المحتوى الرئيسى

د. هشام عبد الصبور شاهين يكتب: دار الظلام

05/23 14:27

سمعت في الفترة الماضية من أحد العقلاء وصفا للحالة المصرية؛ وكان يتحدث عما نعانيه ونعاينه هذه الأيام بعد الثورة المبروكة بمائة يوم، قال الرجل العاقل: إن حالنا في مصر قبل الثورة كان كمثل مريض يعاني من الغرغرينا في ساقه حتى تمكنت منها؛ ولكنه كان يلبس بنطلونا يداريها، ثم اندلعت الثورة فانقطع البنطلون وبدا للعِِــيان ما كان مختبئا تحته، غرغرينا رهيبة ذات رائحة بشعة ومنظر أبشع.، وآثار أبشع وأبشع..وأعجبني التشبيه الواقعي الموجع، وبدأت الأفكار تتلاحق في ذهني، إن ما نعاني منه فعلا في مصر هو هذا المرض القبيح، ولمن لا يعرف الغرغرينا؛ هي موت الأنسجة وتعفنها نتيجة لانقطاع إمدادها بالدم اللازم لحياتها، وهذا الموت يكون مصحوبا بآلام مبرِّحة وعجز كامل وتسمم يسري في الدم والأعصاب، ويمر العضو المصاب في عدة مراحل تنتهي بتلونه باللون البني القاتم فالأسود، ولا حل ناجع إلا باستئصال العضو المصاب؛ وإلا فسمومه ستؤثر على وظائف الجسم كله وتقتله..ولكن ما سبب هذه الغرغرينا في بر مصر ؟من المؤكد أن أسباب المرض عديدة وقوية؛ تماما كأعراضه، ومن المؤكد أيضا أن حصر أسبابه لن يؤثر في اختيار طريقة العلاج التي لن تكون إلا باستئصال العضو التالف للحفاظ على باقي أعضاء الجسم لئلا تصيبها الغرغرينا القاتلة.يا سادتي .. الغرغرينا المصرية هي (العشوائية) التي عششت في كل أنحاء مصر منذ أكثر من خمسة وخمسين عاما؛ بدءا بعشوائية اتخاذ القرارات على مستوى القيادات المتتابعة، وانتهاء بالمناطق العشوائية، وبينهما عشوائية في كل  شئ؛ في المرور والوزارات والمصالح الحكومية وأقسام الشرطة والبنوك والشوارع والمباني والاستيراد والتصدير والإنتاج والاستهلاك والسياحة والثقافة والآثار، وحتى في الإعلام والموسيقى والكتابة والشعر والأدب والرياضة والفن بكل فروعه؛ استشرت العشوائية في البرامج والأغاني والمسموع والمقروء والمرئي.ولكي تدرك عزيزي القارئ ما أرمي إليه؛ سأصف لك ما عاينته بنفسي، وأدع الحكم لك لتصدره بنفسك، أو تقترح حلا غير استئصال العشوائية.... المشهد الأول في رأس البر شم النسيم إللي فات-       بكام كيلو الدنيس يا عم ؟-       بتسعين جنيه يا حاج.. أوزنلك ٣ كيلو ؟-       ال٣ كيلو بتسعين ؟- هاهاهاها..لأ الكيلو بتسعين.. إنت مش من هنا واللا إيه ؟- شكرا يا عم ..الظاهر إن أنا مش من هنا فعلا !-       عدت لأسأل صديقي عن سبب الارتفاع الهائل في أسعار السمك فكانت إجابته صادمة أكثر من إجابة العم بتاع السمك:-       الصيادين بطلوا يصيدوا من فترة.-       ليه ؟-       شوف يا فلان ..السولار في مصر مدعّم، وسعره بجنيه للتر، وده سعر منخفض إذا ما قورن بسعره في البلاد القريبة الأخرى، فالصيادين في عزبة البرج وبرج البرلس والمنزلة إللي عندهم بلنصات صيد؛ شالوا منها تلاجات السمك وحطوا بدلها براميل سولار، يملوها الصبح من محطة التموين إللي في مينا الصيد ويسرحوا في البحر يبيعوها للمراكب الأخرى التي تعود بها إلى بلادها، وسعر البيع ٣ - ٤ جنيه للتر؛ وهم يفعلون ذلك كل يوم بعد الثورة، لأنهم لا يُفتــَشون لا وهم خارجون ولا وهم داخلون، فالأمن لم يعد رجاله بعد، وبعض الصيادين يمارسون هذا التهريب منذ فترة طويلة، ولكن الأمر زاد واستفحل بعد الثورة.  -       المشهد الثاني في طريق مصر حلوان الزراعي المدخل الرئيسي لأكبر أحياء العاصمة العشوائية؛ دار السلام، وللتاريخ .. طريق مصر حلوان الزراعي كان أجمل طرق مصر على الإطلاق، إذ كان يسلكه من يقصد منتجع (حلوان) قبل ١٩٥٢، النيل يجري على جانب والخضرة على الجانب الآخر ممتدة حتى سفح المقطم في مشهد لا يتكرر كثيرا..يا بختهم إللي عاصروه وشافوه....دار السلام الآن لا يمت واقعها بصلة إلى اسمها، فهي -كما أعتقد- البؤرة الأكثر ازدحاما وقذارة وتلوثا وعشوائية على ظهر الأرض..ولا عجب؛ فثلاثة ملايين من البشر يسكنونها والمناطق المحيطة، الشوارع ضيقة والبيوت مبنية على طراز (العشواء)، من ذات الطوابق الخمسة إلى ذات الأربعة عشر طابقا، الصرف الصحي في الشارع الرئيسي فقط، أما في الداخل فلا أراك الله؛ لون الطوب الأحمر هو اللون السائد على كل المباني غير المطلية، ولون التراب يعلو كل شئ من السيارات إلى الوجوه إلى الأخلاق، دار السلام هي منطقة واحدة من المناطق العشوائية في مصر والتي تجاوز عددها السبعين ومائتين وألف منطقة عشوائية (١٢٧٠)! كلها تحكمها ثقافة الميكروباص وأخلاق الميكروباص وبلطجية الميكروباص وأسلوب حياة الميكروباص، بكل ما تحمله هذه الحياة من صفات ..فالضوضاء مخيفة والتلوث مرعب وأكوام القمامة ومخلفات المباني في كل مكان، من طريق مصر حلوان الزراعي حتى البساتين، والمجاري طافحة والرائحة قذرة، والفوضى عارمة، والمواطن المطحون يعيش في كل هذه الظروف السوداء يندب حظه، ويلعن أيامه التي ألقت به في سلة مهملات التاريخ؛ دار السلام أو البساتين أو الدويقة أو الشرابية أو عزبة الهجانة ..... لا يتنفس إلا سوءا، ولا يسمع إلا ضوضاء وسبابا، ولا يشم من هوائها إلا كل عفن، ولا يرى من أخلاق سائقي ميكروباصاتها وبلطجيتها إلا كل نتن. كل هذا في انعدام تام للأمن في هذه المناطق منذ سنوات عديدة، وليس منذ اندلعت الثورة فحسب.... لكم الله يا أهل دار (الظلام) ..السلام سابقا ! المشهد الثالث منذ سنة على شاطئ النيل في مدينة رشيد شمال الدلتا، صندل كبير  محمل بالنخيل ! أيوه .. بالنخيل ، النخلة يتراوح طولها من ٥ – ٨ أمتار ، والمركب عليها عشرون نخلة .-       إلى أين يذهبون بهذا النخل ؟-       بينى وبينك .. رايح إسرائيل ، بيزرعوه هناك فى النقب .-       وبتبيعوا النخلة بكام ؟-       بمائتي دولار .-       بس ؟ ومن إمتى مصر بتصدر نخلها ؟-       من حوالى عشر سنين ، هناك سماسرة يشترون النخيل من رشيد ويصدرونه، فنخل رشيد كما تعلم من أقوى سلالات النخيل فى العالم .للعلم فقط .. النخلة تبدأ حياتها فسيلة فبنت جورة ، ثم تغرس فى التربة لتطرح بلحا بعد خمس سنوات من غرسها، والنخلة البالغة التى تطرح بلحا ويبلغ طولها خمسة أمتار، تقضى فى التربة من 10 – 20 عاما، وملاك النخل فى رشيد يبيعون نخلهم، ولا يفكرون فى رعايته وسقايته وتأبيره ليدر عليهم أضعاف أضعافالمائتى دولار، وفضل بعضهم المكسب السريع حين وجدوا من يشترى منهم التاريخألا ترى معي أيها القارئ الكريم أن كل هذه المشاهد والتصرفات هي من قبيل العشواء الذي انتشر في جسد مصر عبر السنوات العجاف ؟ أليست العشوائية في اتخاذ القرارات على مستوى القيادة هي التي أدت إلى العشوائية في المستويات الأدنى في الوزارات والمحليات، فالأدنى وصولا إلى العشوائية المتمثلة في كل مناحي حياتنا أفرادا ومجموعات وأحياء وحياة؟هل ترى حضرتك حلا لهذه الغرغرينا خيرا من استئصالها من حياتنا ؟ إن اتفقت معي على طريقة العلاج؛ يبقى أن نتفق على سلاح الاستئصال ومن سيقوم بالمهمة الصعبة.السلاح الأقوى والأمضى والأمثل هو الإخلاص، أما من يقوم بالاستئصال فهو الشعب المصري كله، المطلوب يا سادة أن يتولى أمر الناس حاكمٌ مخِلص، يعيد إلى المصريين أملهم في المستقبل، وحين يرى الناس إخلاصه سيخلصون، وسيستأصلون العشوائية من أنفسهم فيتطهرون، وعندما يتوفر الإخلاص من طرفي معادلة السياسة؛ يسهل القضاء على الآثار الحادة والمزمنة لداء العشوائية، بشرط القضاء عليها في أنفسنا أولا. واسلمي يا مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل