المحتوى الرئيسى

هدية للباشا الصغير

05/24 13:59

يحكى أن رئيس مجلس إدارة شركة مصرية كبيرة، ذهب إلى محل شهير لشراء هدية لابنه الوحيد بمناسبة عيد ميلاده العشرين. فقابله مدير المحل بحفاوة شديدة قائلا له: «أهلا سعادة الباشا، وصلتنا بضاعة مستوردة حديثا بالتأكيد سوف تعجب الباشا الصغير، ولحسن الحظ عليها تخفيض النصف لفترة قصيرة»، وقاده المدير نحو مكان عرضها، فاختار أجودها وقال لنفسه مبتسما: «من المؤكد أنها ستعجب ابنى وأمه كثيرا». ولم يهتم لعدم وجود اللافتة التى توضع دائما على السلع المخفضة، موضحة السعر قبل التخفيض وبعده. واتجها معاً للخزينة، وقال مدير المحل لأمين الخزينة بصوت خافت: «فاتورة بألف جنيه فقط بدلا من ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين للباشا الكبير!». فدفع المبلغ وسط ذهول الزبائن المتواجدين بالقرب منهم، الذين لم يمنحوا أى خصم على هذه السلعة، فصرفوا النظر عن شرائها لارتفاع سعرها الحقيقى المعلن. وفى دقائق خرج من المحل ومعه المدير شخصيا حاملا صندوقا بغلاف فضى كتب عليه «عيد ميلاد سعيد» ليصطحبه حتى سيارته. جلس الرئيس بالمقعد الخلفى لسيارته الفارهة، وأخذ يستعرض شريط حياته وهو فى طريقه إلى منزله الذى أقام فيه منذ أن كان موظفا صغيرا، رافضا تماماً تركه للانتقال إلى منزل آخر حسب رغبة زوجته - رفيقة عمره التى أحبها وأحبته منذ أيام الدراسة - ورغم إلحاحها المستمر لإقناعه بضرورة السكن فى فيلا بحديقة وحمام سباحة. وقد عارضها دائما فى ذلك، وكان رده قاطعا لا يتغير أبدا: «أنت عارفة كويس إن البيت ده وش السعد علىَّ». واعترف بفضل زوجته عليه، ودورها الذى لا يمكن إنكاره فى صعوده إلى القمة، وتحملها العبء الأكبر فى تربية ابنه، لغيابه المتكرر بسبب ظروف عمله. كما تذكر اليوم بأدق تفاصيله منذ أكثر من ثلاثين عاما، عندما ترقى إلى مدير عام، وأبلى بلاء حسنا، فشد انتباه مالك الشركة الرئيسى، الذى تبناه وساعده على اكتساب الخبرات البعيدة عن تخصصه ليعده لتولى موقع القيادة. أمسك الرئيس وجهه متحسسا التجاعيد التى ظهرت عليه، بسبب إرهاق العمل وثقل السنين، وهو ما ذكره بزحف البياض إلى شعر رأسه، الأمر الذى أقلق زوجته وجعلها تلح عليه بضرورة الاهتمام بمظهره، وتناول العقاقير التى يقولون إنها تعيد الشباب. حتى سنحت له الفرصة خلال زيارة عمل له لباريس، فتردد على عيادات التجميل هناك، وانطلق فى العلاج، فبدأ الشعر الأبيض يتقهقر، حتى تغلب اللون الأسود عليه تماما. أما التجاعيد فكان أمرها أصعب، ولكنه نجح فى أن تستعيد بشرته بعضا من نضارتها. وقد قام فى بداية العلاج بدفع ثمنه نقدا من جيبه الخاص. إلا أن نقوده نفدت بسرعة، فاستخدم بطاقة الائتمان الخاصة بالشركة لتسديد فواتير العمل فقط. وفوجئ عند عودته بأن أحدا لم يحدثه فى أمر فواتير عمليات التجميل، وعلم فيما بعد أن مدير الحسابات تكرم بالموافقة على صرفها خصما من حساب خاص ووقع عليها بما يفيد ذلك. ثم جاء على باله موضوع سكنه مرة أخرى وكيف توصل إلى اتفاق مع زوجته بهذا الشأن، فبدلا من أن ينتقل من مسكنه إلى مسكن آخر أوسع وأفخم بالعاصمة، قام بشراء شاليهات فخمة، بالساحل الشمالى، والغردقة، وشرم الشيخ التى اشترى بها وحدها ثلاثة شاليهات. شاليه باسم كل فرد فى الأسرة بموقع فريد على خليج مختلف من خلجانها الزمردية الرائعة. وكان فى البداية، يقضى كل نهايات الأسبوع بأحد الشاليهات، ثم قام بضم الإجازات الرسمية بنهايات الأسبوع، وتطور الأمر فيما بعد بعقده اجتماعات عمل مع عملاء الشركة وموظفيها بأحد فنادق شرم الفاخرة. وشيئا فشيئا، انتقل ليقيم بشرم بصفة شبه دائمة، وكلف مدير مكتبه بتصريف الأمور، وأصدر أوامره بعدم عرض أى أمر عليه لا يتطلب توقيعه، طبقا للقانون، ولائحة العمل بالشركة. واستطاع بهذه الطريقة أن يبتعد عن ضوضاء العاصمة وزحامها، وضغوط الحياة المستمرة فيها. وبهروبه هذا حصل على رضا زوجته وتصرف ابنه رغم صغر سنه أثناء غيابه كرجل البيت. مكنته الحياة فى شرم من تحمل عبء المسؤولية الملقاه على عاتقه لفترة طويلة لم يقدر عليها أى من جلسوا على مقعده من قبل، فهى تطيل العمر فعلا، بمنتجعاتها التى تعج بالسياح الأجانب بوجوههم البشوشة وروحهم المرحة التى هى على النقيض من حياة الغالبية العظمى من المصريين الكئيبة والتعيسة، هؤلاء الغلابة البؤساء الذين لا يكفون أبدا عن الشكوى من كل شىء فى البلد. لا شك أن حياة الاستجمام والاسترخاء تنسى المرء هموما كثيرة، وتجعله يغوص فى عالم مرجانى بديع بعيدا عن مشاكل الموظفين وطلباتهم التى لا تنتهى أبدا. أفاق الرئيس من رحلته والسائق يفتح له باب السيارة قائلا: «حمداً لله على السلامة يا سعادة الباشا». أخذته الذكريات إلى أمكنة كثيرة وأزمنة بعيدة فى قصة كفاحه الطويل. نزل من السيارة حاملا الهدية وتقدم لفتح باب المنزل، فوجد زوجته وابنه جالسين على كنبة، فتقدم منهما وعلى وجهه ابتسامة عريضة، إلا أنه فوجئ بتجهم الابن وتجمده فى مكانه وببرود استقبال زوجته له. غابت الابتسامة عن وجهها ومدت يدها إلى ابنها لتحنو عليه. وتقدم نحوهما ومد يديه بالهدية إلى الابن وهو يقول له: «جبتلك هدية جميلة، أنا واثق إنها....»، ظهر الامتعاض الشديد على وجه الأم، وقبل أن يكمل الأب جملته، قام الابن من مكانه بسرعة وركل الهدية بكل قواه معنفا والده: «مش عايز القرف ده، أنا مش عايز غير.........».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل