المحتوى الرئيسى

الليبيون والعراقيون واللسان المقطوع:الغرب منقذاً بقلم:عبدالعزيز حسين الصاوي

05/22 21:20

عبدالعزيز حسين الصاوي * عام 2000 اصدر مجلس قيادة الثورة العراقي قراراً يقضي بتنفيذ عقوبة قطع اللسان على الجرائم المتعلقة بالاساءه الى القيادة، وذلك بعد ست سنوات من قرارات عقوبة قطع الاذن على الفرار من الخدمة العسكرية وأخرى تعاقب بقطع الايدي والأقدام. قائمة القطع البشعة هذه كانت آخر درجات سلّم الانحدار في مسيرة قطع اللسان المجازي، والاخطر في الأمر، ما يتمثل في الالغاء الكامل والشامل للصوت العراقي - العربي الآخر، بما في ذلك صوت دستور حزب البعث الصادر عام 1947. يصعب تصديق ان ثمة علاقة بين هذا الحزب وذاك الذي يقوم المبدأ الثاني في دستوره على حرية الفرد، جوهر الليبرالية، مثبتاً أن «حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن أية سلطة ان تنتقصها»، ثم يفصل ذلك في مواد عدة، الا اذا أدركنا ان هذا الانحدار البالغ الشذوذ يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ «ظاهرة تحجر اليسار العربي». فالصيغة البعثية زاملت مجموعة صيغ ايديولوجية اشتراكية التوجه خلال النصف الاول من القرن الماضي شكلت سعياً مركزاً ومخلصاً لهز جمود العقل العربي الناجم عن اغلاق باب الاجتهاد الاسلامي، وهو ما أعاقه أن القاسم المشترك بينها كان إغلاق باب التفاعل النقدي، ولكنْ الايجابي، مع التنوير الغربي. وعلى رغم كون التنوير الغربي، وفق قول مبسط، هو «بضاعتنا التي ردت الينا»، من فلسفة ابن رشد حتى موسيقى الفارابي، فإن ظروفاً تاريخية معينة دفعت بتلك الصيغ الى حضن نموذج التحديث الماركسي المطبق سوفياتياً، وبقيت عاجزة عن الاستيقاظ على الخلل الجوهري في هذا النموذج، وهو محاولة إنجاز تحرير الانسان - الطبقة بسلب حرية الانسان- الفرد، وذلك على رغم التشديدات على الخصوصية ومحاولات التميز، لا سيما من جانب النموذج البعثي. الانغلاق المعني سنلحظه قاسماً مشتركاً أيضاً مع الاسلام السياسي في نشوئه الانحرافي، خلال الحقبة الزمنية نفسها، عن تراث الشيخ محمد عبده، أحد اهم ممثلي بواكير التعاطي العربي الاسلامي الايجابي مع التنوير الغربي، عبر مرحلة خليفته الشيخ رشيد رضا. وهو التقاسم الذي افضى حتمياً في نهاية المطاف الى التماهي مع صيغة الاسلام السياسي التقليدي في أدنى درجات انحداره تبشيعاً بكرامة الانسان وجسده، على رغم الصراعات، الدموية احياناً، بين القومي- اليساري والاسلامي... كما أن هذا الانغلاق أفضى، في ما يخص الاحوال العربية الحالية، الى حرمان العراقيين من الخيار الليبي: الترحيب، بل المطالبة، بدور غربي فعال ومباشر لفك قبضة الاستبداد (الوطني) الخانقة على الارادة الشعبية، وهو سبيلٌ لم يترك هذا الاستبداد غيره لحق الشعب الليبي الانساني بالشروع في إقامة نظام ديموقراطي يحرره نهائياً من حاجات كثيرة بينها الاستعانة بالجيوش الاجنبية. خلف توجه المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي لم يستثن الحضور الغربي البري صراحة، رأينا آلاف الليبيين يحملون أعلام الولايات المتحدة الاميركية ولافتات الشكر باللغة الانكليزية. فهل حقاً كان موقف العراقيين إزاء الجيوش الغربية عام 2003 مختلفاً أم ان حملة الابتزاز الضارية التي اطلقها التحالف الاسلامي- القومي- اليساري، الممتدة من التخوين الى التكفير، قطعت ألسنتهم مجازاً حتى بعد زوال النظام الذي ابتدع القطع فعلاً ومجازاً؟ لقد انتخب العراقيون، وأكثر من مرة، السياسيين الذين قبلوا بالاحتلال المشرعن دولياً بعد وقوعه، ولكنْ على اساس طائفي وإثني - قومي كشف عن الآثار العميقة لحملة التجريف من كل اثر استناري التي تعرضت لها البيئة العراقية نتيجة انحدار القيادة البعثية الصّدامية نحو تديين السياسة والثقافة والمجتمع والايغال في احتكار السلطة. وتحت هذه الوطأة الباهظة، مقرونة بالضغوط الهائلة الناجمة عن الحروب والحصارات على حياة الناس اليومية، لجأ العراقيون مرغمين الى حصون الانتماءات ما قبل - الوطنية حفاظاً على الوجود المجرد، مستسلمين في الوقت نفسه، نفسياً وذهنياً، لطوفان التديين المحيط بهم من كل المنافذ في ظروف عزلة مطلقة عن العالم الخارجي. من هنا كان العقل العراقي عام 2003 مهيأً لنقيضين: التعامل الايجابي القبولي بالتدخل الغربي برأس حربته الاميركية كرد فعل طبيعي ضد حالة القمع الممتدة طولاً وعرضاً، وفي الوقت عينه الاستجابة للتحريض ضده لكونه عدواً دينياً وفق منطوق الخطاب الديني الخام الذي تشرّبه من الحقبة الصدّامية. وبينما وفرت قابلية استجابة هذه البيئة الحاضنة لبؤر التكفيريين المحليين والمستوردين القاعديين وغير القاعديين، فإنها لم تلبث ان فجرت مخزون الانقسامات الطائفية - المذهبية والإثنية - القومية الموروث من الحقبة نفسها مرتفعاً الى أتون الحرب الاهلية الشيعية - السنية بين 2006-2008 بعد نسف مرقدي الإمامين في سامراء. شرارة الحرب الاهلية ما زالت متقدة تحت الرماد، والعملية السياسية تترنح من أزمة الى اخرى. فهل ينجح العراقيون في عبور هذه المرحلة الحرجة التي تهدد باستيلاد ديكتاتور جديد غب رحيل القوات الاجنبية؟ مشروعية التساؤل مصدرها الارتفاع المضطرد لمطلب الاستقرار والأمان بأي ثمن في سلّم اولويات الشعب العراقي. والاهم ان هذا الارتفاع معزز بغربة الديموقراطية عن الثقافة السياسية العربية عموماً، بسبب جفاف منبعها التنويري بعد توقف عملية التفاعل مع رصيد تجربة التنوير الغربية. هذا هو البعد الحقيقي للتحدي الذي يواجه مهمة بناء الديموقراطية عراقياً وليبياً، وأمام كل «الثورات» العربية الجارية والمحتملة. ولا يعتبر القبول الاضطراري المشروع بالتدخل العسكري الغربي دليلاً على امكان النجاح في مواجهته. * كاتب سوداني

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل