المحتوى الرئيسى

> خرافات ثورية

05/24 21:03

 الخرافة في أبسط تعريف هي "الربط بين ظواهر لا رابط بينهما"، كأن تربط بين مشكلة في العمل وقط أسود رأيته في الصباح، أو بين الخير وسكب القهوة، طبعا هذه أشكال بسيطة من الخرافة، تتطور تدريجيا إلي الربط بين الغضب الإلهي وإعصار كاترينا، وقد تتخذ الخرافة متكئًا يستند إلي بعض المنطق كالتفاؤل عند نزول المطر، فالمطر قد يساعد الفلاحين لكن لا علاقة له بنتيجتك في الامتحان، يتسع ويضيق حديث الخرافة ويخلطه البعض بالدين ويرجعه البعض إلي الحضارات القديمة، لكننا هنا بصدد خرافات ما بعد ثورة يناير، في الأحداث الكبري تزداد الآمال والمخاوف، وتزداد الشائعات، وأيضًا تزداد الخرافات التي تتخذ طابعًا سياسيا هذه المرة، نتناول بعضًا منها هنا: استعادة الثقة بين الشعب والشرطة : يستند هذا الشعار إلي خرافة أساسية تفترض أنه كان هناك ثقة بين الشعب والشرطة والآن نريد أن "نستعيدها"، طبعا نحن نعرف أن المقدمات الخاطئة تقود إلي نتائج خاطئة، وإذا انطلقنا من مقدمة تدّعي أن ثقة ما كانت متوفرة بين المواطن ورجل الشرطة، فإننا سنصل إلي نتيجة خاطئة هي : محاولة "استعادة" ثقة لم تكن موجودة يومًا، ومن يبحث عن شيء غير موجود - لا نحتاج إلي ذكاء كبير كي نعرف أنه - لن يعثر عليه أبدًا، أما لو انطلقنا من المقدمة الصحيحة وهي أننا نريد "بناء" ثقة بين المواطن ورجل الشرطة لأول مرة في تاريخنا، فإننا سوف نصل إلي الإجابة الصحيحة التي تتطلب الجهد المثابر والطويل مهنيا وتعليميا. هيبة الدولة : علي غرار استعادة الثقة، يبحث الكثيرون عن كيفية استعادة "هيبة الدولة"، والواقع أن المصري - صاحب أقدم دولة في التاريخ - لا يمكنه - حتي لو أراد - أن يتناسي هيبة الدولة، فهي في جيناته وثقافته وأمثاله الشعبية، إن تزايد الاعتصامات الفئوية لا يعني افتقاد هيبة الدولة بل يعني العكس تماما، كل هؤلاء المضربين يضعون آمالهم في "الدولة"، ويدركون أن حل أزماتهم أو تعقيداتها في يد الدولة، إن التظاهرات اليومية أمام مقر مجلس الوزراء لا تعني سوي مزيد من الإيمان بالدولة، وتفجر كل هذه الاحتجاجات في وقت واحد هو مزيج من الآمال التي يسببها الاحساس بالتغيير "في الدولة"، و تخبط الدولة في تقديم برنامج واضح يطمئن هؤلاء، بالمقابل، فإن هيبة الشرطة لن تترسخ بأن يبتسم المواطن في وجه الشرطي ويهتف معه "إيد واحدة"، بل في أن يقوم الشرطي بعمله علي الوجه الصحيح، المواطن الطبيعي لن يضرب رجل المرور بشاكوش علي رأسه بسبب مخالفة، من يفعل ذلك هو المواطن المجرم، والقبض علي المجرم يعيد هيبة الشرطة بدون الحاجة إلي الهتافات التليفزيونية. كفاية مظاهرات خلوا الناس تشتغل: الخرافة كما أسلفنا ربط غير منطقي بين ظواهر مختلفة، ومع ذلك بذل الكثيرون جهدا طيبا في إقناع الناس بأن مظاهرات التحرير لا علاقة لها بتعطيل الإنتاج، لم يكن ذلك المجهود بالكلام فقط بل بتحديد يوم الإجازة الجمعة للتظاهرات، وتعليق الاعتصامات في الميادين والشوارع.. إلخ، لم يتحسن الاقتصاد إذ لا علاقة له بمظاهرات التحرير ولكن الناس لم يتوقفوا عن الربط غير المنطقي (مظاهرات / الناس تشتغل)، الإصرار علي الربط بين الظاهرتين تأكيد جديد علي خرافية العلاقة بينهما، لاغرابة فمازال المواطن العادي يقول "الفلسطينيين باعوا أرضهم" رغم كل ما بذل لفضح تلك المقولة، من هنا نفهم أن استقرار خرافة "المظاهرات وتعطيل الإنتاج" لا علاقة له بالمنطق، بل هو مجرد جواب سهل منحته السلطة ليفسر به الناس قلقهم المشروع، فلا يسألون أنفسهم ما علاقة التحرير بتوقف الإنتاج في مصانع المحلة، في الوقت الذي تعمل فيه محلات طلعت حرب وباب اللوق بكامل طاقتها دون أي تعطيل للإنتاج. الثورة دمرت السياحة : هنا أول علاقة واضحة ومنطقية بين مسألتين، لكن بالنظر إلي الأرقام الرسمية فإن السياحة انخفضت بنسبة 55 بالمائة في الربع الأول من العام الجاري، لا يبدو ذلك مفزعا جدا مقارنة بانهيار السياحة في زمن إرهاب منتصف التسعينيات، وقتها كان العثور علي لبن العصفور أسهل من العثور علي سائح في الأقصر، استمر الانهيار آنذاك سنوات عدة ولم تدخل مصر في مجاعة، علمًا بأن سياح مصر الآن ازدادوا بما يقرب من ضعف عددهم قبل عشر سنوات، ما يعني أن عدد السياح ومعدل إنفاقهم - حتي بعد خصم النصف الذي أبعدته الثورة- لا يختلف كثيرا عن عدد السياح في الظروف الطبيعية نهاية عقد التسعينيات. وللحديث بقية. شاعر وكاتب

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل