المحتوى الرئيسى

إدوارد سعيد حكاية فلسطينية وملحمة هوية بقلم:د. سوسن أحمد

05/24 01:11

إدوارد سعيد حكاية فلسطينية وملحمة هوية • د. سوسن أحمد تبدو الكتابة عن إدوارد سعيد شبيهة بإعادة صياغة حكاية أسطورية، في كل مرة تتخذ صبغة مغايرة، بدلالات لم تخطر على البال، ولا تخلو من إثارة. فوجود إدوارد سعيد استثنائي، لا يكف الخيال عن سربلته بالقيم الذهنية المضافة. إيحاء يُـمَكّن المتتبع من فهم تلك الوتيرة المتسارعة التي اتخذتها الإصدارات عن إدوارد سعيد منذ رحيله الصادم قبل سنتين، حيث اتخذت من شخصيته المثيرة للجدل، وحياته المليئة بالوقائع والتحولات، قاعدة لتنويع الصياغات والتآويل، وجعلت من هجراته المتلاحقة، وهويته الموزعة بين اللغات والأوطان، وانحيازاته المبدئية إلى صفوف الأقليات (من سود ومهاجرين، ومنفيين، وحركات نسائية)، سببا للخوض في حوار مولد مع مضمون أعماله النظرية، وكتاباته السياسية، وأفقه الأخلاقي. وهناك حقيقة مرة، شهدها السياق الثقافي العربي بخصوص هذا المثقف الكبير، وهي ارتباط إنجازه المعرفي بقراءات ومحاورات لم يسهم فيها بالشكل الكافي مجاله الأصلي (العربي/ الشرق أوسطي/ الفلسطيني...)، إذ ظلت الإصدارات الغربية في أوربا والولايات المتحدة تحديدا، بل وحتى في بعض بلدان آسيا كالهند وباكستان اللتين يحظى فيهما إدوارد سعيد بشعبية باهرة، هي الأكثر تواترا وخصوبة في ما تستثيره من أسئلة، بل وظلت لأمد طويل هي الأكثر إحاطة بجوانب إنتاج وممارسة هذا المفكر الكزموبوليتي، وغزارة في تتبع مساره الإبداعي. بيد أنه لحسن الحظ فإن عوامل عديدة ستدفع، في الآونة الأخيرة، لاستكمال نقل أعمال هذا المفكر إلى اللغة العربية ونشر إنتاجه على نطاق واسع، ومن ثم لم تخل الساحة الثقافية العربية من محاولات نقدية عن فكره وحياته وشخصيته، بدأ يتعاظم حجمها تدريجيا بعد رحيله، سيما من قبل تلامذته وأصدقائه ومجايليه ممن ربطهم به أواصر الإعجاب والتقدير. وهكذا بعد الأعداد التي خصصتها مجلات «الكرمل» و«فصول» و«الآداب»، كما وساهم فيها أصدقاء حميمون له من مثل: «محمود درويش»، و«إلياس خوري» و«رضوى عاشور» و«فريال غزول» و«صبحي حديدي»، و«بسّام عليّان»، و«فواز طرابلسي»، و«محمد برادة». وقد شكلت الكتابات حول ادوارد سعيد في الأصل مجموعة من المقالات حول مكانة إدوارد سعيد في المشهد الفكري العالمي، ومكونات إنتاجه النظري، ومرجعيات خطابه النقدي حول الاستشراق، والثقافة والإمبريالية، وصور المثقف، والمنفى، وتغطية الإسلام، وخطابات ما بعد الكولونيالية، وموسيقى فاغنر وفريدي وشوبان... وغيرها من المحاور والمباحث والأسئلة التي شغلت الحيز الأعظم من إنتاج إدوارد سعيد على امتداد أزيد من أربعة عقود، منذ دراسته الأولى عن جوزيف كونراد، وحتى سيرته الذاتية الجميلة: «خارج المكان»، التي تؤرخ لمساره الذاتي، في الآن ذاته الذي تترجم فيه بوعي لصورة الخروج والتيه الجماعي للفلسطينيين، فهم يعترفون «إن إدوارد سعيد نص مفتوح على العالم يتحدى المكان الإقليمي والزمان الآني. لقد جعل نص إدوارد سعيد منه في نظر العالم ابن العالم مثلما جعل إدوارد من فلسطين نصا عالميا. هذا ما أراد إدوارد أن نقوم بروايته للعالم عنه». لكن ما يميز المقالات التي كتبها الكتاب جميعها أنها كتبت بصيغة تبسيطية تجعل فكر إدوارد سعيد يبدو سهل المأخذ، منقاد الوسيلة، دون أن تسقط مع ذلك في اختزال مخل، حيث غلب عليها النهج التعريفي بالمضامين المعرفية والقضايا النقدية العامة، دونما تغلغل في تفاصيل الخطاب السعيدي ومرجعياته ومكوناته النسقية، حيث إن القصد، هو تقديم قصة للأجيال وإعمال النظر في تلك الصورة المشرقة التي بات يحظى بها إدوارد سعيد بغير ما سعي لمحاولة تأويلها. فإدوارد سعيد يشكل ظاهرة قابلة للتأمل أكثر منها للتأويل. ويلاحظ المتأمل أن فكر إدوارد ثنائي التركيب يظل مفتوحا على العالم بعيدا عن أحادية الزمان والمكان. ولعل من أبرز ملامح هذه الظاهرة أن إدوارد قد حول ذاته الفردية إلى ذات جماعية. فيقول الباحث والكاتب الفلسطيني بسّام عليّان في مقالته بجريدة الدستور الأردنية (22/9/2003) « إنه ادوارد سعيد الفلسطيني صاحب القضية الأولى في العالم، الذي غيبه الموت قبل ايام... إنه المفكر والناقد والموسيقي والسياسي والباحث الاكاديمي الذي أخذ صفة العالمية بلا منازع، لتناوله كل الامور تلك بمنهجية راقية تجمع بين أصالة التفكير وحداثة المنهج، وكانت هذه الاصالة والحداثة تتجلى في تقديره للغايات البعيدة، وفي حساباته للمقدمات التي تؤدي اليها... وهو ايضا ادوارد سعيد الفلسطيني الهوية والمولد والانتماء الذي لم ينسلخ عن جلده الاصلي، والذي لا نستطيع القفز عن صورته بعد موته بسهولة... فنحن كباحثين وكشعب وسياسيين استفدنا من اعماله، وما زلنا نفطن لها في الكثير من القضايا التي تعترض مساقاتنا، فرسالته الوطنية والاكاديمية اكملت نسيجها قبل ان يموت...». هكذا تبدو سيرة ادوارد سعيد، ومذكراته الشخصية، وحواراته ما يجعلها تبدو شيئا شبيها برواية شخصية، أو بورتريه شفاف مفعم بالتفاصيل المبهرة. ترسم تقاسيم وجود فردي استثنائي، وتستكنه هوية نوعية متعالية على تصنيفات: العرق والجنس والمعتقد. وتتأمل ـ من ثم ـ في شروط تبلور وعي نقدي مضاد، غير خاضع لمنطق الانتماء والتصنيف. وذلك بإعادة تركيب تراث الأمكنة / المنافي، وإعمال النظر في تكوين الوعي في علاقته بمحيط متقلب من الشخصيات والنصوص والمؤسسات (السياسية والفكرية والطائفية والطبقية). ثم ترصد بحرفية عالية انزياحاته المتكررة عن منطق تلك التأثيرات التاريخية والاجتماعية والثقافية. بحيث تضحى الهوية، هوية إدوارد سعيد المقدمة كرواية للأجيال، على مسافة ما، غير حسية، من المجرى العام للتحولات والتقاطعات الكونية، ويختزل وجودها ـ بالتالي ـ صورة المثقف الضدي، والكتابة المقاومة، المنحازة باستمرار إلى صفوف الأغلبية الصامتة الموجودة دوما «خارج المكان». وفي عرض الأستاذ بسّام عليّان لكتاب خارج المكان لإدوارد سعيد ؛ يقول: « من خلال تصفحنا مذكرات إدوارد سعيد؛ الذي كان قبل وفاته (ايلول 2003)؛ بروفسور شرف في اللغة الانحليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، والذي ألف اكثر من سبعة عشر كتاباً مهماً؛ كان من ابرزها :الاستشراق ، صور المثقف، الثقافة والامبريالية و المذكرات التي بين ايدينا "خارج المكان"، ومئات من المقالات التي نشرت في دوريات عدة، نكتشف دائماً أننا أمام باحث أكاديمي عالمي؛ استطاع بوعيه المبكر ( وخاصة من خلال سرده المفصّل لذكرياته في هذا الكتاب)؛ إلى إحداث ثورة في الدراسات الشرق أوسطية، وخاصة فيما يتعلق بتسليط الضوء على القضية الفلسطينية، مطالباً العالم بالاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وموجهاً مطالبته بالتحديد للرأي العام الأميركي والمسؤولين أن يقرأوا الوثائق الفلسطينية التي ينطلق منها الموقف الفلسطيني. وما هذه المذكرات إلا نافذة تطل على عمق وجذور القضية ومأساتها من خلال التذكر والصراحة والبساطة في تناول الأمور، مع تركيزه على كشف زيف الغرب الرأسمالي وأدواته في المنطقة؛ مما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية في العالم ككل، وفي الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها الكيان الصهيوني خاصة. وكان سعيد الأكثر جرأة في نقد الواقع من خلال مذكراته ، معتمداً على فطنته ومواهبه المتعددة ، وقدرته غير العادية على الصمود والتحدي والعناد؛ والاعتداد بتحليله للأمور السائدة من خلال المعايشة اليومية والاطلاع المكثف على مساراتها؛ مما جعله يصل إلى نوع مبتكر من المعرفة يخرج من المفهوم التقليدي لهذا العلم أو ذاك. فبرز إدوارد سعيد في خارج المكان راو مدهش لطفولة مفكر كبير ومثقف عصر؛ ولفلسطيني ملتزم بوطنيته ومقاوم للاحتلال، ولسيرة وطن اغتصب مع سبق الاصرار والتزوير، ولحياة عربية – لها طعم ومذاق مشترك- ما بين فلسطين ومصر ولبنان امتزج فيها الفرد مع الجماعة؛ واستعصى على الفرد إلا أن يكون هو... هو إدوارد سعيد.». • كاتبة سورية dsawsanahmad@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل