المحتوى الرئيسى

24 قيراط عذاب

05/24 13:53

التقيت الأسبوع الماضي  صديقاً سورياً يعمل بالإعلام و كنا لم نلتق منذ مدة. حياني وهنأني بالثورة المصرية، فقلت له إنني كنت بدوري أود أن أهنئه بنجاح ثورة الشعب السوري لولا أن هذا لم يحدث بعد لأسباب يطول شرحها.صارحني الصديق بأمر بعث في داخلي دهشة شديدة..قال: رغم رؤيتي للسعادة في أعينكم معشر المصريين بالثورة التي تخلصتم فيها من حسني مبارك، إلا أني لا أكتمك أشعر بأنكم غامرتم و خضتم صراعاً دامياً لم تكن عواقبه مضمونة ضد قوات أمن شرسة، في حين أن الاوضاع عندكم لم تكن بالغة السوء علي النحو الذي يجعل من القيام بالثورة أمراً لا مناص منه!. قلت له: لا أفهمك..ماذا تقصد؟. قال: لو أنك رأيت أجهزة الأمن السورية لعرفت النعمة التي كنتم فيها، و لو طالعت وحشية الجيش السوري في إخماده للمظاهرات الوطنية لحمدت الله علي جيشكم الوطني النبيل، و لو تابعت حالة الإعلام السوري المقيت الذي يشبه إعلام اوروبا الشرقية أثناء الحرب الباردة لأدركت أنكم عشتم في حرية كبيرة في ظل مبارك...لقد كنت أطالع ما تكتبونه في مصر، و أنت بالذات.. لقد قرأت كتبك و مقالاتك و كلها ضد النظام بشكل مباشر و مع ذلك في حدود علمي لم ينلك سوء من مبارك و أجهزته.قلت له: من ناحية شكر الله علي الجيش الوطني الذي رفض أن يفتح النار علي شعب مصر فأنا أؤيدك تماماً، أما في باقي الأشياء التي ذكرتها فاسمح لي أن أختلف معك اختلافاً تاماً..يا صديقي، الطغاة العرب لا يختلفون عن بعضهم البعض لا في النوع و لا حتي في الدرجة..كلهم ذلك الرجل..و لكي أوضح ما أقصد سأضرب لك مثلاً.. لقد زرت دمشق مراراً و رأيت رغيف الخبز الجميل الشهي الذي تأكلونه..لو أن رغيف الخبز الذي كان يصنعه الحزب الوطني بمصر كان بهذه الروعة لربما تردد قطاع ممن قاموا بالثورة في الخروج علي مبارك و إسقاطه..يا صديقي إنني لا أنكر هامش حرية التعبير الذي كان موجوداً، لكن لا بد أن تعلم أن هذا الهامش لم يكن مستقرأ بل كان يتسع و يضيق حسب مزاج الحاكم، فضلاً عن أن ما دعا إليه ليس أريحية مبارك و حنان قلبه، و لكن لأن مستوي السرقة و النهب و غرْف الأموال الذي قام به مبارك و عائلته و أصدقاءه و نسانيسه و عناكبه كان غير مسبوق بحيث أنه حرم الرضيع من الحليب و حرم الخريج من العمل و حرم الفتاة من الزواج و المريض من الدواء و قطع طريق الأمل علي الناس جميعاً لدرجة أنْ جعل الكثيرين يتمنون الموت..لأن مبارك فعل ذلك كله فإنه لم يكن بإمكانه أن يحرم الناس من حرية الصراخ و النباح. كان يجعلهم يكتبون و يتكلمون حتي تتشقق حناجرهم دون سميع أو مجيب..حرية التعبير النسبية كانت ضرورية بسبب بشاعة السرقة و قسوة النهب و غلظة القبضة الأمنية. أما أنتم فإنكم تعيشون مع نظام أكثر بربرية من ناحية القبضة الأمنية الغليظة، و سبب ذلك أنكم ما زلتم تأكلون و ما زال أغلبيتكم يجدون أسقف تأويهم، لذلك لا يمكن أن تحلموا بقدر من المعارضة مثل التي كانت موجودة لدينا.إن كل واحد من الطغاة منح شعبه 24 قيراط عذاب..منهم من اهتم بالتجويع أكثر، و منهم من وجد سعادة أكبر في ضرب الناس بالسياط..منهم من قدم خلطة متوازنة بها الإفقار و الذل و المبيت علي الطوي، و منهم من استمتع بوشي الأخ بأخيه و خيانة الزوجة لزوجها..أنتم في سوريا كان لديكم خبز جيد، لذلك كان لا بد للحاكم أن يكمل القراريط الأربع و العشرين صفعات علي الوجه و ركلات في البطن و ضرب بكعوب البنادق، أما نحن في مصر فإن مبارك كان يستورد لنا قمحاً فاسداً لا يصلح علفاً للحيوانات و يصنع منه خبزاً لا يؤكل، لهذا كان يكفينا الجوع الكافر و الرعب من أجهزة الأمن و الموت علي الرصيف..لذلك لا تحسدنا علي حرية الصراخ التي تمتعنا بها فقد نلنا نصيبنا مثلكم تماماً و حصلنا من حاكمنا المجرم علي نفس ال 24 قيراط عذاب!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل