنا فيه في هذا المجال ما يلي : 1- حسن الإفادة من الاختراعات و الأجهزة الحديثة و عدم الاكتفاء بالنقل و الامتلاك . إن المجتمع الذي يبغي النمو ، و الترقي لا يكتفي المتربون فيه بالاستخدام السطحي لهذه الأجهزة و الآلات ، بل لابد من الإلمام بإمكانياتها و معرفة وظائفها ، ومن ثم تفعيلها لما فيه تطور المجتمع و تقدمه ، و ذلك ؛ لأن الاستخدام الأمثل لها يعتبر من علامات مواكبة التقدم الحضاري ، ليس ذلك فحسب ، بل يصاحب ذلك توجيه الأجيال لمعرفة مكونات هذه الأجهزة ، و كيفية صنعها و تجميع أجزائها ، و لديهم من القدرة ما يمكنهم من تفكيكها ، و إعادتها كما كانت . فإن اقتصر دور المجتمع على مجرد الاقتناء للتقنية قبع في دور المستهلك لها ، وضمرت فرص الإفادة الكاملة منها ، و بالتالي تعذر المضي قدماً نحو مزيد من التقدم ، أما إذا سمح المجتمع لنفسه بأن يسهم في تخليق التقنيات الحديثة ، فإنه يكون قد دفع نفسه في اتجاه التقدم ، و التحديث ( ) . و بهذه الاستعدادات ، و القدرات يضع المجتمع لنفسه لبنة مثمرة في مضمار التفوق و الرقي ، و يسهم بدوره في تحقيق مفهوم الاستخلاف الذي أشار إليه التوجيه القرآني في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) . 2- تشجيع الأجيال على الاختراع و الابتكار : إن المتأمل في آيات القرآن يجد إشارات واضحة إلى نعم الله التي أكرم عباده بها ، و التي تحوي في مضمونها صناعات ، و اختراعات طورها البشر بأنفسهم ، واستفادوا من تلك السنن في تطويرها ، و من ذلك ما ورد في قوله تعالى : ( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلى حِينٍ ) . و لابد من تشجيع المتربين للاستفادة من هذه الإشارات لتطوير الموجود ، واكتشاف الجديد ، و لابد من الانتقال من مرحلة التخطيط و الدراسة النظرية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي . و من الأمثلة على هذا التطوير ما أشارت إليه الآية السابقة مما جرى ، و يجري من تعديل و تحسين للمساكن التي يقطنها البشر . يقول الإمام القرطبي : ( يحتمل أن يعم بيوت الآدم و بيوت الشعر وبيوت الصوف ، و قد كان للنبي -  - قبة من آدم ، و ناهيك من آدم الطائف غلاءً في القيمة ، و اعتلاءً في الصنعة ، و حسناً في البشرة ، و لم يعد ذلك -  - ترفاً و لا رآه سرفاً ، لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته ، و أذن فيه من متاعه ، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان ، و الاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان ) ( ). و الحمد لله رب العالمين

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل