المحتوى الرئيسى

هموم وشجون الإعلام العربي في منتدى دبي بقلم:د. خالـد الخاجة

05/24 22:28

أصبحت دبي البهية الفتية، مقصد المبدعين والحالمين، والنموذج الشاهد على قدرة الإنسان العربي على صنع غد أفضل مهما كانت التحديات وضراوتها وشح الطبيعة وقسوتها، دبي حكاية الإرادة وقصة المراوحة بين الأمل والرجاء، دبي التي انفتحت على العالم بأسره بمختلف أجناسه وأعراقه وأديانه ومذاهبه، فاستوعبتهم جميعا وأضحت مدينة السلام وعنوان التسامح، يوم أن أعلت قيمة الإنسان بما يحمله من فكر وإبداع، بعيدا عن أي عنوان لكنها حققت المعادلة بتمسكها بعروبتها التي امتزجت بحبات رمالها وعبير هوائها واختلطت بدم ولحم أبنائها قيادة وشعبا، فبات الهم العربي همها وقضاياه قضاياها، ترنو أنظار بني العرب إليها باحترام وتقدير، وبقيادتها الواثقة كانت دائما في الموعد. الحق أن هذه المشاعر غمرتني عند انعقاد منتدى الإعلام العربي في دورته العاشرة، تحت عنوان «الإعلام العربي وعواصف التغيير»، والذي لم يكن مجرد حدث إعلامي كبير وفقط، ولكن كشف بجلاء عن قدرة الإعلاميين العرب على رسم صيغة مختلفة للإعلام العربي نابعة من البيئة العربية، تنأى به بعيدا عن التقليد الأعمى للمدارس الغربية التي ما زلنا ندور في فلكها إعلاميا، إذا أراد الإعلاميون العرب ذلك مستندين إلى نظرية عربية للإعلام لم تخرج إلى النور حتى الآن، رغم مرور ما يزيد على خمسين عاماً من الدراسات الإعلامية ومئات الكفاءات الأكاديمية والمهنية في شتى بقاع العالم العربي. ولأن السنوات العشر التي مرت عليه والرعاية الدائمة والكريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، منذ اليوم الأول لتأسيس نادي دبي للصحافة عام 1999، كأول ملتقى لرواد الفكر والإعلام، كانت ضربة البداية عام 2001. ومنذ ذلك التاريخ استطاع المنتدى بصدقيته في طرح القضايا الحقيقية التي تواجه الإعلام العربي، بعيدا عن التناول البروتوكولي، وفتح كل الملفات على مائدة الحوار، أن يستقطب في دوراته المتتالية أبرز الإعلاميين من مختلف بقاع الدنيا، حتى أضحت القضايا التي تتناولها جلساته تمثل قلب الواقع المعاش للإعلام العربي بانتصاراته وانكساراته، يدلي كل صاحب رأي فيها بدلوه، لتكون المحصلة النهائية لصالح الإعلام العربي برمته، وخاصة أن المنتدى لا يقتصر فقط على الإعلاميين العرب، ولكن يضم عيونا غير عربية تنظر إلى ما يقدمه وتقيم أداءه. وما تم طرحه من قضايا إعلامية على مائدة حوار المنتدى، يعطي دلالة واضحة على أنه يدرك بوعي كافة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والتحديات الأكبر التي تواجهها منطقتنا العربية، كما يدل على أن المنتدى بالفكر المستنير للقائمين عليه، قادر على مواكبة التطور المتسارع في الإعلام عربيا وعالميا، بمهنية راقية وثقة راسخة بالنفس والوطن، وهذا بيت القصيد، حيث إن ما تم تناوله هذا العام من قضايا إعلامية، كان تحديا حقيقيا استطاع المنتدى أن يجتازه بامتياز. وإن كنت أتطلع أن يفتح العام القادم بابا جديدا للدراسات الأكاديمية القائمة على أساس علمي منهجي، لدراسة قضايا إعلامية محددة في شكل ورش عمل سوف تمثل بلا شك إضافة نوعية لمخرجات المنتدى. كما أن تخصيص إحدى الجلسات لكشف النقاب عن رؤى الطلبة، هو من أهم ما امتاز به المنتدى واعتراف بأن لدى شبابنا ما يقدمونه، وأن أفكارهم قابلة للتحقيق والتطبيق. وقد كان لي شرف المشاركة في هذا الحدث الأهم والأكبر إعلاميا على مستوى المنطقة العربية بأسرها، كما قالت منى الشاذلي الإعلامية المصرية المتميزة، في إحدى الجلسات التي ضمت كوكبة من الإعلاميين العرب، مثل جورج قرداحي، وهبة الأباصيري، للحديث حول «برامج المنوعات.. الخطوط الحمراء إلى زوال». وما أسعدني وطمأنني في هذه الجلسة، هو شبه الإجماع بين المتحدثين على أن حرية الإعلام لا تعني التفلت من كل الضوابط، وأن المهنية في أرقى صورها تعني وضع النسق القيمي للمجتمع ومنظومته الأخلاقية على رأس أولوياتها. فالإبداع التزام، وإلا فما قيمة عمل مبدع من وجهة نظر صاحبه لا يتقبله المشاهد أو لا يلتف حوله الجمهور، لأن شرعية العمل الإعلامي تأتي من الجمهور ذاته؟ والشاهد أن مجال الفن والإعلام شهد مدارس وأعمالا خلدت وأخرى اندثرت وماتت، والفيصل كان قبول الناس من عدمه واحترام عقولهم وقيمهم، خاصة وأن هناك هجمة من برامج المنوعات التي تملأ أوقات فراغ المشاهدين على غرار برامج المسابقات، يستغلها بعض التلفزيونات لمد يدها في حافظة نقود المشاهدين قدر المستطاع، مستغلة حب البعض لتحقيق الربح السريع. وتساءلت؛ ما الهدف من إذاعة مثل هذه النوعية من البرامج على قنواتنا العربية؟ وما القيمة التي تعود على المشاهد العربي من المضمون المقدم من هذه البرامج التي لا تُنَمى وعياً أو تَصقُلُ فكراً؟ بل هي نوع من الصحافة التلفزيونية الصفراء التي تجاوزها الإعلام الغربي، ولكننا نأبى إلا أن نكرر تجاربَ فاشلة، وهذا نوع من العبث. وأنا هنا لا أدعو إلى أن تكون برامجنا التلفزيونية برامج متحفية جامدة وأن تكون الرسالة الإعلامية محنطة، لكن أدعو أن يكون الترفيه كذلك خارجا من رحم حضارتنا، ونحن قادرون على ذلك إذا ما استبدلنا التراخي الذهني والاستسهال عند المعدين، ليبحثوا لنا عن نماذج تتوافق مع قيمنا المجتمعية، وأن نبتعد عن البرامج الأجنبية، على أن نعيد بناء ما نريد بما يتوافق مع أركان ثقافتنا ديناً ولغةً وتاريخاً. كما أن البرامج لا ينبغي أن تكون جامدة متخلفة، وإلا مَثلت نوعاً من الفاقدِ البرامجي الذي لا يصلُ إلى المشاهدين، ولكن إلى جانب ذلك لا بد أن تستند إلى قيمةٍ اتصاليةٍ واجتماعيةٍ وثقافية، وفي ذات الوقت قادرة على النهوض بالثقافة الوطنية وصياغة اللغة والاهتمام بالذات الوطنية وتربية الذوق واكتشاف المواهب مع الترويج والترفيه، هنا تنتج عملية الاتصال بين المشاهد والوسيلة ويتحقق الهدف. إننا نستطيع أن نقدم بضاعتنا بالشكل الذي يليق بمجتمعِنا وثقافتِنا دون تقليد للآخرين، وأن تكون لدينا آليات مهنية لعمل هكذا برامج. وفي الختام أود أن أقول للقنوات الفضائية العربية، سواء الخاصة أو العامة، إن لثقافتنا تاريخا يجب ألا نعبث به من خلال ما نقدمه من برامج، وألا نشوهه من خلال الأداء المهني للإعلاميين. لقد بات منتدى دبي للإعلام بما اكتسبه من مكانة مرموقة، بمثابة مهرجان «كان» للإعلام العربي، وجوائزه الصحفية هي «الأوسكار» العربي التي يسعى لنيل شرف الحصول عليها كل إعلاميي العرب شبابا وشيوخا، لصرامة معاييرها ومصداقيتها. فهنيئاً لكل من ساهم في إنجاح هذا المنتدى، وهنيئاً للإعلاميين العرب بتجمعهم. د. خالــــد الخاجـــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل