المحتوى الرئيسى

حب طائفي

05/23 12:21

يوسف القعيد وهكذا وجدت مصر نفسها وجها لوجه أمام استنساخ قصص حب طائفية‏.‏ أوشكت كل قصة منها أن تصل بالمصريين لحافة الحرب الأهلية‏.‏ سأفترض أنها قصص حب وليست رغبات جسدية‏.‏ ولا تعد تعبيرا عن كبت مجتمعي. أو عجز إنساني عن تدبير أمور الحياة اليومية. أو عشوائية دقات القلوب وبدائية التفكير. لن أجري وراء دروب الإنسان المصري الطالع من رحلة الضني والتعب. وجوه الغبار المغطاة بالذباب. ذلك الإنسان الذي قد لا يشبع من يومه. ولا يجد الوقت الكافي لتأمل مكانه. ولا التطلع لوجوه من حوله. وقراءة ملامحها ومحاولة النظر في أعماقها. في ذلك ـ كله ـ أيها السادة ترف وأي ترف. أعرف مسبقا أن الحب الحقيقي والصادق والبعيد عن أهدافنا الدنيوية سيخرج من النفس الإنسانية أنبل ما فيها. وأن دقة القلب الأولي لا يمكن أن تسبقها أية أسئلة عن الدين أو الطبقة أو النظرة للحياة لأن مثل هذه الأسئلة إن طرحت وعرفت طريقها للعقل تبخر الحب من القلب قبل أن يعشش فيه. لجأت للكتب التي تتحدث عن الحب في مكتبتي ومنذ أن بدأت رحلة العودة وأنا أهتم بكثير من العواطف والمشاعر الإنسانية. ربما كان في المقدمة منها القدرة علي الحب وليس الحب نفسه. وحكاية رحلة العودة قرأتها في المذكرات البديعة التي كتبها روائي روسيا العظيم تولستوي حيث قال إن الإنسان يبدأ رحلة العودة بعد سن الخمسين. ولذلك فإن ذاكرته ترحل نحو البدايات الأولي. وتستوعب ذكريات الطفولة والصبا. مع أنها قد تعجز عن تذكر اللحظات القريبة الهاربة من الإنسان. وما دمنا نتكلم عن الحب. هل نتذكر أيضا قول كازانوفا الشهير بعد تجربته العريضة مع نساء زمانه أن أنوثة المرأة تنتهي عند سن السادسة عشرة. ربما كان هذا سائدا في زمنه. أو أن الدنيا قد عبرته بعد هذه الجملة المستفزة لكل نساء الأرض والمرفوضة من قبلهم. قد يكون الدافع لمثل هذه العبارة التي كتبها كازانوفا في مذكراته تجربته الشخصية أو سأمه من كثرة النساء اللاتي اعترضن طريقه. أعود لدقات الحب الأولي. هل هناك ما يمكن أن ينبئ القلب الإنساني بنوعية الحبيبة التي قد يخفق لها القلب؟! أم أن ضربة القلب الأولي لا تسبقها أية اعتبارات. عند النظرة البكر لا يزيد الأمر علي حدود الشكل الخارجي. وهو غير كاشف للجوهر أو المعدن. أو الديانة. وذلك أمر من المخجل الكلام عنه. فالإنسان عندما يحب فإنه يحب أن يبقي إنسانا أولا. بعيدا عن طبقته أو وجهة نظره في قضايا الحياة أو ديانته. ها هو السؤال الجوهري الذي ألف وأدور حوله متهيبا طرحه أو مؤجلا النطق به حتي آخر هذا المقال. ويبدو أن محاولاتي قد فشلت ولم تصمد حتي النهاية. لذلك لن أقاوم فكرة القفز الي السؤال القديم الجديد الأولي والراهن: هل يسأل القلب الإنسان عن ديانة من يحب. قبل الوقوع في الحب؟ أعتصم بمكتبتي الخاصة كلما توقفت أمام قضية شائكة. وهل هناك ما هو أصعب من شئون القلب الإنساني. عدت للكتاب القديم. طوق الحمامة في الألفة والآلاف. للإمام الفقيه ابن حزم الأندلسي. الطبعة التي حققتها وضبط نصها وحرر هوامشها الدكتور الطاهر أحمد مكي. ونشرته دار الهلال. وقد حرر ابن حزم كتابه الفريد وله من العمر28 سنة استجابة لرغبة صديق له كتب اليه يقترح أن يصنف له رسالة في الحب. هذا فقيه من فقهاء الإسلام في التجربة الأندلسية. وله كتاب كامل عن الحب يوشك أن يكمل أربعمائة صفحة. مكون من ثلاثين بابا. والكتاب التحفة عبارة عن حكايات وأشعار وكتابة عن الحب. بحثت عن وقوع الحب. ثم اكتشاف اختلاف الديانة. الباب الخامس عشر من الكتاب عنوانه: باب المخالفة. وقد تصورته يحقق مطلوبي ويشفي غليلي. وعندما توقفت أمام الباب اكتشفت أنه أقصر أبواب الكتاب. لا يزيد علي نصف صفحة ولا يتكلم عن مخالفة الديانة بين المحبين. ولكن عن وقوع المخالفة بين المحبين. لأن أحدهما حقق مراده. ونفذ مطلوبه. سألت نفسي: هل إغفال مخالفة ديانة المحب عن المحبوب يعني أنها لم تكن مطروحة في زمن ابن حزم الأندلسي؟ مولود في نوفمبر سنة994 م. واسمه بالكامل: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم. وقد ولد في قرطبة. وكان ميلاده صبيحة يوم أربعاء. وتوفي15 من يوليو1 ـ63 ميلادية. وله من العمر69 عاما شمسيا أو72 عاما ميلادية. طرحت علي الكتاب سؤالي: لماذا أغفل ابن حزم الكتابة عن الحب عند وقوع المخالفة في الدين بين المحبين؟! قد تكون الإجابة أن مثل هذه الحالات لم تقع. ولا أعتقد أن مثل هذه الكلام جائز. لأن الرجل عاش حياته في الأندلس. حيث مرت البشرية بحالة فريدة في التعايش الديني الخلاق. كان فيها المسلم والمسيحي واليهودي. وقد وقع في يدي منذ سنوات سفر ضخم عن التعايش بين المسلمين واليهود في الأندلس. يحاول إثبات مدي الفائدة التي عادت علي البشرية من وراء هذه التجربة الفريدة. ولولا خشيتي من تهمة التطبيع بأثر رجعي. لتوقفت أمامه. ربما حدثت حالات حب مع اختلاف الديانة ولكنها لم تمثل مشكلة جوهرية يمكن أن تدفع الرجل لأن يخصص لها بابا في كتابه. الجميل والفريد والعذب. هل معني هذا أن ظاهرة ـ بل ومشكلة ـ الحب الطائفي ابنة زماننا وأيامنا هذه؟. وأقول: ربما. نقلا عن (الأهرام) المصرية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل