المحتوى الرئيسى

أخلاق السوق

05/23 08:08

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا»..أشهر ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقى.. ومثله من أبيات وأقوال ورؤى فلسفية وتأملات اجتماعية، أجمعت كلها على أن التحلل من الأخلاق نذير لانهيار أى مجتمع. ورغم أن جميعنا يتفق مع هذا المعنى فإننا لا نأخذه على محمل الجد، ودائما ما يغيب عن تحليلات الأزمات الكبرى التى تواجهنا، وبالتحديد الأزمات الاقتصادية على الرغم من أن الاقتصاد هو أحد أفرع العلوم الاجتماعية، الذى يرصد السلوك الاقتصادى للفرد سواء كان مستهلكاً أو منتجاً أو مدخراً أو مستثمراً، إلا أن العالم أجمع على خلع الصفات الإنسانية عن النظريات الاقتصادية، وإعطائها صبغة مادية جافة وكأن اعتمادها على أرقام تحمل مدلولات غير قابلة للتلاعب (1+1=2) حصانة كافية لانضباطها. حتى وإن تطرق علم الاقتصاد إلى الجانب المعنوى، فهو لا يخرج عن بناء التوقعات للمستقبل، ولكنه نادرا ما يتطرق إلى أثر البيئة الأخلاقية على الإنتاج والتوزيع بل الاستثمار، وإن كان العالم قد بدأ يتنبه إلى ذلك بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، حيث أدرك اليمين واليسار من المفكرين الاقتصاديين مدى مسؤولية العامل الأخلاقى عن الأزمة التى أفرزها «الجشع»، سواء فى جنون المضاربات للحصول على فروق الأسعار وجنى مزيد من الأرباح على حساب الغير، أو تدوير البنوك للقروض مرة بعد أخرى سعيا وراء المزيد من الفوائد. هذا الربط الأخلاقى بالاقتصاد يتجلى بوضوح فى أزمات سوق السلع المصرية الحالية، فالتزاحم الذى تشهده محطات التموين مؤخرا بسبب السولار ومن قبله طوابير البوتاجاز، ومتوقع أن يلحق بهما (بنزين 80)، نجد أنه يبدأ بشائعات نقص المعروض يدعمها التجار والموزعون طمعا فى تحقيق عائد أكبر، وتقابلها سلبية المواطن فى تعامله مع الموزعين، رغم علمه بأنهم يستغلونه واستسهاله إدانة الحكومة، لاسيما مع رصيدها الوافر من المواقف غير المشرفة والتصريحات الوردية والكاذبة، ومن جانب آخر نجد استمرار حالة الفوضى والعشوائية التى تحكم الأداء الحكومى فى مصر قبل وبعد الثورة، وملخص ما سبق فى ثلاث كلمات هى «الجشع والسلبية والكذب» صفات مشتركة فى أغلب الأزمات الاقتصادية فى مصر. ويمكن القول إنه فى ضوء خبراتنا المحلية فإن الأزمات الاقتصادية فى مصر تنطوى طوال الوقت على جانبين يتقاسمان المسؤولية عنها وهما الشح فى المعروض أو عشوائية الأسواق أو الاحتكار، أى الأسباب الاقتصادية التقليدية من جانب، وغياب الأخلاق من جانب آخر، فى معادلة «فيفتى فيفتى» وفى بعض الأحيان يلعب العامل الأخلاقى، أو اللا أخلاقى بمعنى أصح، دور البطولة المطلقة فى الأزمة ويكون هو المسؤول كلية عنها. فنحن الآن فى مصر نواجه رهانا مركبا فيما يتعلق بتحليل أسباب الأزمات التى نطالعها كل يوم فى الأسواق، فمن جانب لا شك أن هناك تخبطاً وقصوراً فى الأداء الحكومى ونقصاً فى المعروض ونقصاً فى النقد الأجنبى يؤثر على كمية الواردات، فضلا عن إدارة إعلامية للملف لا تقنع أحدا وكأن شيئا لم يتغير منذ عشرات السنين، ومن جانب آخر نواجه تدهوراً أخلاقيا لا يقل ضراوة عن حالة الانفلات الأمنى، فهناك تدهور فى أوساط التجار والموزعين يصيبنا فى بعض الأحيان بخيبة أمل فى مستقبل أفضل، والمواطن بعد الثورة لايزال تابعا وليس شريكا. فأين نحن من دولة مثل اليابان فى محنتها الأخيرة، فعقب الزلزال المدمر الذى ضربها وجدنا مواطنين يشترون فقط ما يحتاجونه للحاضر حتى يستطيع الكل الحصول على شىء.. لم نجد عمليات استيلاء جماعية.. لم نجد زيادات فى أسعار السلع والغذاء.. وجدنا فقط التفاهم والتفهم للوضع.. مصر الآن بحاجة لأخلاق الثورة..مصر الآن بحاجة لثورة للأخلاق.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل