المحتوى الرئيسى

رسالة الإسلام الخالدة (3)

05/22 21:08

بقلم: محمد عبد الله الخطيب حرية الإنسان وحقوقه تُولد مع الإنسان- أي إنسان- في أي بقعة من بِقَاعِ الأرض؛ حريته وكرامته وحقوقه. قالها عمر- رضي الله عنه- لعمرو بن العاص- رضي الله عنه- حين اعتدى ابنه على ابن القبطي في مصر. أقام الحد على ابن عمرو كما ضرب ابن القبطي، ثم التفت إلى عمرو يقول له في صوت قوي: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". فصارت هذه العبارة، وهذا الموقف دستورًا طبقه المسلمون، وعلموه لغيرهم من الشعوب والأمم.   إن الله عز وجل خلق الإنسان بيده، وأسجد له ملائكته لِيُكَرَّمَ، لا لِيُهَانَ، والذي أسجد الله له الملائكة يجب أن يرتقي بنفسه، وفي حياته، ليعيش مع الملائكة، لا ليرتع مع الحيوان. يعيش مع الملائكة عزيزًا، كريمًا، نقيًّا، طاهرًا، مُبرءًا من النقائص، لا ليعيش مع الحيوان هابطًا، وضيعًا، يأكل أموال الناس بالباطل ويتركهم جياعًا، ولا يعتدي عليهم ويتعالى عليهم، ويشرب من دمائهم.   قال تعالى في هذا الأمر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (177)﴾ (الأعراف).   إن حرية الإنسان وكرامته غالية لا تُباع في سوقٍ، ولا تُشترى من حانوتٍ، إنما هي حقه الملتصق به من الحياة إلى الممات. إنها حرية غالية وقِيمَة ثمينة، ولقد احترمها المسلمون وقَدَّرُوها في جميع الظروف والأحوال. رأى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رجلاً كان قد قتل أخاه في الجاهلية، ثم أسلم، فقال له عمر: "والله لا أحبك!"، قال: "أذلك يمنعني حقي يا أمير المؤمنين؟"، قال: "لا"، قال: "لا حرج إذن، إنما يأسى على الحب النساء".   وقد كان عمر- رضي الله عنه- يستطيع أن يأمر بإدخاله السجن، أو بتعذيبه والانتقام منه، أو اختراع تهمة له ليُلقي به في السجن كما فَعَلَ ويَفْعَلُ البعض بالأمس الغابر، وقد تجاوزت المسألة الإلقاء في السجن إلى القتل في الشارع، وإلى الطعن ثم إلصاق التهم الكاذبة، والتسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ "إرهابي، خارج على القانون، رجعي"، وهذه التسميات لا وجود لها إلا في رؤوسهم، يبرر بها الحُكَّام قتل إنسان خلقه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً!.   لقد شطحت الأمم المتحدة في سنة 1948م؛ فولدت فأرًا كسيحًا اسمه حقوق الإنسان، وأصبحت حبرًا على ورق، والعجيب أن وثيقة حقوق الإنسان هذه وُلِدَتْ في اللحظات التي كان اليهود يفعلون الأفاعيل فيها بالأبرياء من أهل فلسطين، قتلاً، والدفن أحياء، والسجن للجميع، والذين هرعوا لإنقاذهم والدفاع عنهم في ذلك الوقت، ودفعوا بشبابهم لإنقاذ الأمة الفلسطينية من مخالب اليهود، ولؤم اليهود، وخسة اليهود، حاربهم بعض العرب، ولفقوا لهم التهم، ووصفوهم بالإرهابيين والقتلة، وصدقهم الناس الذين يجهلون كل شيء، وإلى اليوم ما زال البعض يطلق عليهم صفة الإرهاب!! إن هذا لشيء عُجاب.   ولقد ذهب شباب الإخوان المدافع عن الحق، وعن الحرية، وعن كرامة الإنسان، فرجعوا من هناك في السلاسل والأغلال، وشهدت "عيون موسى" وسيناء والهايكستب معتقلات لهؤلاء المجاهدين والذين هم في نظر اليهود، وأذناب اليهود، وعملاء اليهود "إرهابيون"، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفهمت حقوق الإنسان على أن بعض الناس يُولد وقد خلق من ذهب فله حقوق، وبعضهم جاء من تراب فلا حق له، ولا كرامة له.   "إن حقوق الإنسان ولدت في ديننا مع النطق بكلمة التوحيد، فعندما نؤمن بالله الذي لا يُعْبَد غيره، ولا يُشَرِع غيره، ولا يَحْكُم غيره، عندئذ تسقط كل الادعاءات التي قامت على باطل، وافتئات على الله الذي له الخلق والأمر. نعم إن الإيمان بوحدانية الله، وقيامه على خلقه، وتدبيره لكل أمر، والإحساس بأنه وحده الضار النافع، الخافض الرافع، المعطي المانع، إن ذلك يمنح الإنسان حرية واسعة تجعله لا يبالي بطواغيت الأرض كلها، لأنهم مهما فحش سلطانهم ليسوا إلا عبيدًا لربه" (محمد الغزالي- مائة سؤال عن الإسلام).   قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾ (محمد).   ولقد تحايل البعض، وعطل أحكام الدستور، واعتدى على كل القوانين، وعطل أحكام القضاء، ومنع حقوق الأمة كلها، فعطل حريتها، وأخمد صوتها، وأكل مالها، وطارد أحرارها، وعبث بمقدراتها، رغم أن الدساتير الحديثة قابلت هذه اللوثة التي تعتري البعض بالتشديد في أمر الشورى، وإلزام أولي الأمر بها، كما وَضَعَتْ قيودًا حديديةً على التصرف في المال العام، ومنع العبث فيه، وكذلك وُضِعَتْ قوانين صارمة لحق كل إنسان في محاكمة عادلة، فلا يُحبس أو يُعْتَقَل، ولا تُلَفَق له التهم، لكنها عند بعض الحكام صارت حبرًا على ورق، وذهبت مع الريح، فأُهين الإنسان، وصُودِرت حريته، وحُرمت عليه الشورى، ودِيْسَتْ كرامته، وأصبح لا يملك من أمره شيئًا، فقد لُفِقَتْ له التهم التي يقضي بسببها عشرات السنين وراء القضبان، وهو يصرخ ولا مجيب، ويُنادي ولا حول ولا قوة.   ثم امتد الأذى إلى سرقة أموال الجميع، ووضعها في الشركات، وشراء الأطيان، ووضع الأموال في البنوك، وتهريبها للخارج، وعاش الإنسان حزينًا مكبلاً بالحديد، متهمًا وهو برئٌ براءة الذئب من دم ابن يعقوب!.   والحمد الله، فقد بدأت طلائع الشعوب تتنبه وتنادي بحريتها، وتدافع عن كرامتها، وتصرخ في وجه الظلم والظالمين، ودفعت في هذا ثمنًا غاليًا من الدماء الزكية الطاهرة، وذهب الشهداء إلى ربهم، لكن بعد أن أدوا دورهم، وصرخوا في وجه الظالم المغرور، الجاهل المستهتر، هو وعصابته.   وانكشف الغطاء للجميع عن عصابات أذلت العباد والبلاد، وعن مجالس اسمها المنتخبة تجيد اللصوصية، وتجيد حرق البخور، واستئجار العصابات التي تقتل الذين يريدون القيام ببعض حقوقهم. والحمد لله فقد ذهب ذلك كله في بعض البلاد، وما زال يقاوم في بعضها الآخر، وسيذهب إن شاء الله بفضل إصرار الشعوب على نيل حقوقها، ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾ (الإسراء).   لا ننس أبدًا في زحام الأحداث، دورنا ومهمتنا التي سجلها الحق تبارك وتعالى في كتابه، فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)﴾ (الحج).   إن دورنا- لو أحسَنَّا أداءه وقمنا به- لهو دور أصيل في حياتنا، بل في حياة العالم، أن تلتزم بهذا الحق، حتى نكون صورة عملية وأخلاقية يراها الناس ويؤمنون بها، وهذا هو الأصل الأول، ثم دعوتنا لهم بما التزمنا به، وقمنا بتطبيقه وتنفيذه في حياتنا بلا تكلف، بل بإخلاص وصدق وحب للناس جميعًا، حتى من يُسيء منهم. ونداوم على هذا الأمر، ونتحمل في سبيله ما تحمله مَنْ سبقونا ومضوا إلى ربهم.   ولقد كان أسلافنا صورة قدوة عملية ناطقة بهذا الإسلام، وصبروا وصابروا، واتقوا الله، فأفلحوا وأثمروا ثمارًا طيبة رآها الناس بأعينهم، ولمسوها بأيديهم، فتجاوبوا معهم، ومدّوا أيديهم إليهم. فهل نتقي الله، ونكون كذلك، وصدق الله العظيم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)﴾ (الرعد)، والحمد لله رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل