المحتوى الرئيسى

التمسك بالأمن والتضحية بالتكامل

05/24 02:58

علي الغفلي إن أوجه الاندهاش والقلق والغضب كافة التي عصفت بالمهتمين بشأن مجلس التعاون إزاء إطلاق خبر توسيع عضوية هذه المنظومة الخليجية مبررة تماماً، ويجب أن تلقى التفهم والاحترام، ذلك أنها تنطلق من اقتناعين نبيلين على الأقل، يجمعان بين العاطفة والمنطق، ولا ينبغي أن تستخدم أي اعتبارات إقليمية أو عربية أو دولية راهنة كأساس لعدم اكتراث حكومات دول المجلس لتوقعات تقديم التوضيحات والتفسيرات بشأن قرار ضم دولتين عربيتين من خارج منطقة الخليج . الاقتناع الأول هو امتلاك دول وشعوب الخليج العربي خصوصية ثقافية واجتماعية تميزه عن الدول العربية الأخرى، ويود المخلصون أن تستمر هذه الخصوصية متمتعة بالصيانة التي تستحقها، والتي يجهل المواطنون الخليجيون الكيفية التي سوف تتأثر بها هذه الخصوصية حين تتفاعل بشكل مؤسسي مع الخصوصية المستقلة لدى كل من الأردن والمغرب، خاصة أن جدلية الخصوصية الخليجية قد استمرت قيد الاستخدام حين يتعلق الأمر بمناقشة تباطؤ مسار التطور السياسي في دول المنطقة . الاقتناع الثاني هو أن قرار قبول عضوية كل من المغرب والأردن قد نزل بشكل صاعق على الذهنية الخليجية، وتم صنعه وإعلانه بشكل لم يأخذ في الاعتبار أن الأطراف المعنية بمشروع التكامل الخليجي هي الشعوب الخليجية في المقام الأول، وليس الحكومات، ذلك أن هذه الشعوب تحديداً هي التي ينبغي أن تستفيد من إجراءات التكامل، وهي أيضاً التي تدفع تكاليفه وينحصر دور الحكومات الخليجية في تلمس إرادة شعوب دولها، وترجمتها بالتالي إلى سعي آليات مجلس التعاون إلى صنع السياسات الموحدة التي تعيش في ظلها شعوب دول الخليج، وهو إجراء لم يتم العمل به حين اتخذ قرار ضم الدولتين العربيتين، ما يتسبب في تعزيز شعور شعوب الخليج بالتهميش، وهو شعور غير مرغوب على الإطلاق . من الصعب انتقال الذهن من حالة الذهول إزاء قرار قبول عضوية كل من الأردن والمغرب في مجلس التعاون إلى محاولة تفسير هذا القرار، خاصة في ظل استمرار غياب التوضيحات الرسمية من قبل أجهزة مجلس التعاون بشأن دوافع وأهداف الإقدام على هذه الخطوة، وفي ظل هذه الصعوبة فإن المتيسر في الوقت الحالي هو مجرد صياغة بعض المواقف العقلية، لعلها تفيد في تجاوز حالة عدم الاتزان الناتجة من قرار توسيع عضوية المجلس . * أولاً، لم يسهم العدد المحدود للدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تمكين العمل التكاملي في هذه المنظومة طيلة العقود الثلاثة الماضية، ولذلك من الصعب اعتبار أن ارتفاع عدد الدول الأعضاء في المجلس من ست إلى ثماني دول سوف يتسبب تلقائياً في عرقلة أنشطة التكامل في ما بين دول هذا الكيان، ذلك أن دمج الإرادات الوطنية للدول الأعضاء في المجلس الموسع لن يكون بالضرورة أكثر صعوبة بسبب حدوث تغير وحيد يتمثل في زيادة عدد دوله، بل إن سبب تعثر التكامل سوف يستمر متمثلاً في عدم استيعاب الحكومات الوطنية في المجلس لمفهوم التكامل والالتزام بمتطلبات نجاحه . * ثانياً، لا يشتمل سجل مجلس التعاون إجمالاً على اختراقات مؤثرة يمكن القول إن الدول الأعضاء قد تمكنت من تحقيقها خلال سنوات وجوده، وبالشكل الذي يمكن اعتباره كفيلاً بتجسيد طموحات الشعوب الخليجية على صعيد صنع التجمع المرجو من السياسات الموحدة في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولذلك يجب ألا يقابل قرار المجلس الموافقة على دخول كل من المملكة الأردنية والمملكة المغربية في عضويته بالقلق على المحافظة على المنجزات التي تم تحقيقها إلى الآن، ذلك أن تلك المنجزات الملموسة التي تستحق الحماية غير موجودة أصلاً، وهي محدودة جداً في أفضل الأحوال . * ثالثاً، لم تستفد دول الخليج الست الأعضاء في مجلس التعاون من التماسك الجغرافي الذي تتمتع به أقاليمها الوطنية من أجل صنع التكتل الإقليمي الواسع الذي يمكن اعتبار ثقله الكلي أكبر من حاصل جمع أجزائه المفردة، ولذلك فإن دخول دولتين أخريين تقعان في أقاليم فرعية عربية خارج منطقة الخليج العربي لن ينتهك التكتل الإقليمي الخليجي الغائب أصلاً من المنظور التكاملي، ولن يخدش الدور الذي يمكن للترابط الجغرافي الذي تتمتع به دول الخليج الست أن يقوم به في تسهيل سياسات وممارسات التكامل، والسبب ببساطة هو أن دور العامل الجغرافي لم يكن في حد ذاته شرطاً كافياً من أجل تجاوز النزعة القطرية في أداء المجلس وإحلال الروح التكاملية مكانها منذ نشأته حتى الآن . قد تبدو المعالجة السابقة لتبعات قرار ضم كل من الأردن والمغرب إلى عضوية مجلس التعاون مطمئنة بعض الشيء، ولكنها طمأنينة عاجزة ويائسة، تحاول أن ترتكز على التهوين من تأثير دخول هاتين الدولتين في المنظومة الخليجية على أساس الإنهاك التكاملي المستشري في مجلس التعاون على أية حال، وهي مفارقة عجيبة، إذ إننا أمام حالة يسهم فيها الفهم العام بخصوص تواضع أداء مجلس التعاون في تبديد القلق الذي يصنعه القرار المفاجئ بدخول دولتين إضافيتين في عضويته . لعل هذا هو الاستخدام المفيد الوحيد لسجل الأداء التكاملي السلبي للمجلس . بيد أن الحقيقة تبقى أن هذه الطمأنينة غير مبشرة على الإطلاق، ولن يبرر هذه الطمأنينة المنقوصة سوى وجود دوافع جوهرية من وراء قرار ضم الدولتين، لعل أهمها يقوم على توجه مجلس التعاون نحو تدعيم وظيفته الأمنية على حساب أغراضه التكاملية، خاصة في ظل تعمق اقتناع دول المجلس بأن ممارسات التهديد والتدخل من قبل الجارة إيران قد تجاوزت الحدود، وهو ما ينبغي مواجهته من خلال سياسة توازن القوى، التي تعتقد دول الخليج أن بالإمكان تحقيقها من خلال ضم كل من الأردن والمغرب، ليس من خلال ترتيبات التكامل التي عادة ما تستغرق وقتاً طويلاً، ولكن من خلال ترتيبات الائتلاف العسكري والدفاع الأمني المشترك التي يمكن إنجازها في زمن قصير نسبياً . يبقى هذا مجرد حدس محتمل، وقد تأتي الفترة المقبلة بما يمكننا من التحقق من سلامة خيار التمسك بالأمن والتضحية بالتكامل . *عن صحيفة" الخليج " الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل