المحتوى الرئيسى

سحر النادى تكتب: أنت كنز مصر (٢ من ٢)

05/24 09:04

سحر النادى تكتب: أنت كنز مصر (٢ من ٢) 24 مايو 2011 | (خاص) الجريدة – كتبت سحر النادى في اليوم التالي لخطاب الرئيس الأمريكي عن سياساته تجاه الشرق الأوسط، جاءتني “أم سيد” الخادمة مقطبة الجبين وبادرتني قائلة : -”الناس في الحتة عندنا مش مبسوطة من خطاب أوباما” -”ليه يا أم سيد؟” -”علشان المعونات اللي عاوز يديها لمصر، اشمعنى دلوقتي؟ كانوا فين من زمان؟” وأم سيد تسكن في حي فقير ولا تكتب أو تقرأ، وعندها أربع أولاد وزوج معاق تصرف عليهم كلهم وحدها من عملها الشاق، إلا أنها مثقفة ومستنيرة جدا، فكل صباح تتجاذب معي أطراف الحديث عن آخر التطورات الاجتماعية والسياسية، وتنبهني لمشاهدة البرنامج الفلاني لأن الدكتور العلاني قال في اللقاء “كلام كويس”. وهكذا حاولت استدراجها لتفصح لي عن رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل مصر الاقتصادي، فقلت لها: -”معلش يا أم سيد المسامح كريم، مش يمكن الراجل كتر خيره عاوز يساعدنا في وقت زنقة؟” فأجابت بانفعال: -”لأ يا ست، هي الحداية بترمي كتاكيت؟ لازم نعرف وراها إيه المعونات دي؟ الله الغني عن فلوسهم، إحنا نشتغل أحسن وناكل من عرقنا على قد ما ربنا يرزقنا، أحسن من ذُلّ الديون”. وفي إحدي محاضراتي العامة عن دورنا بعد الثورة في إعادة بناء مصر، وتأكيدي على أهمية التفكير الابتكاري لإيجاد حلول غير تقليدية لمشاكلنا المزمنة، قام شاب من الجمهور من خلفية شعبية وقدم اقتراحه بعفوية وبابتسامة متفائلة فقال: - “ليه الحكومة ما تعملش خطة لعشرين سنة قدام وبعدين يقولوا لنا عليها، بس بدل ما ينشروها في الجرنال اللي بنلف فيه سندوتشات تاني يوم، ينشروها في كتاب يبيعوه لنا بخمسة جنيه، وكل مصري يشتري كتاب خطة الحكومة بخمسة جنيه بدل ما يشحن بيهم المحمول، وبكده نفك زنقة الحكومة، وفي نفس الوقت كل واحد فينا يقرا الكتاب ويشوف يقدر يعمل إيه لمصر في العشرين سنة الجايين”. هذان النموذجان من وجهة نظري أمثلة حية على الوعي الفطري للإنسان المصري العادي. فنحن كنا دائما نحترم المشاهير والعلماء من أمثال زويل والباز ومجدي يعقوب ونعتبرهم الواجهة الحضارية الوحيدة لمصر، كأننا جميعا لا نرقى لهذا الشرف، ولكن في التحرير اكتشفنا أن مصر ليست فقط القاهرة واسكندرية والمشاهير والعلماء، ولكنها تعيش في قلب ٨٠ مليون بطل يستحق كل منهم التبجيل والاحترام. فرغم بساطة النشأة، وندرة فرص التعليم والثقافة، وتراكم غبار الإهمال طوال عقود مظلمة، رغم كل ذلك، مازال معدن المصري الأصيل يلمع بقليل من الصقل. وأعتقد أن من أهم إنجازات الثورة على المستوى الإنساني أنها أعادت لك أيها المصري الكريم المحترم قدرتك على التفكير في الحلول ورغبتك في المشاركة في تطبيقها واستعدادك لتحلم بمستقبل أفضل تعمل لتجعله حقيقة، بعد أن كان الناس يخافون من مجرد التفكير ناهيك عن المشاركة حتى بالحلم. الإنسان المصري الحر هو أهم مواردنا الآن بعد أن كان النظام السابق يعتبره عبئا وكان دائم التأنيب لنا لإثقالنا كاهل الحكومة كما أوضحت في مقالي السابق فقد ظهر لنا بعد ثورة يناير مقدار ما يستطيع المصريون إنجازه على اختلاف مستوياتهم، سواء كانوا رجالا أو نساء أو حتى مراهقين وأطفالا. كما ظهرت قدرتهم الفائقة في التغلب على الفجوة الرقمية والاجتماعية، بحيث استطاع من يملكون العلم والتكنولوجيا توعية الأغلبية غير المتعلمة ودمجها في تيار الثورة في وقت قياسي، واستطاع البسطاء بذكائهم الفطري استيعاب الأخبار والمعلومات والتفاعل معها بوعي نادر ووطنية متحضرة، ليصبح الجميع شركاء في النجاح تحت راية مصر دون النظر لأية فروقات أو اختلافات. ولهذا يجب أن يعامل الإنسان المصري ككنز قومي من الآن فصاعدا. ومن المهم أن يعرف كل مصري ما استنتجته أم سيد البسيطة بفطرتها السليمة : أننا الآن على قدم المساواة مع العالم الحر، وليس كما كنا قبل ذلك مجرد متلقين للدعم والإعانات والهبات. ولم لا، ونحن أصحاب إنجاز حضاري غير مسبوق يسعى العالم ليتعلمه منا. وفي رأيي أن التعليم الابتكاري هو الحل لوضعنا في مصاف الدول المتقدمة سريعا، بعد أن أثبت المصري البسيط محدود الدخل والتعليم أنه ليس محدود الوعي ولا الثقافة، وأنه إن أُعطي الفرصة والاحترام سيبهر العالم كما فعل في التحرير. وكما أشرت في مقال سابق، فقد قدمت الشهر الماضي سلسلة محاضرات عن الثورة في كبري الجامعات الأمريكية، وكان أكبر وسام لي أن وقف الجمهور يصفق باحترام بعد المحاضرة والدموع في عينيه، وطلب بعضهم الإذن أن يلمس العلم المصري (لأنه نفس العلم الذي كان معي في التحرير) وطلب البعض الآخر أخذ الصور التذكارية مع العلم ليفخر بها أمام معارفه، ثم جاءت سيدة من الجمهور لتشكرني وتقول إنها تأثرت جدا بالمحاضرة، وفوجئت أنها عمياء، وتعجبت لأن جزءا كبيرا من المحاضرة كان فيديو التقطته في التحرير أثناء الثورة، ولكنها قالت لي كلمات مؤثرة جدا لن أنساها، قالت: “رغم أنني لا أري بعيني، ولكن من قوة مشاعر المصريين في الفيديو، فقد رأيتهم بقلبي”. يا مصريين، إحنا مش بس سمعنا اللي ما كانش سامع، إحنا خلينا اللي ما كانش شايفنا يشوف ويسمع و يحلم معانا بالكرامة والحرية. إن شاء الله مصر ستعود قريبا جدا لتلهم العالم وتقود الحضارة بجهدكم ووطنيتكم ومعدنكم الأصيل. —– * سحر النادي مستشارة ومدربة وكاتبة متخصصة في مهارات التواصل الفعال والحوار بين الثقافات، تمتد خبرتها لأكثر من 20 عاما من المشاركة في الفعاليات الدولية والإعلام المرئي والمكتوب والإلكتروني. وقد قامت بتدريس العديد من البرامج التدريبية وورش العمل والمحاضرات للجماهير متعددة الجنسيات في 25 بلدا حول العالم واستضافتها وسائل الإعلام الدولية وظهرت على أغلفة مجلات أوروبية كنموذج للمرأة القائدة وتم اختيارها من بين القيادات النسائية في العالم من جامعة سانتا كلارا بكاليفورنيا بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويتر أو عبر موقع فيسبوك. اقرأ أيضًا: سحر النادى تكتب: الأمريكان قادمون سحر النادى تكتب: وأد الفتنة فريضة سحر النادى تكتب: أنا وزيرة الخارجية Short URL: http://www.algareda.com/?p=13395

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل