المحتوى الرئيسى

> الغُصَّة وما فيها

05/22 21:02

لا تخمد النار بين المسلمين والمسيحيين في مصر إلا لتشتعل من جديد. الخمود هاهنا في الحقيقة هو اللفظ الأدق؛ فمعناه سكون اللهب بينما الجمر مشتعل! هناك مشكلات تاريخية وقانونية واجتماعية بين عنصري الوطن لكن لا أحد يريد أن يقر بذلك فضلا عن أن يناقشه بهدوء وتجرد وموضوعية ! في فترة مبارك اللعين، كانت الأمور تُعَالج أمنيا فحسب، والأمن، أمن الدولة تحديدا، كان يأمر بأغنيتين وطنيتين (حتي كرهنا الأغاني الوطنية كلها أو معظمها!) وبقبلة "مذاعة" بين قس وشيخ أزهري (حتي كرهنا رجال المؤسستين الدينيتين كلهم أو معظمهم!)؛ فكانت النار تخمد إلي حين والمعني صار واضحا بالشرح!! أما عقب الحدث الثوري فلا تبدو، إلي الآن، ملامح علاج ناجع للأزمة الطائفية المتكررة في مصر المحروسة؛ ذلك أن مؤسسة الحكم، في هيئتها الجديدة المؤقتة، ما زالت تميل إلي الابتعاد عن التعليم والثقافة، بينما هما الأساس لحل نهائي أو شبه نهائي، معتمدة علي سواهما ! سن القوانين الرادعة (ما لم تكن موجودة فعليا) وتفعيلها وتطبيقها، بحزم، مهم للغاية (مع الإدارة السياسية الذكية الحازمة بالتأكيد) إلا أن المسألة بلا تعليم جيد وتثقيف ممتاز لا قيمة لأي جهد فيها علي الإطلاق؛ فالتعليم والثقافة، باختيار دقيق لمادتيهما وتخطيط لدرسيهما وبدعم إعلامي لمهمتيهما المتكاملتين، يفضيان إلي وعي مُرَاد، ومثله، أي هذا الوعي المطلوب، هو الخطوة الأهم علي طريق انطفاء النار لا خمودها في مثل هذه الحالة المؤسفة وما يدانيها علوا وانخفاضا. هاهنا أجدني أدعو إلي أن نعترف، أولا، أن تعليمنا يحتاج إلي تعليم! وأن ثقافتنا، في العمق، أصولية متشددة ومثقفينا بياعو كلام وأرباب مصالح، أدعو إلي ذلك، مكاشفة بالحقيقة المرة قبل أن يخيل إلينا أن التعليم القائم يمكنه أن يفيد وأن الثقافة الحاصلة بمقدرتها أن تنفع! ميراثنا البائس ثقيل! وعلينا، وبسرعة، أن نبدأ من جديد مركزين في قضيتي التعليم والثقافة "الواقع والمأمول" قبل أن "يجأ الفتي يافوخه بحديدة..." علي حد قول الشاعر السبعيني المبرَّز حسن طلب! كان الملف، ملف الأقباط، أمنيا محضا قبل الثورة وأظنه صار سياسيا بعدها وهذا تغيير جوهري، وكان الناس لا يتكلمون خوفا فأضحوا يتكلمون باطمئنان وهذا تغيير جوهري، وكان الغموض يلف الأحداث فإذا بالوضوح يغلفها وهذا تغيير جوهري أيضا... بقي إذن أن يصارح بعضنا بعضا في جملة من الحوارات الجادة المتزنة المتواصلة ذوات الأهداف الوطنية المحدد بلوغها بمواعيد ثابتة صارمة، علي خلفية محبة هذا الوطن العظيم الذي يجمعنا، بصلباننا وأهلَّتنا، والذي ليس لنا إلاه مهما ضاق بنا أو ضقنا به، وبقي، بالضرورة، أن نبني، وهمَّتنا عالية، "تعليما علميا" محترما و"ثقافة تقدمية" باذخة؛ فمثلهما الأمل الوحيد الباقي والشرط أن نختار للبناء ثقات من متخصصين أجلاء ومثقفين ضمائرهم ليست ملوثة، ونساند جهدهم بما أوتينا من عقل وقوة! بغير ذلك سنظل في دائرة فعل "خمد" بمنأي عن أي أفعال تقتل جذوة الفتنة قتلا وتجعلها رمادا يلعب به الهواء. والغُصَّة التي تنمو في الحلق عقب الأحداث المؤسفة "قنا- المنيا - القاهرة بإمبابة..." سوف تسده سدا في النهاية؛ وحينها قد يخيم علينا السكوت ويعلو صوت الفقد!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل