المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : مدارس الأحد، يا مدارس الأحد

05/23 11:13

مدارس الأحد هي هيكل كامل، مؤسسة ضخمة داخل الكنيسة المصرية. يرجع البعض تاريخها إلي ما قبل القرن العشرين. كانت مهمتها الأساسية هي تعليم الصبيان والشباب داخل الكنيسة مبادئ الدين المسيحي، وتاريخ الديانة والأقباط. إلا أن العقود الماضية شهدت تحولا كاملا في هويتها ودورها، لتصبح مؤسسة شديدة التضخم، تضمن وتقدم الكثير من الخدمات لهذا الشباب القبطي، رحلات، دروس تقوية، نادي رياضي كنسي، وكل أنواع الأنشطة التي تجعله داخل مجتمع كامل. وتجعله لا يحتاج لهذا المجتمع الكبير الذي يحيط بالكنيسة، لينظر إليه تدريجيا بريبة وربما برفض. الأمان يتحقق فقط حين تكون بقرب المسيح، ومحاطا بمن يشاركونك كل شئ، داخل أسوار هذا المجتمع الكنسي. كنت ممن عاشوا هذا المجتمع حتي فترة المراهقة. خلال السنتين الأخيرتين من الدراسة الثانوية بدأت رحلة الخروج من هذه الأسوار، وبمعاناة شديدة، وكأنني أواجه مغامرة ربما تنتهي بمأساة. ربما أكتب مستقبلا عن هذه التجربة. فالموضوع الآن مختلف. ولأترك مدارس الأحد ومدارس الجمعة مؤقتا لأعود إليهما في نهاية المقال. هل تتذكرون عبد الحارث مدني؟ ربما نساه الكثيرون. بل أن لدي يقينا بأن أغلب السلفيين الذين يسببون لنا “الصداع المجتمعي” الحالي لا يعرفونه أصلا، ولم تهزهم في الماضي قصة أخيهم عبد الحارث، إن كانوا قد علموا بها. أنه محامي إسلامي تم تعذيبه و قتله ربيع 1994. شارك الكثيرون في حركة الاحتجاج الواسعة ضد تعذيبه وقتله، وتم اعتقال أعداد منهم. كان المحتجون من تيارات ومعتقدات مختلفة ومتناقضة، ومن بينهم البعض ممن تشير بطاقاتهم الشخصية إلي أنهم مسيحيون. وقتها لم يعن لأحد الحديث عن هذا التنوع في حركة الاحتجاج، التي كانت بديهية و مبدئية. كان أغلب المعتقلين من التيار اليساري، العلماني والديمقراطي. أستطيع بأن أجزم بأنه إن تكررت قصته، فسوف تتكرر حقيقة أن أغلب المحتجين سيكونون من تيارات غير إسلامية أو دينية. فقضية التعذيب والحقوق السياسية هي قضية مبدأ لدي بعض التيارات التقدمية. والدليل هو ما حدث مع سيد بلال فيما بعد. وهو السلفي السكندري الذي قتل علي خلفية حادثة تفجير كنيسة القديسين. ساعتها لم نر الاحتجاجات العنيفة من السلفيين علي مقتل أخيهم. جاءت الأصوات المحتجة والمتسائلة من طرف الكتاب والصحفيين العلمانيين والتقدميين مرة أخري. وهو ما سيتكرر إن قام المجلس العسكري، البطل، بتحويل أي من الناشطين “الدينيين” لمحاكمة عسكرية. علي سبيل المثال، بعد حادثة سيد بلال بيومين، وقبل ثورة يناير، ولأسباب غامضة، أو معروفة جيدا، لم ينشر مقال لي في أحد المواقع الإلكترونية واسعة الانتشار، وهو الموقع ذو الإدارة المشبوهة، والتي تعجب السلفيين والدينيين، برغم التأكيد المسبق بأن المقال سوف ينشر. كان هذا المقال بعنوان “اغتيال سيد بلال”، وكان يتهم النظام والعادلي باتخاذ قرار واع، وبارد، باغتيال أحد سلفيي الإسكندرية، لأسباب تتعلق بعمل توازن سياسي ما. نفس هذا الموقع، لم يتوقف عن نشر الأخبار غير الصحيحة، أثناء وبعد ثورة يناير. أخبار أخري كانت صحيحة بالطبع، لكنها تمر بماكينة “التضخيم والتهويل” الضروريين بغرض الإثارة، وإشعال بعض النار. وهو ما حدث بالضبط، قبل أيام، مع هذا المدعو “موريس صادق” وقت أحداث إمبابة. حين نشرت أخبارا عن دعوته لدولة قبطية، احتلال أمريكي لمصر، إلخ. من هو موريس صادق أصلا؟ لمصلحة من يحتل بعض المختلين عقليا بتخاريفهم الأخبار والصفحات واسعة الانتشار؟ ولمصلحة من يتحولون لمادة للحوار والصراع اليومي؟ ولمصلحة من يتم حجب الحوار الضروري حول برنامج اقتصادي وسياسي مجتمعي للمرحلة المقبلة؟ إنني لا أكتب كقبطي، مثلما أشار البعض في تعليقاتهم علي مقالاتي السابقة في موقع البديل، بل أكتب وأفكر وأتحرك كمواطن مصري، يساري، علماني، وديمقراطي. يلعب بلا شك الإسلام والمسيحية دورا في ثقافته وتكوينه. وهو ما يجعلني، مع الكثيرين الآخرين، نستشعر كارثة من محاولات تشكيلنا كمواطنين دينيين. وجود موريس صادق وتضخيمه ضروري، كي ينال الآخرون الأكثر ذكاءا وخطورة المساحة الأوسع، والقبول السياسي. مثلما هو حال سليم العوا والأنبا بيشوي. الاثنان ساهما في الكارثة الطائفية التي نعيشها قبل وبعد يناير، الأول عبر تخاريف السلاح القبطي، والثاني عبر تخاريف أن “البلد دي أصلا قبطية”. لم يتم تقديمهما للمحاكمة بتهمة إثارة النزعة الطائفية، أو حتي للتحقيق. برغم ضرورة أن يقدم الأول الدلائل علي أن الكنائس هي مخازن للسلاح، وأن يقدم الثاني الدلائل علي هذا النقاء القبطي لمصر وتاريخها!!! هما الآن مستمران في لعب أدوارهما السياسية المخربة. سليم العوا، الذي يريد أن يصبح رئيسا للجمهورية، يحدثنا عن ضرورة أن يكون الرئيس القادم متدينا. علينا إذا التفتيش عن عدد المرات التي قام المرشح بالصلاة فيها، سواء في الكنيسة أو الجامع، بدلا من أن نتحاور حول برنامج وتوجهات هؤلاء المرشحين السياسيين. أما الأنبا بيشوي فيتم تصنيعه كمفاوض ما بين الأخوان والشباب القبطي، كصاحب مفاتيح الأبواب المغلقة، التي ستفتح علي يديه، كي يتمكن الدينيون من الضفة الآخري من الحديث مع الدينيين من هذه الضفة!!! كانت الترنيمة الكنسية تقول: (مدارس الأحد يا مدارس الأحد… أطلب من الرب يزيدك… وتعيشي للأبد). عاشت وتضخمت مدارس الأحد، كحظيرة تعزل الملايين من المواطنين عن الفعل السياسي. تعزلهم عن إمكانيات النضال من أجل حقوقهم كمواطنين. تضخمت عندما اكتشف السادات الإمكانيات الاستثنائية التي تمنحها له اللعبة الطائفية، وهي اللعبة التي طورها مبارك فيما بعد. تضخمت حين بدأ المسجد في لعب نفس الدور الذي تلعبه الكنيسة، حين بدأت الدولة في التراجع، وعدم لعب دورها الخدمي. فحين تغيب الدولة عن الفقراء وتتركهم عرايا، لابد من أن يمنحهم أحد بعض الأغطية. هنا والآن، مصر بعد يناير، هي المكان الذي يمتلك الإمكانية التاريخية للعمل علي ألا تعيش مدارس الأحد أو مدارس الجمعة إلي الأبد. بل لتنقرض، لصالح خروج المواطنين من حظائرهم الدينية، لانتزاع حقوقهم كاملة، كمواطنين مصريين. هذه المتاريس الصلبة التي كانت تفصلنا عن النظام أيام ميدان التحرير، والتي كنا نقوم بتحريكها تدريجيا، لتتوسع المساحات التي نحتلها ونحررها من وسط البلد، يجب أن تعود، ولكن ليس ما بين بعضنا البعض. إنما بيننا وبين من يعملون بدأب، مع مستشاريهم من المخابرات الأمريكية، لنهب ثورتنا، تخريبها، وجعلنا مكتفين بالمكتسبات التافهة.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل