المحتوى الرئيسى

الأخوة توأم الإيمان

05/22 16:04

بقلم: د. محمد الدسوقي الأخوة في الله رباط إيماني يقوم على منهج الله، ينطلق من التقوى ويرتكز إلى الاعتصام بحبل الله، وهي منحة ربانية ونعمة إلهية يقذفها الله عزَّ وجلَّ في قلوب المخلصين من عباده والأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه الذين علم منهم صدق الإيمان وسلامة القلوب والصدور والرقي إلى منزلة الإيثار بعد التخلص من آفة الأثرة.   إنها قوة إيمانية نفسية تورث الشعور العميق بالمحبة والعاطفة والاحترام والثقة المتبادلة التي تنبعث من أواصر العقيدة ووشائج الإيمان والتقوى؛ لتتحقق في النفس كل حقوق الأخوة التي تنبع من الإيمان العميق والفهم الدقيق والارتباط الوثيق، وهي تدريب مستمر للنفس تخطئ فيه وتصيب ومع برامج التربية الإيمانية والمجتمعية، وفي ظلال الحب والتناصح تكبر شجرة الأخوة، وتمتد لتظل الجميع بثمار الخير والفلاح.   والأخوة لكلِّ المسلمين هي صفة ملازمة للإيمان بل هي توأمه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، كما أن لا أخوة بلا تقوى ولا تقوى بلا أخوة، يقول الله تعالى: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67)) (الزخرف)، ويقول الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخوة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" متفق عليه.   وفي مقدمة ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والتي قامت عليها بعد ذلك الدولة الإسلامية الراشدة، وإذا أردنا أن تعود هذه الدولة فلا بدَّ من تحقيق هذه المؤاخاة في زمننا المعاصر، وكل بناء على غير هذا الأساس سوف يتعرض للانهيار، وتعصف به رياح الفتن وأهواء النفوس.   والأخوة في الله لها شرائطها نذكر منها: - أن تكون خالصة لله. - أن تكون مقرونة بالإيمان والتقوى. - أن تكون ملتزمة بمنهج الإسلام باتباع الكتاب والسنة. - أن تكون قائمة على التناصح في الله بضوابط الإسلام. - أن تكون قائمة على التعاون والتكافل في السراء والضراء.   وهناك حقوق كثيرة أحب أن نتواصى بها، ونجتهد أن نعمل على تحقيقها في أنفسنا- وأبدأ بنفسي- ولا نتفرغ لنقد بعضنا بصورة تخرج عن واحة الأخوة التي ننعم بها إلى نار التشاحن والعراك والتنافر، وكلها آفات تجهض الأخوة وتقتل الإيمان في النفوس، وقبل أن أذكر نفسي أولاً بهذه الحقوق أحب أن أعقب على التعليقات السابقة على مقالتي "الكلمة من الحسن إلى الأحسن" بأنني انزعجت وتألمت للتراشق الذي تم بين بعض القراء الأحباء، وأدركت أن البعض خرج عن مضمون المقالة وما تهدف إليه إلى شخصنة الموضوع، وانتصر الشيطان في شحن النفوس والصدور ضد بعضها، بدلاً من أن نلتقي على معانٍ وأفعال نتواصى بها ونلتقي عليها ونجتهد في تنفيذها بعاطفة الحب التي تجمعنا وحسن الظن وسلامة الصدر وصدق النية تحت ظلال الإسلام، وهيا نتغافر ونتسامح وندعو الله أن يؤلف بين قلوبنا ويجمع شتات نفوسنا، ويجعلنا من أهل الآية الكريمة: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)) (الفتح).   وحقوق الأخوة كثيرة ومتعددة ومنها: - حق أخيك في نفسك. - حق أخيك في مالك. - حق أخيك في لسانك. - حق أخيك في قلبك. - لا تكلفه بما يشق عليه. - تتغاضى عن أخطائه وتستر عيوبه وتحفظ غيبته. - أن تكون له عونًا ونصيرًا. - التسامح والتغافر. - العون على الطاعة. - النصرة ودرء المظالم. - التواصي بالحق والصبر. - الدال على الخير والتحذير من الشر.   وأكتفي في مقالي هذه بحقين، وللحديث بقية وأنقل عن الأستاذ حسني أدهم في كتابه "الأخوة والحب في الله"، فيقول عن حقوق الأخوة :   1- تتغاضى عن أخطائه وتستر عيوبه.. من حق أخيك عليك أن تتغاضى عن أخطائه، وتستر عيوبه.. فلا يجوز لك أن تفشي سره وأن تلقبه بما يكره، وأن تكشف له عيبًا وجدته فيه، وأن تذكره في غيبته بخصاله الذميمة.. روى "مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وروي في حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟" قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ".   فإذا رأى الأخ من أخيه عيبًا فلا يشهر به، ولا يذكره أمام الناس، وإنما عليه أن يخلو به سرًّا، وينصحه بما تقتضيه النصيحة؛ لأن النصح بين الناس، وذكر العيوب أمام الملأ نوع من التوبيخ والفضيحة للأخ المنصوح، وما أجمل قول الشاعر في هذا المجال: تغمدني بنصحك بانفرادي               وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع                من التوبيخ لا أرضى استماعه   ولا شكَّ أن النصيحة حينما تكون خالصة لوجه الله حاصلة في السر.. فإن الاستجابة لها من قِبَل الأخ المنصوح متحققة.. فمن واجب المؤمن أن يتقبل النصيحة في الله بصدر منشرح، ونفس راضية، وقلب مطمئن.. لأن أخاه لم يرد من نصحه انتقاصه، وإنما أراد تجنبه إثمًا وقع فيه.. رحمة به، ووفاء لأخوته.   1-  التغافر والتسامح فالتغافر والتسامح والعفو عن زلات الإخوان من صفات المؤمن، الذي يكظم الغيظ ويعفو عن الناس وينتحل الأعذار لإخوانه ويحسن الظن بهم، ويختار من الكلمات ما يستل السخيمة من الصدور..   وقد ضرب ابن السماك الزاهد المثل في ذلك حينما قال له صديق: "الميعاد بيني وبينك غدا نتعاتب"، فقال له ابن السماك رحمه الله تعالى: "بل الميعاد بيني وبينك غدا نتغافر"، وهو جواب يأخذ بمجامع القلوب، ويشير إلى وجود قلب وراء هذا للسان يلذعه واقع المسلمين وتؤلمه أسباب تفرقهم.   وكذلك يكون استدراك العاقل لهفوات اللسان، فلماذا التعاتب المكفهر بين الإخوة، كأن كلاًّ منهم يطلب من صاحبه أن يكون معصومًا، أليس التغافر أولى وأطهر وأبرد للقلب؟ أليس جمال الحياة أن تقول لأخيك كما صافحته: "رب اغفر لي ولأخي هذا"، ثم تضمر في قلبك أنك قد غفرت له تقصيره تجاهك.   قال الشاعر المسلم، وقد حدثت بينه وبين إخوانه جفوة فكتب إليهم: من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منا فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا وإن كان ولا بدَّ من العتب فبالحسنى   ثم أبى إلا أن يزيد فرحه بلقاء إخوانه وإزالة شبح القطيعة بينهم وبينه فقال: تعالوا بنا نطوي الحديث الذي جرى        ولا سمع الواشي بذاك ولا ضرر تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضى             وحتى كأن العهد لم يتغيرا لقد طال شرح القال والقيل بيننا            وما طال ذاك الشرح إلا ليكثرا من اليوم تاريخ المحبة بيننا                   عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى فلا تخدش يا أخي محبة إخوانك بكثرة العتاب.. والتمس لهم العذر وتغافر معهم.. فإن هذه الأخوة يترتب عليها أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل بين الإخوة في الجماعة المسلمة.   وأن يكون الخلاف هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه.   ومنها أن يستر عورات المسلمين كلهم قال صلى الله عليه وسلم: "من ستر على مسلم ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة" رواه مسلم، وقال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لهزال الذي أتى بماعز، لو سترته بثوبك كان خيرا لك"، أخرجه مالك، فإذا كان على المسلم أن يستر عورة نفسه فحق إسلامه واجب عليه كحق إسلام غيره، قال أبو بكر رضي الله عنه: لو وجدت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقًا لأحببت أن يستره الله.   وروي عن عمر رضي الله عنه كان يعُسُّ بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة، فلما أصبح قال للناس: "أرأيتم لو أن إمامًا رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟" قالوا: إنما أنت إمام، فقال علي رضى الله عنه: "ليس ذلك لك"، إذا يقام عليك الحد إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم، ثم سألهم فقال القوم مقالتهم الأولى فقال على مثل مقالته الأولى.   وهذا يشير إلى أن عمر رضي الله عنه كان مترددًا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟، فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار؛ خيفة من أن يكون له ذلك فيكون قاذفًا بإخباره، ومال إلى رأي علي إلى أنه ليس له ذلك، وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنا، انظر أخي الحبيب إلى ستر كبيرة من أعظم الكبائر، وهي الزنا فكيف لا نستر على بعضنا أصغر من ذلك؟!..   أدعو الله أن يعيننا جميعًا على العمل بهذه الكلمات المضيئة ويجمع قلوبنا على محبته وطاعته، وأن تتحقق فينا جميعًا نعمة الأخوة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل