المحتوى الرئيسى

الخطاب الأول لفخامة رئيس الجمهورية

05/23 20:01

بقلم: م. صلاح شطا من المرات القليلة التي يمكنك أن ترى شوارع القاهرة فيها فارغةً بهذا الشكل كما لو أنه موعد مباراة الأهلي والزمالك، أو نهائي كأس العالم بين مصر والبرازيل مثلاً.. المقاهي مكتظة بالجمهور أمام شاشات التليفزيون، وكذلك في الميادين أمام شاشات عملاقة وُضعت خصيصًا لهذا الغرض، وأيضًا النوادي والساحات الشعبية، وحتى محلاَّت السيبر، فخطاب نقل وقائع حلف اليمين لأول رئيس لمصر بعد الثورة، وكذلك خطابه الأول أمام مجلسي الشعب والشورى سيُنقل على جميع الفضائيات العربية، بالإضافة إلى أنه منقول "لايف ستريمنج" على مواقع إنترنت كثيرة، ويتوقع أن يعود بيع إشارات البث لنقل هذه الوقائع بحوالي 20 مليون دولار تنعش خزينة ماسبيرو المترنِّحة بعدما كان الوزير السابق يهدي الإشارة إلى القنوات بالمجان!.   هكذا جاء صوت المذيع من ضمن فريق العمل لخمسة مذيعين يتبادلون إذاعة هذه الوقائع منهم ولأول مرة مذيعة محجَّبة، فهمست لنفسي "الله يرحم أيام زمان!".   كاميرات التليفزيون المصري الذي ينقل وقائع انتقال الرئيس من مسكنه في المرج إلى مبنى مجلس الشعب في وسط البلد، تنتشر هذه الكاميرات على جانبي الطريق بالتتابع كاميرا تُسلم الصورة للكاميرا التي تليها- وهي نفس الكاميرات في الشوارع التي تستخدمها إدارة المرور والأمن العام- تحت إشراف مخرج مبدع استطاع أن يجعلك تعيش الحدث وكأنك داخله، تَكَونَ موكب الرئيس من عشرين سيارةً من نوع دايهاتسو وسوزوكي الصغيرة التي افتتحت شركاتهما اليابانية الأم مصانع في السادس من أكتوبر ليس فقط للتجميع ولكن لتصنيع قطع الغيار أيضًا.   سار الموكب على اختلاف ألوان سياراته كنوع من التمويه الأمني عشان ما حدِّش يعرف الريس راكب أي عربية فيهم، وذلك بعد أن استبدل الرئيس طاقم السيارات المرسيدس بنز والبنتلي والرولز رويس التي كان يستعملها النظام السابق بسيارات اقتصادية، كما أن فخامته يعتزم سحب كل السيارات الفارهة من جميع الوزارات والمحافظات والهيئات الحكومية، وطرحها جميعًا في مزاد علني لصالح خزانة الدولة إضافة إلى محتويات القصر الجمهوري بمصر الجديدة والفيلات التي استرجعها القضاء من شلة الأنس في النظام المعزول في الساحل الشمالي، وساحل البحر الأحمر، وكان فخامة الرئيس قد استبدل القصر الجمهوري بالفيلا ذات مساحة الستمائة متر مربع فقط في المرج، والذي سيتم تأثيثها بالكامل من شركات وطنية على أن تتم المقابلات الرسمية للوفود والزوار بقصر العروبة، ويتوقع أن يدير المزاد الصالة الأشهر في العالم "كريستي" اللندنية مقابل 15% من قيمة المبيعات، وسيقام المزاد تحت سفح الهرم على إيقاعات الصوت والضوء في ليلة غير قمرية الشهر الجاري، وسيُدعى للحضور نخبة رجال الأعمال العرب والأجانب على أن تتولى مصر للطيران شحن البضائع إلى بلد المشتري مجانًا.   أما القصر الجمهوري نفسه فقد قرر فخامته حسب وعده في برنامجه الانتخابي تحويله إلى جامعة تسمى مصر 25، وتمنح فقط درجات الدراسات العليا في تخصصات تتعلق بتقنية النانو واستخدامها في شتى التطبيقات من زراعية وصناعية وفضائية، وحسب برنامج فخامة الرئيس الانتخابي فإن البحث العلمي الذي كان يصرف نحو 2.0% من الناتج القومي سوف يعتمد له 2% في الميزانية القادمة، على أن تتضاعف إلى 4% في الميزانية التي تليها، ووقتها سلطت الكاميرا عدساتها على الرئيس المعزول وهو ينظر إلى الأرض!   قطع موكب الرئيس المسافة من المرج إلى مجلس الشعب في عشرين دقيقة نظرًا لخلو الشوارع من المارة، وطبعًا تعاقب تحول إشارات المرور التي يمر عليها الموكب للون الأخضر في إشارة على أن المرحلة القادمة خضراء إن شاء الله.   واللافت للنظر أنك ترى شوارع القاهرة نظيفة، وليس فيها بقايا إعلانات الانتخابات وملصقاتها التي اعتدنا أن تبقى حتى تأتي الانتخابات التي تليها فتوضع الملصقات الجديدة فوق القديمة، كذلك لا ترى يافطة واحدة تسبح بحمد فخامة الرئيس وتهنئه بنجاحه الباهر في الانتخابات، وكانت هذه هي رغبة فخامته التي أعلن عنها أثناء فترة الدعاية الانتخابية، كما أعلن عن عدم ترحيبه بإعلانات الجرائد والمجلات الملونة التي يحجز أصحابها مقدمًا موافقة الحكومة الجديدة على طلبتهم الشخصية.   ونقلت الكاميرات اكتظاظ قاعة مجلس الشعب بنواب مجلسي الشعب والشورى المنتخبين بالكلية في أول انتخابات حرة نزيهة تشهدها مصر في تاريخها الحديث؛ ما عكس الصورة المثالية لمصر أمام العالم أجمع، وكان فخامة الرئيس قد دعا للحضور كلاًّ من اللواء متقاعد محمد حسني مبارك الرئيس المعزول، والعقيد معمر القذافي رئيس ليبيا الأسبق، وكذلك العميد زين العابدين بن على رئيس تونس الأسبق، والعقيد علي عبد الله صالح رئيس اليمن السابق، وأخيرًا الدكتور بشار حافظ الأسد رئيس سوريا الشقيقة الأسبق، وسبحان من له الدوام ويا "ريتهم" كانوا فهموا شعوبهم من بدري، ووفروا دماء الشهداء وآهات المصابين وتعطيل حال البلاد والعباد، كما دعا فخامته كل المرشحين الـ38 الذين كانوا يتنافسون معه على مقعد رئاسة الجمهورية بمن فيهم الدكتور البرادعي والسيد عمرو موسى والدكتور أبو الفتوح والأستاذ حمدين صباحي والمستشار هشام بسطويسي، وكمان السبع سيدات اللي كانوا مرشحات منافسات لفخامته كلهم موجودين، في إشارة إلى سيادة الروح الوطنية والتنافس الشريف لمصلحة الوطن، وقد استبعدت مصادر مقربة من الرئيس أن يكون في هذه الدعوة شماتة أو تشفٍ لا سمح الله.   وبعد وصول الرئيس إلى قاعة مجلس الشعب، تقدم سيادته إلى منصة الإلقاء وصعد سلم المنصة في رشاقة الشباب، ولما لا فعمره سبعة وأربعون عامًا، وألقى السلام على جميع الحضور قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، واستفتح بالذي هو خير وتلا بضع آيات من القرآن الكريم، ثم حمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأتبعها بالصلاة على أشرف المرسلين، ثم أردف أدعوكم للوقوف تحية لأبناء مصر شهدائها الأبرار والأبطال المصابين، وتحية إلى إرادة الشعب المصري الأبي الذي سطر أروع الملاحم في ثورته البيضاء التي أصبحت مادة للدراسة في جامعات العالم ومجتمعاته، ثم تلا اليمين الرئاسية كالتالي: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".   وبعدها عجت القاعة بالتصفيق الحار، واعتلى ممثلو المجلس العسكري المنصة لتحية الرئيس الجديد، وقدموا له علم مصر، ومن ثم إعلان انتقال السلطة رسميًّا في موعدها الذي عاهدوا الشعب عليه... سبتمبر 2011م من دون الرضوخ للضغوط الداخلية والخارجية التي مورست على المجلس ليمدد فترة توليه رئاسته للجمهورية، وتأخير الانتخابات البرلمانية ومعها الرئاسية، وإعداد دستور جديد- متفبرك- بما يعني إهمال رأي أكثر من 77% ممن صوتوا بنعم في استفتاء مارس الشهير، وهذا هو جيش مصر الأبي خير أجناد الأرض، وكذلك حيى فخامته إرادة القوات المسلحة ومعها الحكومة المؤقتة في الإصرار على تقديم كل مذنب للعدالة، وأنه لا أحد فوق القانون، ولا تقبل شفاعة في أرواح الأبرياء ومعاناة المصابين والمتلاعبين بقوت الشعب المصري الطيب، كما حيى الرئيس السلطة القضائية ورجالها الذين سوف يكون لهم دور فاعل في مستقبل مصر المشرق بإذن الله.   ثم بدأ الرئيس خطابه بقوله إنه عاقد العزم على العمل مع مجلسي الشعب والشورى في تشكيلهما الجديدين خلال الفصل التشريعي المقبل من أجل الوفاء بما وعد به خلال الحملة الانتخابية، وهو يكرر تعهده هنا بأنه لن يبقى في السلطة إلا دورة واحدة فقط يعني أربع سنوات، ليترك الفرصة لغيره لتحمل المسئولية بدماء جديدة وفكر جديد، ووقتها سيضع نفسه تحت تصرف الإدارة الجديدة إذا رأت أن تستفيد منه في أي موقع من المواقع، وإن كان يفضل فخامته وقتها أن يتولى ملف تسويق الصناعات التكنولوجية التي وعد بأن مصر ستتبوأ فيها مكانة عالية إن شاء الله، بل وتصدرها إلى الخارج... فهيا إلى العمل.   ودعا فخامته جميع أبناء الشعب المصري إلى ضرورة تضافر الجهود، وقال: إن مصر ستمضي في المزيد من الإصلاحات الدستورية على يد اللجنة التي شكلها مجلسا الشعب والشورى من مائة شخص، وكذلك إصلاحات تشريعية نحو المزيد من الديمقراطية وتحرير الاقتصاد ورفع مستوى التعليم والصحة والإسكان والمواصلات وخفض معدل البطالة.   وأضاف فخامته في كلمته التي ألقاها أمام الجلسة الاستثنائية لمجلسي الشعب والشورى بمناسبة أداء اليمين الدستورية أنه سيسعى خلال فترة رئاسته المقبلة إلى أن تكون مصر قوية وآمنة، مؤكدًا أن تحقيق ذلك هو مسئولية مشتركة بينه وبين الشعب؛ حتى تتسلم الأجيال القادمة مصر مجتمعًا عصريًّا قويًّا. وألمح فخامته أن نائب البرلمان هو بوابة كل مواطن لتلبية احتياجاته، ولو أن هذا النائب قصر لأي سبب كان فمكتب الوزير المختص مفتوح، وإن لم يكن فمكتبي مفتوح، وسوف يظهر على الشريط أسفل الشاشة أرقام المحمول الخاصة بي، وكذلك الإيميلات، وكود البلاك بيري، وصفحتي على الفيس بوك، والفولو بتاعي على تويتر، وليتأكد كل مواطن أن شكواه أو اقتراحه لن يذهب هباء وسيلقى مني بعون الله كل اهتمام، كما يسعدني أن أصلي مع إخواني المواطنين والمواطنات صلاة جمعة في الجامع الأزهر كل شهر للتواصل مع من لم تمهله ظروف عمله أن يزور مكتب الوزير أو مكتبي أو مكتب المواطنين الذين لا يجيدون التواصل الإلكتروني، أو أولئك الذين يستخدمون الآي فون بدلاً من البلاك بيري.   وجدد الرئيس تعهده ببناء مجتمع عصري يقف إلى جانب كل مواطنيه لا يترك أحدًا في منتصف الطريق ولا يتخلى عن الضعفاء أو غير القادرين، وحيى أبطال الشرطة البواسل الذين استطاعوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية وبعد إعفاء اللواء العيسوي وإدارته استطاع أن يعيد الأمن والانضباط إلى الشارع المصري بكلِّ بسالة وعزيمة وإصرار، وهنا حيى فخامته شهداء الشرطة الذين سقطوا دفاعًا عن أمن هذا الوطن وحماية شعبه وممتلكاته، والقضاء على الجريمة والمجرمين.   واستخدم الرئيس في كلمته عبارات مصر القوية الآمنة، والمجتمع العصري، والمستقبل للأجيال والأحفاد، والكفن مالوش جيوب، وأنا رئيس مسلم لدولة مسلمة، والوحدة العربية وووووووووو في إشارة إلى أخذه لمزايا كل من الرؤساء السابقين في تاريخ مصر الحديث.   وتعد هذه هي المرة الحادية عشرة التي يؤدي فيها رئيس مصري اليمين الدستورية أمام البرلمان منذ قيام حركة الضباط الأحرار بثورة عام 1952م.   من جهة أخرى، أصدر الرئيس أمس قرارًا بإعفاء حكومة تسيير الأعمال، وشكرهم على ما قدموه لمصر في هذه الفترة الحرجة، وكلف سيادته الدكتور..... بتشكيل حكومة جديدة، وكذلك أعفى جميع المحافظين واتضح من تشكيلة المحافظين الجدد أن نسبة العسكريين بها لا تتعدى 10%، كما أعفى فخامته أعضاء المجالس المحلية، ودعا إلى انتخابات محلية جديدة تحت إشراف قضائي كامل، وكذلك أعفى شيخ الأزهر، ودعا إلى انتخاب إمام جديد في خلال أسبوع، ودعا أيضًا إلى استكمال الانتخابات النقابية التي لم تتم إلى الآن بما فيها نقابة سائقي التكتك، ونقابة اللي بيعبوا بنزين في المحطات، وأشاد بدور الشعب المصري مسلميه ومسيحييه في تفويت الفرصة على المغرضين الذين كانوا يأملون في هدم نسيج هذا الشعب الطيب، وفي هذا السياق أمر فخامته بأن تكون أنشطة الكنيسة تحت سمع وبصر أجهزة الدولة والجهاز المركزي للمحاسبات، كما هو الحال بالنسبة للأزهر والأوقاف، وليس هناك في الحق لين، أيضًا شمل القرار إنهاء فوري اعتبارًا من تاريخه لقانون الطوارئ وقانون مكافحة الإرهاب، وأشار القرار الذي كان متوقعًا ويحمل رقم 393/2011م إلى أن مرجعيته هي الدستور وقانون الإدارة المحلية.   والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.   وجاء صوت المذيعة معلنًا ختام الوقائع "وهكذا نقلنا لحضراتكم وقائع تنصيب فخامة السيد الرئيس الخامس لجمهورية مصر العربية، ومعه تنتهي آمال العابثين بأمن مصر ومقدراتها وأهلها الطيبين، وتبدأ بها مصر صفحتها الجديدة تستشرف المستقبل الواعد الذي نبنيه لأبنائنا وأحفادنا، والذين هم بدورهم سيكملوا المشوار".   وهنا حملقت بعيني رأسي وسرحت قليلاً، حتى أفقت على صاحبي الذي كنت أحكي له قصة الحلم الذي حلمت به ليلة أمس، وهو يهزُّ كتفي ويقول: "هيه وبعدين؟!" قلت له، ولا قبلين... صحوت من النوم، فردَّ قائلاً: "اللهم اجعله خير"!!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل