المحتوى الرئيسى

خطاب يشرح خطاب!بقلم:جواد البشيتي

05/24 21:01

خطاب يشرح خطاب! جواد البشيتي بعد خطابه الثاني، التوضيحي، وما تضمَّنه من حقائق احتجَّ بها على صواب رأيه، ومن بيِّنات قد تُعينه على درء التُّهم عن نفسه، هل اقتنعت حكومة نتنياهو بصدق أوباما في نيِّاته ودوافعه، وبصدق صداقته لإسرائيل، وحرصه على بقائها بمأمنٍ من شرور استمرار "الصراع" في هذا المناخ الشعبي الثوري العربي؟ كلاَّ، لم تقتنع؛ فهي تدعو الله أنْ يكفي إسرائيل شرَّ صداقة (ومحبَّة) أوباما لها؛ وهذا الشر هو، على ما تحسب حكومة نتنياهو، نكوص أوباما عن "أهم التزام" هو التزام سيِّد البيت الأبيض على وجه العموم ألاَّ يدعو إسرائيل (علانيةً على وجه الخصوص) إلى فِعْل أشياء لا تريد له أنْ يدعوها إلى فعلها، ولو كان دافعه الحرص (والإفراط في الحرص) على أمن الدولة اليهودية ومستقبلها. أوباما ظلَّ في خطابه الثاني مستمسكاً بـ "المبدأ (الحدودي)" ألا وهو أنْ تكون (أو تصبح) حدود 1967 حدوداً دائمة نهائية بين الدولتين (إسرائيل والدولة الفلسطينية). وانطلاقاً من هذا "المبدأ (الحدودي)" يتفاوض الطرفان، توصُّلاً إلى حلٍّ لمشكلة الحدود؛ لكنَّ أوباما "تَذكَّر"، في خطابه الثاني التوضيحي، ما تضمَّنته، في هذا الصدد، "رسالة الضمانات" التي سلَّمها بوش لشارون، فقال بضرورة أنْ يراعي الحل النهائي لمشكلة الحدود (أي لمشكلة خطِّ الرابع من حزيران 1967) الحقائق الديمغرافية الجديدة؛ فإنَّ لإسرائيل الحقَّ، على ما قال أوباما ضِمْناً، في أنْ تضمَّ إليها مراكز الاستيطان اليهودي (في الضفة الغربية) المحاذية، الملاصقة، المجاورة، لذاك الخط. وهذا "الحق" إنَّما يعني أنَّ يُعدَّل خط الرابع من حزيران 1967، على أنْ يقوم هذا "التعديل (الحدودي) على مبدأ "تبادل الأراضي"، الذي بموجبه يتنازل الفلسطينيون (وينبغي لهم أنْ يتنازلوا) عن "طيب خاطر" عن جزء من أرضهم تشغله مراكز الاستيطان تلك. وحتى يتنازلوا ينبغي لإسرائيل أنْ تعوِّضهم من أراضيها ما خسروه من أرضهم. وهذا "التعديل الحدودي"، مع مبدأ "تبادل الأراضي"، هو ما يُفسِّر قول الرئيس أوباما إنَّ حل مشكلة الحدود لن يتأتى إلاَّ من طريق التفاوض بين الطرفين. حكومة نتنياهو (وإسرائيل على وجه العموم) ليست ضدَّ تعديل الحدود، ولا ضدَّ تبادل الأراضي؛ لكنَّها ضدَّ أنْ يأتي "التعديل" و"التبادل" بما يتعارض مع "بقاء القدس الموحَّدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل"، ومع "المصلحة الأمنية ـ الإستراتيجية" لإسرائيل في الاحتفاظ بوجود عسكري لها (طويل الأجل) على طول نهر الأردن (أو في مناطق وأجزاء من شرق الضفة الغربية) وكأنَّ "الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح" لا تكفي وحدها لتلبية حاجة إسرائيل الأمنية. أوباما ليس ضدَّ هذه "المصلحة الأمنية ـ الإستراتيجية" لإسرائيل؛ لكنه يميل إلى خدمتها والحفاظ عليها في غير هذه الطريقة (الوجود العسكري الإسرائيلي طويل الأجل). وينبغي لنا أنْ نفهم قوله "ضرورة أنْ تكون للدولة الفلسطينية حدود مع الأردن (ومصر)" على أنَّه موقف لا يتعارض مع تلك "المصلحة الأمنية ـ الإستراتيجية" لإسرائيل التي لا تعترض، من حيث المبدأ، على أنْ تكون للدولة الفلسطينية حدود مع الأردن. دَعُونا الآن نفترض أنَّ الفلسطينيين قَبِلوا (قبولاً تاماً) هذا الحل الإسرائيلي لمشكلة الحدود (والذي لا يتعارض، في جانبه الخاص بالقدس الشرقية، مع حلٍّ ما لمشكلة الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية) فهل تَقْبَل إسرائيل، عندئذٍ، قيام دولة فلسطينية؟ كلاَّ، لن تَقْبَل إلاَّ إذا "اشترى" الفلسطينيون هذا "التنازل (الإقليمي) الإسرائيلي" بـ "الثَّمن" الذي تريده إسرائيل، ألا وهو قبولهم حلَّ مشكلة "حقِّ العودة" في خارج إقليم دولة إسرائيل، واعترافهم بها على أنَّها دولة "الشعب اليهودي" حصراً. لكن، لماذا يراد لمشكلة الحدود أنْ تُحَلَّ بما يراعي "الحقائق الديمغرافية الجديدة"، أي بما يعطي إسرائيل الحقَّ في أنْ تضمَّ إليها مراكز الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها؟ الجواب الذي تتوافق عليه إسرائيل والولايات المتحدة هو "لأنْ ليس مقبولاً جَعْل تلك المراكز خاضعة للسيادة الفلسطينية، فالأراضي الفلسطينية التي تركَّز فيها الاستيطان اليهودي يجب أنْ تصبح، مع المستوطنين، جزءاً من إقليم دولة إسرائيل، وخاضعة للسيادة الإسرائيلية فحسب". وفي هذا الجواب يكمن "حقٌّ" ينبغي للفلسطينيين أيضاً أنْ يتمتَّعوا به؛ فليس مقبولاً فلسطينياً أيضاً أنْ تظل المراكز السكَّانية العربية (الفلسطينية) في إسرائيل خاضعة للسيادة الإسرائيلية؛ ولا بدَّ، من ثمَّ، من جعلها جزءاً من إقليم الدولة الفلسطينية، وخاضعة للسيادة الفلسطينية فحسب. إنَّ "الحيثية الديمغرافية" لتعديل الحدود، وتبادل الأراضي، يجب أنْ تصبح فلسطينية أيضاً، فالتغيير الجغرافي بما يراعي "الحقائق الديمغرافية" يمكن ويجب أنْ يغدو مطلباً فلسطينياً أيضاً؛ فإذا لُبِّي اكتسب حل مشكلة "حق العودة" ضمن إقليم دولة فلسطين معنىً جديداً. أقول هذا، وأقول به، وأنا أعلم أنَّ إسرائيل سترفضه متذرِّعةً بذريعة تلمودية صرف؛ فهي ستقول إنَّ أراضي الضفة الغربية كلها هي في الأصل جزء من أرض إسرائيل، وإنَّ "عرب إسرائيل" لا حقَّ لهم في الأصل في ملكية الأرض التي يعيشون الآن فيها. لكن، ما هي "الأهمية السياسية ـ العملية" لخطابيِّ أوباما (في ما يخصُّ النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين)؟ لِنَفْتَرِض أنَّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد دعا أوباما إلى أنْ يدعو الطرفين إلى استئناف المفاوضات المباشرة وُفْق "مبادئ أوباما" على أنْ تلتزم إسرائيل أوَّلاً وقف كل نشاط استيطاني لها في الضفة الغربية والقدس الشرقية. عندئذٍ، سيصم الرئيس أوباما أُذنيه؛ أمَّا إذا فتحهما، وتجرَّأ على الكلام، فسوف نسمعه يقول إنَّ المصالحة الفلسطينية هي أيضاً عقبة في طريق استئناف مفاوضات السلام؛ وينبغي للرئيس الفلسطيني أنْ يذلِّل هذه العقبة بأنْ ينكص عن هذه المصالحة، أو بأنْ ينتزع من "حماس" اعترافاً بحق إسرائيل في الوجود. أمَّا إذا لم يُلبِّ عباس هذا الشرط لاستئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل فإنَّ عليه، بحسب وجهة نظر أوباما، أنْ يتخلَّى عن سعيه إلى الحصول على اعتراف من الجمعية العمومية للأمم المتحدة (في أيلول المقبل) بدولة فلسطينية (أو بحق الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة) ضمن حدود 1967. إنَّ على الفلسطينيين الآن أنْ يقفوا موقفاً إيجابياً، من حيث المبدأ، مِمَّا قاله أوباما في خطابيه؛ على أنْ يمضوا قُدُماً في سيرهم نحو الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإذا نالوا منها الاعتراف بأنَّ لهم الحق في أنْ تكون لهم دولة قومية مستقلة ذات سيادة يشمل إقليمها أراضيهم التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 سارعوا إلى إعلان قيامها كما فعل اليهود سنة 1948. وهذا الإعلان المُقْتَرِن باعتراف دولي واسع بالدولة المُعْلَنة يجب أنْ يهيِّئ المناخ لحراك شعبي فلسطيني (سلمي) واسع ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية، وانتصاراً لحقِّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة؛ وهذا الحراك يجب أنْ يشمل، هذه المرَّة، اللاجئين الفلسطينيين في خارج فلسطين. إنَّ أيلول المقبل يجب أنْ يكون موعداً لضمِّ فلسطين "رسمياً" إلى "الربيع العربي".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل