المحتوى الرئيسى

> فن «التنصيص»

05/22 21:02

كتب - ضياء أبو اليزيدزوجتي العزيزة ليست مصرية، لكنها تحب مصر وناسها وتراهم أكثر "حنية" من أهل بلدها المعروفين بالجدية والصرامة، لذا فقد اختارت أن تترك أوروبا وتأتي لتعيش في مصر بعد الثورة بأيام، وفي عز المعمعة الأمنية - واضح أنني فخور بهذا الاختيار - لأنها رأت لنفسها مستقبلاً في هذا البلد، لكن نظراً لتربيتها الديمقراطية، فإن هذا لم يمنعها أن تعبر عن رأيها في المصريين من زوايا أخري، فقد قررت بعد أن خاضت تجاربها الأولي-شديدة المرارة- مع الحرفيين و"الصنايعية " في مصر في إطار محاولاتنا معاً تجهيز منزل صغير لنا في القاهرة، أن المصري يملك مهارة وذكاء لا غبار عليهما، لكنه لسبب غامض لا يعلمه إلا الله يفعل دائما نصف الشيء الذي يكلف به، مهما كان المقابل الذي يدفعه صاحب الشغلانة، ولو كان مال قارون، فالمسألة مسألة مبدأ، وليست كسلاً ولا غباوة أوقلة همة والعياذ بالله، والطريف أن هذه "الخصلة" المصرية التي اكتشفتها زوجتي لم يخالفها- ولو من باب أن لكل قاعدة استثناء- واحد فقط من العشرات الذين شاركوا في عملية تشطيب البيت وتأثيثه، علي تفاوت رهيب في مستواهم المهني والاجتماعي وغيره... فالسباك الذي أدي عملاً رائعاً ترك سرسوباً من المياه يصنع خريراً أعلي من شلالات نياجرا ليذكرنا به دائماً، خاصة عندما يعلو صوته في الليالي الهادئة، والمهندس الذي أدخل الكهرباء تسبب في "طيران" جهازين حتي اللحظة.. إضافة إلي أكثر من صدمة كهربائية محترمة تلقتها حبيبتي المسكينة من غسالة الأطباق، وإن كان هذا لم يغضبها لأنها شعرت بامتنان لكونها لم تمت . أما الدولاب المودرن في صدر غرفة النوم، فقد انفرط عقده قبل أن يبرد ثمنه، رغم أنني والله لم أبخل عليهم جميعاً، ودفعت ما طلبوه دون فصال، وفوقه بقشيش لا يدفعه في مصر إلا أبله أو حرامي، حتي أضمن ولاء الصنايعي وأفوز بشغل المعلم لابنه، ولكن هيهات، ما حدش يقدر يضحك علي المعلم، لأن الحكاية كما أكدوا لي ساعة الاتفاق علي الشغل "مش قصة فلوس " لكن للأسف الشديد، فإن أحداً لم يوافق أن يقل لي قصة ماذا هي إذن! الخلاصة: لم أعرف كيف أرد علي اتهام المصريين بما أطلقت عليه " التنصيص" بعد كل هذه الأدلة الدامغة؟ فاكتفيت بأن أدعو الله أن يندثر هذا الفن من حياتنا اندثار الأراجوز، لكنني قررت في الوقت نفسه أن أكون ابن بلد وجدع وأن أكتب هذا الأسبوع ما يساوي "نصف" مقال فقط تضامناً مع إخوتي من المصريين "المنصصين" .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل