المحتوى الرئيسى

عائد اليك يا وطني بقلم : محمد يوسف جبارين

05/23 22:10

عائد اليك يا وطني بقلم : محمد يوسف جبارين (أبوسامح )..أم الفحم ..فلسطين ارادة العودة كامنة في الروح وفي الفكر والوجدان ، فهي راسخة في التكوين الانساني ، فطالما أن هناك الانسان الفلسطيني في الغربة والشتات ، فهي العودة التي تشكل له محركا ، فتحركه الى حيث يجب ان يعود ، كانت ما تكون الصعاب ، ففعل الروح والفكر والوجدان نزوع جارف نحو الكيفية التي بها يتأتى بناء القدرة على تجاوز كل صعوبة ، وهي حاجته التي يحقق بها حريته ، فهي الشهادة الوحيدة على قيمته ووجوده ، فحريته غايته وهي بذاتها الصعود بانسانيتة كمالا انسانيا هو من حقه ، فالعودة خلق وابداع بما يتفتق عنه الذهن من نشاط باحث عن الأمل والدروب اليه ، فالعودة في حقيقة تشكلها هي حركة وجود انساني فاعل نحو الوطن .. عائدون يا بلادي .. عائدون يا وجه الخير في كل الأزمان .. عائدون لا مفر .. فالمرارة يمكنها أن تستحيل بالغربة شرابا يشربه الانسان شوقا الى حيث بيته وبيارته ، ويمكنه العلقم أن يجري في الحلق ، وأن تسيل الدمعة حزنا والتياعا وأملا ، لكنها كلها بقوة الروح الهادرة بالعودة في التكوين الانساني تشد الركب الى الوطن ، فهذا وطني ، والى هنا أنا عائد ، وهنا كان أبي وجدي وها أنا عائد يا وطني . فارادة العودة تعبير عن طابع الخلق والابداع الذي يتسم به النشاط الانساني ، كما أنها همزة الوصل بين الذات والموضوع ، وتحددها المسافة المعنوية التي تفصل نوايا الانسان عن غاياته ، لكن الفعل هو سبيل الانسان في اجتيازه الهوة القائمة بين فكره ووجوده ، لهذا فان لزوم الحرية للارادة ليس الا لكونها تحقيق لفاعليته الانسانية ، فارادة الحرية أن تتحقق الحرية ، وهي لا يمكنها ذلك خارج الفكر والفعل الانساني ، فهي لذلك الحرية محققة في ارادة الانسان ، فهو بما هو يريد انسانيته فكل متناقض معها غير جائز لديه ، بل ومتنافر مع حاجاته ، فحاجته أن يكون بما تملي عليه طبيعته الانسانية ، فكذلك يحقق توازنا طبيعيا هو حاجته للاستواء على ما لا يضيق به ، فاننزاع حريته من صيرورة تمليها عليه حاجاته الانسانية ، انما يعني انتزاع صفة انسانية راسخة في تكوينه ، والتي بلاها لا يمكنه غير أن يحس حاجة منقوصة من ذاته ، فليس هو الذي يمكنه أن يتوافق بغير حس بظلم مع انتقاص كهذا الذي يضنيه ، فنزوعه طبيعي لانتزاع حاجته بالتخلص من حس يهدر جزءا من انسانيته ، وهو في صيرورته وسعيه ذلك انما يعلن تمرده على ظلم يحيق به ، وفي قرارة نفسه يعلن تمرده على قسريات تحول بينه وبين ضروراته ، فلا طاعة في وعيه لمتناف مع حاجته ، ولا تصالح مع ارغامه على ما يضنيه ، فتمرده فعل ارادته التي بها يحرر نفسه من ضيم يضنيه ، فنزوع ارادته الى حريته ضرورته . من هنا فان رفض الانسان سلب أي شكل من أشكال حريته ، انما هو تعبير أصيل عن حقيقته الانسانية ، فهذا السلب بذاته يعني بالضرورة هدم مقوم من مقومات شخصيته الانسانية ، وانتقاص جزء من انسانيته ، لذا فان الذين يمارسون الاستبداد والقهر على الانسان ، لا عقائد نبيلة لهم ولا مبادىء انسانية تحدوهم في ذلك ، وانما حاجتهم الى سلب غيرهم من بني البشر ، بممارسة قدرة توفرت لديهم ، سعيا منهم الى احتجاز جهوده وخيراته وتوظيفها في صالحهم ، فهي لصوصية توفرها لهم قدرة بسطوا بها سيطرتهم ، وراحوا ينهبون ويسلبون ، غير مقيمين في سعيهم أية قيمة لغير ما يسعون اليه . وهو الحال الذي به يتم نفي الخير بالقوة عن الانسان المقهور أو الذي يعاني الاستبداد برغمه ، ولهذا دائما ما نجد القهر متناف مع الحرية والمساواة ، ومن هنا فكل مطالبة بها من جانب من جار عليه زمانه ، فسرعان ما تواجه بالقمع من جانب من بيدة القدرة على ممارسة القمع ، فليس غائبا عن الوعي بأن السلب يعني نفي الخير عن المقهور ، وبأن سلبا كهذا ما كان يمكنه أن يتحقق بوجود حرية ومساواة ينعم بها عموم الناس ، فتغريب الحرية أو نفيها ضرورة نهب وسلب ، فالخير له جناحان هما الحرية والمساواة ، ودون الثانية لا وجود للأولى ، وهذا ما يعيه الانسان من ذاته عن ذاته ، ومن الجدل بينه وبين محيطه وبيئته ، فليس ثمة انسان لا تتحقق له ضمن وعيه تلك العلاقة ثلاثة الأبعاد بين الخير والمساواة وبين الحرية ، وهنا ابن فلسطين ، بل وجموع أبناء فلسطين بما حل بهم من نكبة ، فسرعان ما تنادوا الى الحرية والمساواة فهما جماع الخير الذي ينشدونه من عودة الى ديارهم واسترواحهم بنظام حياة يقيمونه في ربوع أرضهم ، فهنا الخير الذي ينشدون ليس مجرد مأكل في شتات ولا سكن في غربة ، وانما هو طمأنينة نفس في وطن ، لا يمكنها أن تتأتى بغير عودة الى ربوع أرض الآباء والأجداد ، فهكذا حكاية الزمان والتاريخ تتكامل ، وسيرورة الديمومية تجري مجراها . فعودة الانسان الى دياره احياء للحياة وتنشيط لطاقاتها ، وتوفير للخير وانغراس للبهاء والسناء في النفس الانسانية ، وها هي ارادة الحياة وقوتها ، وقوة الحنين الى الربوع تحمل اللاجىء ، ولو على صعيد الفكر والحركة الواعية التي تنشد آمالها بكل صدق مع النفس ، على بناء جسر عودته الى دياره وبلاده وكرومه وبيارات برتقاله وتوفر لها القدرة على خلق امكانيات ومقومات عبور الجسر وعبوره ، رغما عن العقبات والمعوقات والاشواك التي تدمي قدميه ، وتثقل كاهله . ان قوة الحياة تؤمل اللاجىء بأن يصعد الى مراتب انسانية عليا تجعله قادرا على فرض ارادته الانسانية الواعية على الحياة ، فتوهب له الحياة ، وتفرح الأوطان بالعائدين ، ذلك أنه تواضع فخضع للحق وانقاد له ووافقه على احقاقه وترسيخه وتدعيمه ورفع قوائمه ونواله من بين براثن الغدر والمستعمر ، وحمل عنقه على كفه وصبر وصمد وعبر ، وكان أمينا صادقا في صبره وصموده وعبوره . ومن هذا الايمان واليقين المركزي بالحق تستمد الحرية طاقاتها الثورية ، وكلما ازداد رسوخا وارتكازا ودلالة في حياة الانسان كلما تضاعفت الطاقات الثورية في الحرية ذاته ، والحرية هنا تحمل الطابع الحضاري لامتنا ، وتتحد تماما مع مفاهيمها عن الكون والحياة وتعبر بصدق عن الحالة العقلية والنفسية التي صاغتها ورسختها حضارة هذه الأمة .. فما حاجة الحق لكي يساوم واذا ساوم الحق فما ميزته على الباطل . فالفضائل الأصيلة راسخة صامدة أبد الدهر ، وأما تلك الطارئة فانها تنكمش وتنهزم أمام ما تنوء به الارادة والفكر من مسؤوليات جسام ، لا تقدر على حملها الا النفوس المتسمة بالعظمة الانسانية ، التي تضع الارادة والسلوك في خدمة الحق وحده ، تلك الممتازة بمضاء البذل ، ومضاء العزم ، ومضاء العزيمة . ان عزيز النفس أبي الضيم يتمرد على المهانة والذل وينتصر للحق ، ويدفع الظلم ، ويدافع عن الكرامة الانسانية ، ويأبى انتقاص أي جزء من حريته أو تجزئة حقه المقدس ، أو المساومة عليه ، أو الخضوع لعوامل القهر والاستعباد ، ويرفض أن يكون عبدا أو تابعا أو منافقا أو فاسدا ومفسدا ، وترتضي نفسه الكريمة العزيزة الشطف والثياب الحقيرة والبيت الحقير والمأكل والمشرب النزر اليسير مع نسائم الحرية على الملابس الفاخرة والقصور الشاهقة والمأكولات الشهية تحت كنف الظلم والاستبداد ، وانها لنفوس حقيرة تلك التي تداس بالأقدام ثم تمتد اياديها تشد على أيدي الظالمين . ان الجبن رذيلة تهدر الكرامة وتسقط القيمة ، وكثرة الجبناء في أمة ما يعني أنها في طريقها الى زوال وفناء . ان الشجاعة درع النفس العزيزة ، وعزة النفس هي الحد الفاصل بين الرفعة والاستعلاء من جانب وبين المهانة والمذلة من جانب آخر ، كذلك التقدم فانه الحد الفاصل بين الحرية والتبعية ، بل بين الحرية والحياة من جانب والتبعية والوجود الذي يكاد يكون عدما من جانب آخر ، وبالمقابلة نجد أن الحرية والحياة العزيزة الكريمة تنفرد بالسمو والرفعة والمجد ، ونجد أن التبعية بكل صورها تنفرد بالمهانة والمذلة والخضوع ، وأما الحرية فتحت ظلالها الوارفة تنمو وتترعرع الفضائل والقيم الصالحة النبيلة ، وتتأصل في النفس الانسانية ، فيحدث الازدهار والرخاء ، أما التبعية فتحت جناحها المعتم تذل وتهان انسانية الانسان ، وتنبت الرذائل الاجتماعية والأخلاق الذميمة ، والنقائص الانسانية ، ويجد الناس أنفسهم يعانون فراغ الجهد وفراغ الزمن وفراغ الأهداف ، وهي فراغات متشابكة تهلك الأمة وتدفع بها الى التأخر والانحطاط ، فيتخلخل واقعها الاجتماعي وتتمزق أوشاجه وأوصاله ويخيم اليأس عليه ، الأمر الذي يسهل على المستبد استثمار أفراد المجتمع لذاته ولتحقيق منافعه وأغراضه . لكن حقيقة اليأس تفضي بأن الأمل كامن فيه ، وكأنه الغسق الذي يحمل بين طياته تباشير الصبح ، ويقال بأن اليأس لا بد له الا أن يكون يائسا ، ولكن كيف ؟ ان تعطيل العقول عن وظيفتها بحد ذاته حجب للحياة عن الارتقاء ، وللبشر عن التقدم ذلك أن التفكير وهو وظيفة العقل ، هو سر التقدم البشري والرقي الحضاري والانساني ، فاذا استفاقت العقول من سباتها ، ونهضت من عقالها وانطلقت من اسارها فان الفكر يمتد للقضاء على كل القيود التي فرضت عليه زمنا طويلا ، ويرافق انطلاق الفكر انفكاك البشر من الارتكاس في الغواية والضلال ، ويمتد الفكر الى أعماق اليأس بحثا عن خيوط الأمل ، وبالارادة الحرة والعزيمة القوية يحيك منها نسيج الحياة . ان الأمل خلق وابداع ، وكشاف عن امكانية التغيير ، لأنه يطرح أمام الانسان قيما رائعة تشده اليها وترغبه في التضحية والبذل والعطاء ، لهذا فان اليأس يحمل بذور زواله وانقراضه ، وما فرض القيود على العقل الا عملية استبدادية تصر عليها ارداة المستبد المتصادمة أبدا مع ارادة الحياة ، ومن الايمان بحق العودة تستمد الحرية طاقاتها الخلاقة ، وهذا الايمان يتجلى في التضحية والفداء والايثار واتقاء الشر وأداء الواجب وعدم التقصير فيه ، ويتجلى في مجاهدة النفس وضبطها على طريق العودة .. طريق الحرية ، الذي يبلغ بالأمة أمانيها وغاياتها الرفيعة السامية ، ويتجلى أيضا في تحقيق التقدم والفلاح والصلاح والمنعة وبناء القوة ، وفي الاتسام بكل الخلائق الكريمة السامية . ان العودة ليست بالمنى والتمني فحسب ، وانما ادارة زحف ، وفكر حرية ، وفعل يبدل في مجرى تاريخ بصناعة تاريخ للحرية مجيد ، فكما أن السفينة لا تجري على اليابسة فان الخلاص من الظلم والاستبداد وقوة المقاتلة ثمرة من ثمرات قوة الارادة والتمرس والصبر والثبات في مواطن الحق والجلد والمصابرة واستعذاب العذاب وآلام التشرد في سبيل الحرية والحياة الريانة بمعانيها السامية ، الحياة الحرة العزيزة الكريمة . ان الحياة قضية عودة وحرية ، ومن ربح حريته وعودته ربح حياته ، ومن خسر حريته وعودته خسر حياته ، وكل مؤثر لحقه في وطنه ، مستمسك به ، صامد في وجه الاحن والمحن والبلايا والرزايا ، غير منزلق الى منزلق وعر أو هوة فاغرة فاها ، فهو على طريق العودة يسير ، ذلك بأنه الحر الذي عرف غايته ومضى نحوها فهو على الدرب يفعل العظائم ويصون المكرمات ، وهو الموله بصواب الفكر والممشى والغاية .. يزهو ويفاخر : ( أنا رمز الثبات والمجد فانظر ، هل حنى الدهر هامتي الشماء ) ، ويرى وهو مندفع طاقة انسانية فاعلة ، عبر جسر العودة ما يراه أرسطو ( اني أرى الأسد كامنا في الحجر ، وأشعر كما لو كان رابضا هناك تحت سطحه ، وما أفعل الا أن أطلق بحركة الازميل سراحه ) ، ويرى ذلك لأنه امتاز بصواب الفكر ، وصواب الارادة وصواب الشعور وصواب العمل ، فأصبح الصواب نهجه وطريقه وهوايته . لقد وفرت له أصالته عظمة انسانية قادرة ومقتدرة ، فدأبه في ذلك دأب الفاتحين الغالبين الماحقين لجحافل الشر المقيمين العدالة في الأرض المنتصرين على الظلم أبدا ، الواثقين بأن المستقبل يحمل بين حناياه أرضهم الحرة . فكذلك انسانية اللاجئين لا تكتمل الا بعودتهم الى ديارهم ، واقامة مجتمع الأحرار ، وكذلك فان العودة تستوجب نزوعا فاعلا نحو بناء حضارة توفر الخير العميم ، وتعلو بأركان الحرية وتزيدها رسوخا ، وتوفر الأمن والأمان ، بارادة خيرة مقترنة بعزيمة تتدافع دوما الى الأمام ، بقوة الآمال العريضة باستدامة النمو والتطور لمجتمع انساني ، يكون قد تحرر من ربقة قيود رانت عليه زمنا طويلا . ............. 18/5/2011 ..........

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل