المحتوى الرئيسى

تصحيح مفاهيم ودحض شبهات

05/24 21:14

بقلم: د. محمود غزلان بدأت مجموعة من الأفكار الغريبة، والمفاهيم الخاطئة، تتردد على بعض الألسنة، وتتسرب بين الأفراد، وتَكَرَّر السؤال عنها؛ لذلك رأينا أن نوضح المبادئ، ونصحح الأفكار والمفاهيم.   أول هذه الشبهات أن الجماعة تعتبر الطاعة ركنًا من أركانها، وثابتًا من ثوابتها، وفي هذا مصادرة لحق الأفراد في التفكير، وإهدار لاحترام العقل، ومن ثَمَّ يجب لكلِّ إنسان أن يفعل ما ينتهي إليه تفكيره الشخصي، دون اعتبار لرأي الآخرين.   والحقيقة أن الطاعة ركن من أركان الاجتماع الإنساني، وقانون من قوانينه، فما دام الإنسان فردًا في مجتمع- أيَّا كان هذا المجتمع صغيرًا أو كبيرًا- فلا بد أن يحترم نظامه العام.   فالفرد في الجماعة الوطنية لا بد أن ينزل على نظامها العام، ودستورها، وقوانينها، وإن خالفها لقي جزاء المخالفة، وهذه هي الطاعة، وإن اتخذت اسمًا مختلفًا.   والشخص الذي ينتمي لحزب سياسي لا بد أن يلتزم بلائحة الحزب وقراراته، وهذه أيضًا طاعة، وإن سُمِيَّت الالتزام الحزبي.   والذي يعمل في مؤسسة اقتصادية، لا بد أن يلتزم بلائحة العمل، وإن خالفها جُوزيَ على المخالفة، وهذه طاعة.   والمدرس الذي يعمل في مؤسسة تعليمية لا بد أن يحترم مواعيد الطابور، والحصص، والتحضير، والشرح، وهذه طاعة.   والتاجر الذي يمتلك دكانًا للتجارة ولا يعمل لديه إلا عامل واحد لا بد لهذا العامل أن يلتزم بأوامر صاحب العمل وإلا استغنى عنه، وهذه طاعة.   بل إن لاعب الكرة الذي يكلفه المدرب بحراسة المرمى أو الوقوف في صفِّ الدفاع، فإذا ما ترك أحدهما موقعه وذهب يهاجم أخرجه المدرب فورًا واستبدل غيره به، وهذا يعني ضرورة الطاعة.. وهكذا.   فالطاعة حتمية في كلِّ مؤسسات الدنيا، ومن ثَمَّ كانت مبدأً إسلاميًّا ثابتًا.. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59).   ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره، إلا أن يُؤْمَر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".. ويقول عليه الصلاة والسلام: "مَن أطاع الأمير- القائد- فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله".. بل إنه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم"، ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: فهذه أقل الجماعات (ثلاثة) وأقصر الاجتماعات (مدة السفر)، والرسول يأمرهم أن يكون لهم أمير يستجيبون له حتى لا يختلفوا.   ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة".   ويقول الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراةَ لهم  ولا ســراة إذا جهالهم سادوا لا سراة لهم: أي لا قيادةَ لهم أمَّا أن الطاعة تصادر حقَّ الأفراد في التفكير والتعبير عن الرأي، فهي فرية كبيرة تُستخدم لتنفير الناس من الطاعة التي يُتقرب بها إلى الله.   فالطاعة هي الوجه الآخر للشورى، فكما أن الطاعة فريضة إسلامية، فالشورى أيضًا كذلك، وفيها يحق- بل يجب- على كل صاحب رأي أن يطرح رأيه، وأن ينافح عنه، وأن يحاول أن يقنع الناس به، فإن اقتنعوا فقد أصبح رأي الجماعة وبها ونعمت، وإن لم يقتنعوا وكان هناك أكثر من رأي، فيتم التصويت عليها ويؤخذ بالرأي الذي يحصل على أعلى الأصوات، وهذه هي الشورى، وهذا الرأي هو واجب الطاعة، ولا يجوز لأحد أن يخرج عليه، وفي طاعته طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.   والمحصلة أن لكلِّ شخص- بل يجب على كلِّ شخص- أن يُفكِّر في مصلحة الجماعة، وأن يطرح تفكيره على أهل الشورى، وليس له أن يحاول فرضه عليهم، وفي ذات الوقت لا يجوز له أن يذهب لينفذ بنفسه ما انتهى إليه تفكيره الشخصي، فقد يكون ضارًّا ويتعدى ضرره للمجموع، ولو تخيلنا أن مجموعةً ذهب كل فرد منها لينفذ ما رآه لأصبح الأمر فوضى، ولتمزَّق الرابط بين أفراد الجماعة، وتمزَّق نسيجها.   أما التحريض على أن يفعل كلٌّ ما يريده في السر ولو خالف رأي الجماعة فهو دعوة للفوضى والهدم، إضافةً إلى أنه دعوة للنفاق العملي الذي يأباه الإسلام، وتأباها الرجولة، ومهما تكن المسألة في السر، فإن الله تعالى يعلم السر وأخفى.   والخلاصة.. أن الطاعة هي النظام، ولن يصلح تجمع بغير نظام، وما أجمل ما كتبه الدكتور القرضاوي- شفاه الله- في كتابه (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة) تحت عنوان: "الحركة عمل جماعي منظم".   "والحركة الإسلامية- إلى جوار أنها عمل شعبي محتسب- هي عمل جماعي منظم، فلا يكفي أن يقوم أفراد محتسبون مخلصون من هنا وهناك، يعملون متناثرين للإسلام، وإن كان عملهم مرصودًا لهم في ميزانهم عند الله، فإن الله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، وكل امرئ يُجزى بما قدَّم حسب نيته وإتقانه.. ﴿فَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)﴾ (الزلزلة)".   ولكن العمل الفردي في واقع الأمة الإسلامية المعاصرة لا يكفي لسدِّ الثغرة وتحقيق الأمل المرتجى، بل لا بد من عمل جماعي وهذا ما يوجبه الدين ويحتمه الواقع.   الدين يدعو إلى (الجماعة) ويكره (الشذوذ) فيد الله مع الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ولا صلاة لمنفرد خلف الصف، ولا لمتقدم على الصف، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والتعاون على البر والتقوى فريضة من فرائض الدين، والتواصي بالحق والصبر أحد شروط النجاة من خسران الدنيا والآخرة.   والواقع يحتم أن يكون العمل المثمر جماعيًّا، فاليد الواحدة لا تُصفق، والمرء قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، ضعيف بمفرده قوي بجماعته، والأعمال الكبيرة لا تتم إلا بجهود متضافرة، والمعارك الحاسمة لا يتحقق النصر فيها إلا بتضام الأيدي، وتعاضد القوى، كما قال القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف)، ولا بد أن يكون العمل الجماعي منظمًا قائمًا على قيادة مسئولة، وقاعدة مترابطة، ومفاهيم واضحة، تحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة، على أساسٍ من الشورى الواجبة الملزمة، والطاعة المبصرة اللازمة، فالإسلام لا يعرف جماعة بغير نظام، حتى الجماعة الصغرى في الصلاة، تقوم على النظام، لا ينظر الله إلى الصفِّ الأعوج، ولا بد للصفوف أن تتراص وتتلاحم، ولا يجوز ترك ثغرة في الصف دون أن تُملأ.   فأي فرجة تهمل يسدها الشيطان، المنكب بجوار المنكب، والقدم بجانب القدم.. وحدة في الحركة والمظهر، كما أنها وحدة في العقيدة والوجهة: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، يعدل الإمام الصف خلفه حتى يستقيم ويتصل، وينصح من وراءه أن "لينوا بأيدي إخوانكم"، فالجماعة تقتضي قدرًا من الليونة والمرونة لموافقة سائر الصف، وبعد ذلك تكون الطاعة للإمام "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا".   ولا يُقبل من أحد أن يشذ عن الصف، ويسبق الإمام فيركع مثله ويسجد قبله، ويحدث نشازًا في هذا البناء المنظم المتناسق، فمن فعل ذلك يخشى أن يمسخ الله رأسه رأس حمار.   ولكن هذا الإمام إذا أخطأ، فإن من حقِّ من وراءه- بل من واجبه- أن يصحح له خطأه سواء كان من غلطٍ أو سهو، وسواء كان الخطأ في القول أو الفعل، في القراءة أو في أركان الصلاة الأخرى.   حتى إن المرأة في الصفوف البعيدة تُصفِّق بيدها، لينتبه الإمام إلى خطئه.. إنها صورة مصغرة لنظام الجماعة الإسلامية، وما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين القيادة والجندية، فليست إمامة معصومة، ولا طاعة عمياء مطلقة" (انتهى كلام الدكتور القرضاوي).   وإن أعظم مثل نضربه للسمع والطاعة هو عمل خالد بن الوليد يوم جاءه كتاب أمير المؤمنين عمر بأن يسلم القيادة لأبي عبيدة بن الجراح، وكان في مواجهة مع الروم، وجيشه أربعون ألفًا والروم مائتا ألف، فخاض المعركة حتى حقق النصر- بإذن الله- وقبل أن يعود إلى خيمته ذهب لأبي عبيدة وسلَّمه كتاب عمر وراية القيادة، وانخرط جنديًّا في الجيش.   وما أروع وصف حافظ إبراهيم لهذا الموقف حيث قال: سل قاهر الفرس والرومان هل شفعت  له الفتوح وهل أغنى تواليها غزى فأبلى وخيل الله قد عُقدت   بالنصر والبشرى نواصيها لم يجز بلدة إلا سمعت بها   الله أكبر تدوي في نواصيها وخالد في سبيل الله موقدها   وخالد في سبيل الله صاليها أتاه أمر أبي حفص فقبَّله    وعزة النفس لم تُجرح حواشيها وهناك شبهة ثانية تتعلق بالجماعة والحزب، ولماذا لا تسمح الجماعة لأعضائها إلا بالانضمام لحزبها؟ ويرى البعض أن توزع الأفراد على أحزاب متعددة أحدها يهتم بالسياسية، والثاني بالتنمية، والثالث بالاقتصاد، والرابع بالبيئة.. إلخ، يساعد على نشر الدعوة والفكرة في المجتمع، ويرى البعض أن من حقِّ مَن يؤمن بالاقتصاد الحر أن ينتمي لحزبٍ ليبرالي، ومَن يؤمن بالاقتصاد الاشتراكي أن ينتمي لحزب يساري، وكذلك من حق مَن يؤمن بالنظام الرئاسي أن ينتمي لحزب يؤمن بذلك، والذي يؤمن بالنظام البرلماني أن ينتمي لحزب يؤمن أيضًا بذلك.   وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (لماذا لا يصح أن يكون للجماعة أكثر من حزب؟) نلخصه فيما يلي:   الحزب عبارة عن مؤسسة، أي تنظيم في خدمة فكرة، وأعضاء الحزب يشتركون في الأفكار السياسية، ويعملون من أجل وضعها موضع التنفيذ.   ووظائف الحزب أهمها: 1- نشر إيديولوجية الحزب بين الناخبين؛ حيث يسعى كل حزب للحصول على أكبر عدد من المؤيدين، عن طريق إقناع الناخبين بإيديولوجية وبرنامجه الانتخابي، وفي سبيل ذلك تسعى الأحزاب السياسية كي تنشر إيديولوجيتها إلى مواجهة الأحزاب الأخرى ونقد برامجها.   2- اختيار مرشحي الحزب في الانتخابات، ودعمهم للنجاح للوصول للمجلس التشريعي.   إذًا فالحزب تنظيم يحمل فكرة يترجمها إلى برنامج وسياسات يسعى لإقناع الناس بها، ويسعى للحصول على تأييد الرأي العام، ويرشح بعض أعضائه ويؤيدهم ويواجه الأحزاب الأخرى وينقد برامجهم وينافسهم على الرأي العام وعلى مقاعد البرلمان؛ للوصول إلى السلطة لتنفيذ سياسته وبرامجه.   والجماعة هيئة إسلامية جامعة والسياسة جزء من نشاطها، والرؤية الإسلامية والمنهج الإسلامي هو رائدها، والحزب الذي أنشأته (الحرية والعدالة) هو الذي يحمل هذه الرؤية وهذا المنهج، ويسعى للمنافسة على الرأي العام ومقاعد البرلمان وتحقيق السياسات والبرامج، فكيف يتسنى لشخص يؤمن بهذه المبادئ ويرى هذه الرؤية ويهدف إلى تحقيق السياسات والبرامج أن ينتمي لحزبٍ يخالف كل هذه، وينافس هذا الحزب وينتقده ويسعى لتنفيذ برنامج آخر، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103) ويقول: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ثم ألا يتسبب ذلك في ضعف حزب الجماعة التي ينتمي إليها ويناقض نفسه بدعوى الإيمان بمبادئها ويسعى لهدمها في الواقع، وهل يصح للمرء أن ينافس نفسه، أو ليدٍ أن تعارض أختها؟   حينما طرح هذا السؤال على الدكتور وحيد عبد المجيد في حلقة تلفزيونية قال: إنه من المنطقي والطبيعي ألا تسمح الجماعة لأعضائها بالانتماء لحزب آخر ما دامت قد شكلت حزبًا يمثلها.   أما القول بتوزيع الناس على أحزابٍ شتى لكل منها اهتمامه، فبالإضافة إلى أنه قول من شأنه أن يفتت الجماعة ويضعف حزبها ويفتت الكتلة التصويتية المؤيدة لها، وبالتالي يعطي لخصومها الفرصة للفوز عليها، فهذا القول يجهل حقيقة الأحزاب، فالحزب منظمة تعمل في مجالات شتى، فقد جاء في القانون رقم 40 لسنة 1977م تعريف الحزب كما يلي: "يقصد بالحزب السياسي كل جماعة منظمة تؤسس طبقًا لأحكام هذا القانون، وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة، وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة.."، إذا فكل الأنشطة التي وزعها هذا القول على عديد من الأحزاب، إنما هي صلب نشاط كل حزب على حدة، ومن ثَمَّ يجب جمعها في حزب واحد.   أما القول بأن مَن يؤمن بالاقتصاد الحر عليه أن ينتمي إلى حزب ليبرالي... إلخ.   فهو قول يكاد يرمي الإسلام بأنه لا رؤيةَ له ولا منهج في مجال الاقتصاد، وقديمًا كتب الشيخ الغزالي- عليه رحمة الله- في كتابيه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) و(الإسلام المفترى عليه بين الرأسمالية والاشتراكية) ما معناه أن المذاهب الاقتصادية الحديثة قد تتفق مع الإسلام في بعض الفروع، فالرأسمالية تتفق معه في حقِّ التملك وحرمة المال الخاص الحلال وتشجيع القطاع الخاص، والاشتراكية قد تتفق معه في إقرار حقوق العمال، ومكافحة الاستغلال والفقر، وكفالة الضمان الاجتماعي، ولكن لا يعني ذلك أن الإسلام رأسمالي كما كتب البعض أو اشتراكي كما كتب البعض الآخر، بل الإسلام هو الإسلام، وهو قائم بذاته منذ أنزله الله وإلى يوم القيامة، فالذي يدعو لتوزيع الناس على الأحزاب اليمينية واليسارية لا يعلم هذه الحقيقة.   أما مَن يميل إلى النظام الرئاسي أو النظام البرلماني فيذهب كل منهما إلى حزبٍ متوافقٍ معهما تاركين حزب الجماعة فهو كلام غريب، فهذا الأمر لا يستأهل هذا التفرق، وهناك حل سهل أن يطرح كل منهما رأيه على مَن لهم حق وضع برنامج الحزب والرأي الذي تنتهي إليه الأغلبية ينزل عليه الجميع إلا إذا كانت هناك رغبة في تمزيق روابط الجماعة، وتفكيك لحمتها، وهدم كيانها- حفظها الله بعينه وكلأها برعايته-.   أما الشبهة الثالثة فتقول إن الجماعة لا تلزم أحدًا من أعضائها بمذهبٍ فقهي معين، فكيف تلزمهم بحزب سياسي معين؟   وهذا القول لا يعرف الفرق بين الفقه والفكر، فالمذاهب الفقهية هي مدارس لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وكلها تدين بالولاء لله والرسول، وتجهد نفسها لمعرفة حكم الله في كلِّ القضايا لتلتزم بها ومرجعيتها العليا الشريعة الإسلامية، ومصادر التشريع هي القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من المصادر، فكلها نابعة من منهج فكري واحد، أما الأحزاب السياسية فتتعدد فيها الرؤى والأفكار، معظمها مستمد من أفكار غربية بعضها علماني متطرف قد يُنكر الدين جملةً، وبعضها علماني معتدل يتخذ موقفًا محايدًا من الدين، ولكنه يُقصر دوره على الجانب الروحي والخلقي وفي المساجد فقط، ويحصر الدين في العلاقة بين العبد وربه، ومعظمها يتبنى الديمقراطية الغربية بكلِّ ما فيها، وبعضها يؤمن بالاقتصاد الليبرالي، وبعضها بالاقتصاد الاشتراكي، وما موقف كثير من هذه الأحزاب من العلاقة بين الدين والسياسة وموقفها الرافض للشريعة الإسلامية بخافٍ على أحد.   لذلك أنشأنا حزب "الحرية والعدالة" بمرجعيته الإسلامية، وطلبنا من أهلنا الراغبين في العمل السياسي الانضمام إليه والعمل من خلاله.   فقياس الفقه على الأحزاب قياس خاطئ. هذا ما أردت توضيحه، وأرجو الله أن أكون قد وُفقتُ لهذا، كما أرجوه سبحانه أن يشرح له الصدور، ويفتح قلوب الناس إلى الحق، وييسر لهم النزول عليه، وألا يجعلنا ممن يبطرون الحق ويغمطون الناس.   ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)﴾ (طه)، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)﴾ (الأعراف).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل