المحتوى الرئيسى

لا " بنفوت " ، " لا بنموت " بقلم:محمد قدورة

05/25 19:54

لا " بنفوت "، لا " بنموت " !! في مخيم النيرب، بالقرب من فرن حسن حميدي، زاروب لا يتسع لاثنين يسيران جنبا الى جنب، و اذا تقابلا،لا بد لاحدهما ان يلتصق بوجهه الى الحائط، لا مستسلما و انما احتراما للقادم الاخر. سرنا رتلا احاديا الى نهاية ذلك الزقاق، فقرع من يتقدمنا بابا، و اذا برجل قد تجاوز منتصف الاربعينيات من عمره يفتح الباب و بصوت اجش حازم رحب بالضيوف، ولجنا الفسحة السماوية التي تتوزع منها الغرف و المنتفعات و التي لم تتسع لاحذيتنا متحاذية و انما ركب بعضها البعض الاخر، الغرفة ...!! قد ذكرتني بالطفولة المبكرة، ببواكير النكبة، في مهجع رقم 35 من هذا المخيم حيث قطنت مع عائلتي في غرفة مثلها، عشنا فيها ثمانية اطفال و ابا و ام، فهي كانت غرفة النوم وهي الحمام و المطبح و فيها كان يستقبل والدي ضيوفهم ...!! اقتعدنا الارض ملقاة عليها فرش اسفنجية مغلفة باقمشة موردة - تلالي من نظافتها - و يفصلها عن الجدار مساند قطنية فيها فوائد جمة منها انها تقي الجالس برد الجدار و يتكئ عليها ليرتاح اذا ما طالت جلسته. وشوشوت جاري، من يكون صاحب البيت؟ فاجاب بهمس، انه هيثم ساعد ( ابو محمد )، فقلت في نفسي رحم الله ابوه ابو قسام فقد كان يقطن في اخر المخيم و قد عمل سائق حافلة وباع تنكات زيت الزيتون للناس بالتقسيط المريح في المواسم ليساعد اهالي المخيم في عسر حالهم و ليتمكن من اعالة نسائه الاربعة و اطفاله، وقد انتسب ابو قسام للحركة الوطنية الفلسطينية منذ لحظات انطلاقتها الاولى في بداية ستينيات القرن الماضي و كان من نشطاء اتحاد عمال فلسطين. جلسنا على صفين، نستمع باصغاء الى حكاية البطولة التي خاضها ابناء من الشعب الفلسطيني على تخوم وفي ارض الجولان المحتلة، في الوادي الفاصل الذي تطل عليه بلدة مجدل شمس الشامخة في العلياء متكئة على الكتف الجنوبي لجبل الشيخ، بطولة سيسجلها التاريخ و يحفظها باحرف من نور و ظاهرة سيدرسها الاصدقاء و الاعداء على السواء – الجيل الرابع للنكبة من الفلسطينيين يزركشه بعض من الجيل الثالث ويبعث فيه الدفء افراد من الجيل الثاني ليقدم الجميع على فعل يبث في النفوس امال العودة من جديد بعد ان لوثته حروب الردة و الانقسام و مسخته مفاوضات خاضها فريق اهزل من ان يمثل جبروت و تضحيات شعب فلسطين، تلك الاجيال التي قال عنها (بن غوريون) بانها ستنسى بلدا اسمه فلسطين بعد ان يموت الجيل الاول الذي عايش مجريات وقوع النكبة، فاجابته هذه الاجيال لا بالحلم و حسب، انما بتجسيد العودة الى الارض، و على طريقتها الخلاقة في احياء الذكرى الثالثة و الستين للنكبة – و بدا ابومحمد " هيثم ساعد" يسرد ما فعله و ما شاهده بام عينه. نزلنا من الحافلات – القول لابي محمد - التي اقلتنا من مخيم اليرموك في دمشق و الذي وصلناه قادمين من مخيم النيرب في حلب مع اطلالة اشعة الضوء الاولى لصبيحة الخامس عشر من ايار، ذكرى يوم النكبة، نزلنا على بعد ما يقارب اربعة كيلو مترات عن مركز لقوات الطوارئ الدولية التي تقع على الجانب الشرقي من الوادي قبالة " مجدل شمس " - اما القيادات فقد اصطفت على المنصة تمهيدا لبدء المهرجان الخطابي المعتاد في مثل هذه المناسبة، الا ان الشباب " فتيان و صبايا " لم يتوقفوا بجوار المنصة، بل ولوا لهم ظهورهم و يمموا شطر الوادي و قبلتهم ما احتلته اسرائيل من الارض العربية فحلت بالشعوب النكبة ثم النكسة و اذا ما بقي الحال حالنا؟!! سنبحث عن ثالث و رابع حتى نعجز احدث و اشمل القواميس – وتابع هيثم: انهمرنا كالصخور الى قعر الوادي حيث ينتصب الشريط الشائك و خلفه يقف عدد من الجنود الاسرائيليين دون ان يخامرنا اي سؤال، انطلقنا خلف اندفاعة الشباب الذين مزقوا السياج الشائك اربا بجلودهم و لونوه احمر قان بدمائهم كالبرقوق " الحنون او " و داسوه بارجلهم، لينكبوا بعدها على الارض بسرعة البرق، يقبلون ثراها حمدا منهم على تحقيق عودتهم!!!، ثم يتابع ابو محمد روايته: كبت صرختي عندما رايت فلذة كبدي و بكر ابنائي ينزف دما وانا لا اعلم بانه من بين الجموع التي قدمت فحملته بين يدي – وهو كما ترونه نحيلا - الى الغرفة المتربعة على الزاوية الجنوبية لساحة تجمع اهل الجولان المحتل حيث يتواصلون من ذلك الموقع مع ابناء جلدتهم في المناسبات الوطنية و الاجتماعية المختلفة، ركضت بقدر ما استطعت بدموع كبتها على بوابة مجرى الدمع و قلب قد حجرته كي لا يسمع ابني انينه فيعتريه الضعف في موضع لا ينفع فيه الضعف و ركنته خلف الغرفة من جهتها الجنوبية كي ابقيه بعيدا عن الرصاص الحي و المطاطي الذي انهمر على المقتحمين ،على جنود الاحتلال طمانينتهم المعهودة، بصدورهم العارية "كسيل حط من عل " و لكن محمد ابى و استكبر و الح على ان يتابع صعودا ليعيد اخاه الذي وصل مع العشرات الذين وصلوا الى مجدل شمس فاتسعت حدقتاي اندهاشا مختلطا بالفرحة و العزة من شدة المفاجاة التي سمعتها فاشحت بوجهي عن وجه ابني كي لااهيج قلبه اليانع و جاهدت كي اتمالك اعصابي و اتصرف بشئ من الحكمة و التروي فهدا روع محمد و اقنعته بان يبقى في مكانه لا يبرحه قبل ان يعود اخيه، فضمدت له جرحه باحد كمي قميصه و ركنته هناك مسندا له ظهره الى الجدار و قد جمعت له كمية من الحجارة و وضعتها الى جانبه كي يجد ما يدافع به عن نفسه ان اضطر الى ذلك سبيلا. و يقول ابو محمد: " الضنى غالي " و قد تلالات الدمعة في عينيه ، و تابع بصوت متهدج: ...غادرته و قلبي عنده، و لكنني تحت تاثير المشهد حامي الوطيس، نسيتهما و تذكرت " عكبرة" التي طالما حدثني ابي رحمه الله عنها مرارا و تكرارا حتى صرت اتخيل انني اعرف ازقتها واحدا واحدا و انني ركضت في فئ اشجار غاباتها المتسلقة على جبل الجرمق،فاصبح زندي اغلظ من مدافعهم و انا ارجم جنودهم مع الراجمين بحجارة الارض الطيبة و عندما نضبت من بين ايدينا كسر ابناء البلدة حجارة القرميد و زودونا بها، صمت هنيهة.... و قبل ان يتابع سرح خيالي –عجبا- يا لمدايات الحب ,,, التي يتمتع بها الاب و الام الفلسطينية و القدرة الهائلة على كبح جماحها في ان معا !!! و كر شريط الذكريات الى الخلف فاذا بامي تنتصب كالمارد امام عيني، بوجهها الدائري الاميل الى لون الحنطة المباركة و احترت ان كنت مشفقا على ابو محمد ام على امي عندما كانت تجلس على كرسيها في الزاروب تراقب االايبين والذاهبين لعل بينهم اولادها او احدهم او احد يحمل لها خبرا يطمئنها عنهم و قد القت في حجرها المذياع مفتوحا بصوت خافت على نشرة الاخبار. من الشارع " النصاني " للمخيم و فيما يكاد قلبها ان يحترق من جوى الانتظارعلى ابنائها، ثلاثة التحقوا للدفاع عن الثورة عام 1982 و اثنان تعضهما انياب الغربة في الامارات، و اذا باصغرهم يطل براسه من الزاروب و اذا بها تنتفض واقفة واحدى فردتي نعليها بيدها و هي تهزها في وجهه و تنهره محذرة اياه : لا تتقدم خطوة اخرى ، "في ايام السلم بتساوي فدائي و وقت الحرب بترجع على البيت يا ...!!، و الله، بكسر الهاء و كل الانبياء ما بتدخل على البيت " رغم انها لم تره منذ ثلاثة اشهر، لم تقبل ان تسمع منه اي تفسير، فقفل راجعا و اجهشت امي بالبكاء!!! الى اعادوه لها جريحا. عاد ابو محمد ليختزل حديثه عن كرم ضيافة و شهامة اهل مجدل شمس و تقديم كل المساعدات و المساهمات الممكنة مادية و معنوية بما في ذلك اعلانهم الاستعداد للتضحية بالارواح حماية لهم ان قرروا البقاء بارادتهم. و تناول الحديث ابو احمد و هو من المناضلين الانقياء، الاتقياء، نشيط كالفراشة، لا يهدا رغم انه يخطو فوق سن السبعين بكل رباطة جاش و اصرار و ما اقعده عن تقديم الراي و اسداء النصائح السديدة ذلك الميكرفون الصغير الذي يستله بديلا عن حنجرته الذهبية التي استئصلت، ليعزز موقف هيثم امام الجمع و على مسمع زوجته التي كانت تعد القهوة للضيوف بقوله: ان هذا الشبل من ذاك الاسد يا هيثم، اتذكر عندما لحق بك اخوك الكبير ليمنعك من الالتحاق بصفوف المقاومة حتى لا تعطل دراستك؟ فابيت يومها الامتثال له قائلا يومها: " انا حر " و ساذهب للدفاع عن شعبنا في المخيمات، فاحمر وجه هيثم خجلا و طاطا راسه تواضعا. بادر احد الجالسين الجريح " محمد " بسؤال عن كيفية اصابته ؟ تجاوز محمد التكرار فهو طالب جامعي،ينتسب الى كلية العلوم/ الكيمياء، عيناه تلمعان و تشعان ذكاء، و قد جلس على كرسي بلاستيكي ابيض بجوار خزانة يظهر زجاجها بعض فناجين قهوة و قطع زجاجية اخرى، اكد بان الشباب و دون اي اتفاق مسبق و بدون اية ادارة منظمة، لا بل بشئ من الارتباك و التردد لم تقع رحلة جماعية كما اشيع بل ان الناس سافرت الى دمشق فرادا!!! كما عزز محمد الشعار الذي اجمع عليه بعض الشباب ممن احتشدوا على جبهة مارون الراس و هتفوه في وجه الجنود اللبنانيين و على مسمع من جنود الاحتلال " لا بنفوت، لابنموت " و هتفوه بصوت هادر رددت صداه جبال الجليل و جبل الجرمق و ابتسمت له طربا حجارة صفد. و بهدوء باشر محمد سرده : كما قال ابي بان الحماس قد اخذنا وما طقنا ان نرى جنود الاحتلال يتبخترون مدنسين ارض الاباء و الاجداد، و ابينا ان ننتظر ليحمل الاثير من فوق رؤوس الجنود خطابات متبادلة ممن قد احتشدوا من الارض المحتلة مقابل حشودنا على الاراضي المحررة من منطقة القنيطرة، فاندفعنا لنحقق نمطا من العودة طالما حلمنا بها منذ يناعة اظفارنا، و قد استجبنا لنداء وصلنا عن طريق "الفيس بوك " تحت عنوان " الانتفاضة الثالثة " منذ فترة و قد نشرته بين اصدقائي، لكننا لم ننتظم على اساسه؟!! اما بشان اصابتي: فقد كنت بين الجموع التي تجاوزت السياج الشائك - غير الملغم او المكهرب كما اشيع على امتداد سنين الاحتلال – و كنت من مجموعة الاشتباك مع جنود الاحتلال وقد فرزنا انفسنا تلقائيا و عفويا و حسب الهام كل منا، بينما تابعت مجموعات اخرى الصعود نحو بلدة مجدل شمس و التي ساهمت في ارباك نجدات العدو التي وصلت الى عين المكان على عجل بواسطة حافلات القت بحملها من القناصة على اطراف ساحة المعركة و دفعت بسيارات جيب عسكرية وافراد مزودين بمدافع رشاشة و بنادق و قنابل صوتية و دخانية و مسيلة للدموع، و يضيف محمد: لم يمنعنا ازيز الرصاص الكثيف و الانفجارات المدوية من خوض معركة شرسة مع جنود الاحتلال و عن قرب شديد، ويقول: التقطت حجرا كبيرا و ركضت به نحو احد الجنود القريبين و لم يسعفني ثقله بان ارميه عن بعد فاضطررت الى الاقتراب اكثر لاصيب به وجه الجندي الذي فقد توازنه و لكن سرعان ما بادرني احد القناصين بطلقة اخترقت عظم ساعدي ثم ما لبثت ان اصبت في كتفي الايسر و حزنت لانني اخرجت من ساحة المعركة مبكرا، و تابع محمد بصوت هادئ بنبرة الواثق من نفسه " الجاييات اكثر من الرايحات "، كسرنا حاجز الخوف و زرعناه في قلوبهم، في المرات القادمة ستكون عودتنا مقيمة. و قدمت له ولابيه واخيه هدايا باسم اهالي مخيم النيرب تعبيرا منهم عن الامتنان لصنيعهم البطولي، وودعنا باحر ما استقبلنا به يحدونا الامل بزحوف مليونية، تطيح بكل العوائق من طريق العودة المشرفة، الى الوطن السليب لنستظل بظل ليمونه و تينه و زيتونه و نملا رئاتنا بهواء الحرية و الاستقلال تدفعنا رياح الحراك الشبابي والتغيير نحو النصر لنؤبن معا ذل الغربة و الهجرة و الشتات. محمد قدورة مالمو/ 25/5/ 2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل