المحتوى الرئيسى

الانتماء الفصائلي والشباب بقلم:زهية شاهين

05/24 22:11

الانتماء لدى الشباب زهية شاهين Zahiakh.wordpress.com في تتبع لعلاقة الشباب بالتنظيمات الفلسطينية والتي ساهم في بناءها شعبنا لسنوات عديدة حيث كانت أحلام الشباب تتمازج مع أحلام تلك التنظيمات الثورية لتغيير الواقع وكانت أعداد الشباب في تزايد إما كأعضاء أو مناصرين ..وقد سُئل إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي لو كنت شابا فلسطينيا ماذا تفعل ؟ قال لو كنت فلسطينيا لانضممت لأحد التنظيمات الفلسطينية ولجعلت حياتنا مريرة ( أي الإسرائيليين ). ولكن المتتبع لحركة انضمام الشباب اليوم للتنظيمات السياسية فسيجدها بطيئة في غالبها فلم يعد الانضمام لتنظيم فلسطيني من أولويات الشباب بل أصبحت نظرته سلبية لها وهذا ما عبر عنه استطلاع قامت به مؤسسة فريد ريش نويمان الألمانية في أواخر ديسمبر عام 2010 وكانت العينة مكونة من الشباب في الضفة وغزة , وقد عبر الشباب بنسبة 62% فقدان ثقتهم بالفصائل الفلسطينية وان 30% ما يزالون يثقون في فتح و5% بحماس و2% بالفصائل الأخرى . هذا الاستطلاع يقودنا لموضوع الانتماء السياسي والذي شكل أهمية في حياة الشباب الفلسطيني حيث الانتماء هو حاجة من حاجات الفرد الأساسية وهذا ما عبرت عنه العديد من النظريات الاجتماعية والنفسية وأفضل من كتب في ذلك العالم ماسلو حينما حدد حاجات الإنسان حسب أولوياتها عنده بما يسمى هرم ماسلو حيث الحاجة للانتماء أخذت الترتيب الثالث بعد الحاجات الفسيولوجية والحاجات للأمن ثم الحاجة للانتماء والحب ويدخل في هذه العملية العديد من العمليات النفسية ومن آليات الدفاع التي تتفاعل من اجل إعطاء هوية وسمات خاصة وعامة للشباب . والانتماء يحتاج لعدة عناصر من أهمها المجتمع بكل مؤسساته ونماذجه من أشخاص وقيم ومؤسسة ثقافية ومفاهيم عامة وثابتة وكل ذلك لاحتواء الأفراد داخل الجماعة والمجتمع وما بين ما هو فردي وما هو جماعي تتداخل العديد من العمليات النفسية والاجتماعية بعضها مع بعض لتعطي توازنا لدى الأفراد والمجتمع . فالشباب في مرحلة المراهقة والشباب تتماهى مع نموذج الأب أو مايسمى بالانكليزية father figure وقد يأخذ هذا النموذج الأب , المعلم , المسئول ,الحزبي ,الفنان ,الشخصية العامة , الرياضي ...الخ وهذه النماذج لو تعرضت لتغيير سلبي في قيمها تجعل الشباب مشوشين ويبحثون في اتجاهين إما عن نماذج سلبية مفرغة من القيم مهزومة ضعيفة وقد يلجئون للإدمان ونماذجه من الفن الهابط واللجوء للغريزة واشكالياتها كنوع من الدفاعات الأولية أو يرفضون تلك النماذج ويتماهون مع نماذج القوة المنتصرة الغنية الناجحة ...الخ . فالحاجة لمجرد الانتماء قد تكون اكبر من الحاجة للمعنى وما يحتويه هذا الانتماء من قيم أو عدمها فقد يكون الانتماء لفكر فاشي أو لعصابة , ويفسر ذلك ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى مثلا حينما تماهى الشعب الألماني مع هتلر كقائد وتم تبني النازية كأيديولوجية أعطت الألمان شعورا بالانتماء , وهذا لا يعني أن ذلك مظهر صحي دائما فهو طريقة للتكيف والهروب من العجز والضعف العام واليأس والبحث عن الأمان من خلال نماذج قوية ليست بالضرورة ايجابية في حقيقتها أو صائبة التوجهات ولكنها في حد ذاتها تعني تعويض عن النقص . وهذا ما يفسر أحيانا ما يحدث على صعيد الكورة حيث أصبح شبابنا يشجعون الكورة الاسبانية والأوروبية وتراجع تشجيع الفرق المصرية والعربية وما يحدث في داخلها من تغيير مابين تبادل النجاح والفشل بين الفريقين. وهناك مثل انكليزي يقول (الناس يسيرون خلف القوي حتى لو كان مخطئا ولا يسيرون خلف المصيب لضعفه ). وهذا المثل يوضح سر تزايد شعبية بعض الرموز الفلسطينية المختلف عليها من أمثال محمد دحلان وسلام فياض ( حيث الأخير حصل في أخر استطلاع رأي على 37% وهذه نسبه منافسة لعديد من رموز التنظيمات والمناضلين ), فهذه الشخصيات يعتبرها البعض قوية من حيث القدرة والتحكم والانجاز والتأثير ولديهم قبول من المتنفذين الدوليين ولديهم مهارات شخصية تجذب إليهم الجيل الشاب مقابل حالة الضعف والعجز التي تعتري رجالات التنظيمات والسلطة . ولكن حسب الواقع وحسب القرآن الكريم القوة والقوي تحكمهما معايير أخلاقية ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) فالأمانة مهمة من حيث تحمل مسؤوليات مصائر الشعوب دون إفسادها واستغلالها أو تسخيرها من اجل فكرة المصلحة والفرد أو الحزب . ( ولذلك لم يعد لدينا القوي الأمين ولا حتى أحيانا الضعيف الأمين ) (هل هذا يأس؟ ..لا يعني ذلك يأسا ولكن لتأكيد أهمية الانتماء ذو المحتوى القيمي والأخلاقي للشباب من اجل بناء مستقبلهم ومستقبل الأمة ) الإشكالية .أين؟ ولكن ما سبب ضعف الانتماء للتنظيمات ؟, وهل يكمن ذلك في عدم مصداقيتها فقط ؟ - إن التنظيمات التي غادرت الشعب والمقاومة إلى السلطة تحولت إلى عقليات أمنية ترصد تحركات شعبها وأي مراجعة لمواقفها السابقة أو انتقاد لمواقفها الحالية تعتقد انه يهدد وجودها في السلطة ومن ثم وجدت شخصيات ورموز متنفذة تنتهج سلوكيات بعيدة حتى عن فكر تنظيماتها وأصبح الانفصال بين الفكرة وعقيدة التنظيم وبين سلوكيات النماذج السياسية والاجتماعية شديد الوضوح , - ناهيك عن دور الاغتيالات السياسية التي مارسها المحتل تجاه القادة السياسيين والعسكريين والاجتماعيين لجعل المجتمع بلا رأس ولا شخصيات مؤثرة تعطي الحماية الفكرية والأخلاقية لتنظيماتها وشعبها . أصل الحكاية - العديد من أعضاء التنظيمات ومناصريها غادروها بعد أوسلو وانضموا للسلطة وعاشوا حالة الفساد والصراع فيها - الاختلاف وعدم التوافق حول مفاهيم مسلم بها فلسطينيا وهي مفهوم المقاومة والمقاومة السلمية وظهور مصطلحات جديدة مدعومة بمرحلة جديدة كالمفاوضات السياسية بلا منافس - سقوط نماذج مناضلة ورؤيتها على ارض الواقع من فساد وضعف وتركيز الأجهزة الأمنية عليها وعلى عوراتها مستخدمة إياها في الصراعات الداخلية بقصد أو بغير قصد - صعود بعض التنظيمات في الفترة الأولى من وجود السلطة وخاصة ذات التوجه الإسلامي وظهور مصلح الدين والمقاومة وثقافة الاستشهاد والرمزية العالية وظهور قيمة الشهادة ونجاح العديد من العمليات والخروج من الهزيمة مع المحتل بالنظام النفسي (الانتقام مقابل الهجوم) . فلو صفعك احد ما يزداد ضعفك وتتدنى ثقتك بنفسك ولا يعالج ذلك إلا الرد عليه بطريقته أو أفضل منها فترد لك كرامتك وتشعر بنشوة القوة وهذا ما كان يحدث مع شعبنا في تلك الفترة رغم دموية الاحتلال والاجتياح المتكرر إلا إن الرد لدى التنظيمات كان سريعا في عمق التجمعات الإسرائيلية وكان الشباب قربهم شديد من التنظيمات في تلك المرحلة إما يزدادون في عضويتها أو مناصرتها حتى إن العديد من منتسبي السلطة التحقوا بتلك التنظيمات بل وانتخبوها . ولكن كل تلك الصورة لم تستمر طويلا حتى جاءت الانتخابات حينما قفزت حماس للسلطة واحتدم الصراع بين سلطتين سلطة لديها من الفساد ومن الضعف الكثير وسلطة منتشية بقوة نصر الصناديق وبقوة السلاح المقاوم حتى صودر سلاح المقاومة نفسه في معمعة الصراع والحرب وأصبحت الخلافات الداخلية أعلى من كل التاريخ المقاوم للطرفين وتم تبادل القمع لحريات الناس والشباب منهم وتخلت رام الله عن غزة كما تخلت غزة عن رام الله وكل ذلك اثر على الشعور بالانتماء لدى الشباب سلبا وكانت أفكار الهجرة قد أصبحت حلما للرجال والنساء إنها مرحلة كانت فيها القيم والنماذج مشوشة ومشوهة لذلك حتى الشباب وتحركاتهم تعاني من ذلك فليس لديهم معالم واضحة . بصراحة إنها تنظيمات شاخت والتغييرات الحادة التي مرت بها ومع تسلم السلطة كشفت عن عوراتها وعن عدم مقدرتها عن مجاراة التغييرات وأصبح من يتبعهم الكثير من الغاوين والمستفيدين التناقض ولكن يبدو في ظاهر المسالة وجود تناقض صارخ فهناك فقدان للثقة تجاه الفصائل وحتى فصائل الإسلام السياسي والتي شهدت تراجع في تأييد الشباب لها وهذا ما ظهر في الاستطلاع السابق الذي استشهدنا به في البداية ,و في المقابل أعطى الاستطلاع نفسه نتائج حول كيفية تعريف الشباب( مابين 18-24 ) لأنفسهم حيث عبروا بأنهم مسلمون أولا وقبل كل شيء وان 67% من الجمهور لا يريد تطبيق النموذج الأوروبي وان النموذج الإسلامي حسب 45% من العينة يرون أن النموذج الأمثل هو الإسلامي وليس الأوروبي . هذا التناقض أو التعارض مابين انخفاض نسبة تأييد تنظيمات الإسلام السياسي ورغبتهم بنموذج إسلامي ليس سوى تعبير عن حقيقة أخرى وهي إن الشباب من جهة هم فاقدي الثقة بالجهات الرسمية للنماذج الاجتماعية والسياسية وهذا ما يخلق في داخلهم قلق وجودي لمن ينتمون ومن ثم يدفعهم للبحث عن هويتهم خارج المؤسسة الرسمية السياسية التي لم تعد تلبي حاجة الانتماء للشاب الفلسطيني وهذا ما يفسر وجود بعض المجموعات التي عملت بعيدا عنها في المطالبة بإنهاء الانقسام وإحياء ذكرى النكبة بشكل مغاير عن كل عام وان حاولت المؤسسة نفسها احتواء هذه المحاولات بالترهيب والاحتواء والترغيب . وفي الأخير ضعف الانتماء للتنظيمات إنذار بان هذه التنظيمات في تحولها من حالة الثورة وأخلاقياتها إلى السلطة جعلها تخسر الكثير من أهدافها ومصداقيتها بل وتحولت لأدوات قمع تحاول إقصاء الشعب من المشاركة في تقرير مصيره وذلك بعدة حجج . أيضا هذا نذير بسقوط لمشروعنا الوطني إن لم يتنبه الجميع ويساهمون في استنهاض للشباب وتفعيل المشاركة في الحياة السياسية بالإضافة لأهمية مراجعة هذه التنظيمات لمسيرتها في السلطة وخاصة أخطائها القاتلة ...فليس أسرع انهيارا للثورة حينما تمر بصراعات داخلية تسرع من تقويضها وانهيارها . وهذا ما يذكرنا به وصف عالم التاريخ ارنولد توينبي في (دراسة التاريخ ) بأن انهيار الحضارات يكون أسرع إذا تسوست من الداخل ولا تنجح دائما الضربات الخارجية بذلك وهذه ما سماه بانتحار الحضارة . والمطلوب أن تكون لدى النظم الاجتماعية والسياسية آليات للتكامل والتكيف الاجتماعي وانجاز للأهداف وإدارة المشاكل الكامنة وهذه تحتاج إعادة إنتاج للأجيال القادمة على قيم الحرية والمشاركة والكرامة والوقوف أمام ثقافة الخوف والقمع المتواجدة بقوة في حياتنا السياسية والاجتماعية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل