المحتوى الرئيسى

حاتم حافظ : في مديح الثورة الثانية

05/22 12:07

تأتي الدعوة لثورة الغضب الثانية يوم الجمعة المقبل لتؤكد أن النبض الثوري لم يزل طازجا، ولم تشوش عليه الأحداث المتعاقبة والمتسارعة طوال الشهور الثلاثة الفائتة، وأن الثوار الذين قضوا ثمانية عشر يوما كاملين في ميدان التحرير وفي ميادين مصر كلها لم ينصرفوا عن مهامهم الثورية، ولم تفتهم محاولات النخب السياسية والدينية اختطاف الثورة، وأنهم ماضون مهما جرى في طريقهم لتحقيق مطالبهم غير منقوصة، ولتحقيقها دفعة واحدة، فالثورة غير الإصلاح لا تقبل مساومات ولا تعترف بمكاسب وقتية.ننزل الجمعة المقبلة لأننا نشعر بعدم الارتياح تجاه ما تحقق، رغم إيماننا بأن ما تحقق ليس هيّنا، فما زال مبارك في مشفاه يسوّف المسئولون في نقله لمشفى السجن، كما يسوّفون في تحقيق العدالة غير المنقوصة بالاقتصاص من قتلة شهدائنا، والمعتدين على مُصابينا، كما يلهوننا بمحاكمة هؤلاء على قضايا مالية متجاهلين محاكمتهم على قضايا سياسية تمس المصريين جميعهم بقدر ما تمس وطنهم، فلم يثر المصريون لأن بعض هؤلاء قد احتفظ لنفسه بمليون هنا أو أهدر مليونا هناك، وإنما ثاروا لأن هؤلاء سرقوا حقهم في الحياة وفي الصحة وفي التعليم وفي الكرامة وفي الحرية، وانتقصوا من كرامة الوطن وحريته، وأضاعوا هيبة الوطن وأفقدوه دوره الإقليمي والعالمي، وأوقفوا عمدا مسيرة الوطن التي بدأت منذ أكثر من عقدين من الزمان لتشكيل دولة حديثة وتركوه نهبا للجهل وللمرض وللفقر.ننزل الجمعة المقبل لأننا لم نصنع ثورة من أجل أن تحكم مقاديرنا من سلطة عليا دون التشاور بشأنها، فإذا كنا قد استفتينا على عدة مواد دستورية وسمح للتيار المتأسلم أن يشق الصف المصري بتخيير المصريين بين الجنة والنار بدلا من دفعهم للتفكير في الاستفتاء باعتباره شأنا سياسيا، فقد تم إقرار بيان دستوري تفوق مواده أضعاف المواد التي استفتينا عليها، دون مشاورة. هذا قبل أن تعلن قوانين مباشرة الحقوق السياسية ـ دون مشاورة المصريين فيها ـ ودون أن تلبي طموحاتهم ـ متجاهلة أن ثورة ما قد قامت قبل شهور من الآن.ننزل الجمعة المقبل لأن أمننا وأمن وطننا ما زال منقوصا، وغير فعال، ولأن المصريين ما زالوا غير آمنين على أبنائهم وعلى ممتلكاتهم، رغم كافة الوعود، والتهديدات، والبيانات. ننزل لأن من وعدوا بالضرب بيد من حديد على مثيري الفتنة الطائفية لم يضربوا بيد من حديد مما يؤهل لأن تشتعل فتن هنا وهناك، ولأن من وعدوا بالضرب بيد من حديد على جيش البلطجية الذين ـ حسب تصريح لوزير العدل يقدر عددهم بنصف مليون كانوا ـ وما زالوا فيما يبدو ـ يقبضون رواتبهم من أمن الدولة ـ يهددون المواطنين ويثيرون الفزع في كل مكان.ننزل الجمعة المقبل لأن المعتدين على كنيسة أطفيح ما زالوا طلقاء، ولأن الذين حرضوا على الاعتداء على المسيحيين وكنائسهم ما زالوا طلقاء، وما زالوا يبثون خطاباتهم المحرضة، لا على المسيحيين فحسب وإنما على المجتمع كله. ننزل لأن هناك من يعلن تكفيره للمجتمع ولمدنية الدولة ويعلن تكفيره للجامعات بدعوى أنها تسمح بالاختلاط ولأن هناك من ضرب بمعاوله في ضريح الشيخ زويد وضرب بمعاوله في تمثال الزعيم جمال عبد الناصر دون أن يخبره أحد أن المصريين هتفوا في الميادين “تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية” وأنهم طالبوا بحريتهم قبل أن يطالبوا بوضع اجتماعي أفضل، إدراكا منهم أن الحرية هي ضمانة للتغيير السياسي والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين بعضهم البعض.ننزل الجمعة المقبل لأن هناك من يراهن على ضجر الأغلبية الصامتة بالثورة تحت ثقل الانفلات الأمني والتهديد بالجوع والانهيار الاقتصادي وبث الفتنة وإشاعة الفوضى دون أن يطلعنا أحدهم على حقيقة ما يجري ولا على خططه لوقف هذا المخطط. الثورة التي قامت من أجل تغيير النظام واستبداله بنظام جديد ديمقراطي وشفاف لن تنتظر قرارات تأتي من أعلى ولن تصبر على خطط واستراتيجيات لا تعرف عنها شيئا.ننزل الجمعة المقبل لأن الثورة طالبت بدستور جديد، دستور يشترك فيه المواطنون جميعا في صياغته، دستور يحدد شكل البرلمان المقبل، وشكل الرئاسة القادمة، ويحدد مواصفات الرئيس القادم، ورفضت أن يصاغ دستورها وفق تصورات برلمان هو نفسه سوف يأتي وفق النظام الذي هدمته. ننزل لأن الثورة كانت محددة في مطالبتها بإلغاء مجلس الشورى فلم يلغ، وفي مطالبتها بالانتخاب وفق القائمة النسبية فلم يحدث، وفي مطالبتها بحق المصريين في الخارج في التصويت في الانتخابات فلم تلب فيما طالبت به.ننزل الجمعة المقبل ونحن على ثقة بأن ما تحقق ليس بالهين، وأن أحلام الثائرين من إحباط مشروع التوريث لحل أمن الدولة لتفكيك الحزب الوطني لتغيير الوجوه القديمة في الوزارة قد تحققت، ولكننا ننزل أيضا ونحن على ثقة بأن ما لم يتحقق قد يهدد ثورتنا فلم يزل الآلاف من ممثلي النظام السابق رابضين في المجالس المحلية وفي الجامعات وفي الإعلام وفي أجهزة الدولة. ننزل لأننا نريد أن يستعيد الصامتون في بيوتهم أمنهم وثقتهم في أن الثورة ليست وبالا على مصر وأنها قد تكون أفضل ما حدث لمصر في تاريخها الحديث.ننزل الجمعة المقبل لأنه إذا كان عدد من المسئولين قد اكتسبوا ثقتنا مثل عصام شرف ونبيل العربي وسمير رضوان وعبد العزيز الجندي فإننا نحتاج أمثال هؤلاء في باقي المواقع، ولأننا نحتاج مسئولين يتفهمون الثورة، ليس شرطا أن يكونوا من خريجي ميدان التحرير كعصام شرف، ولكن من المهم أن يكونوا جديرين بحكومة ثورة لا حكومة إصلاح، فالفارق بين الثورة والإصلاح أن الثورة تنزع نظاما من جذوره وتحل بديلا ثوريا، ولا تتعاطى المهدئات أبدا.ننزل الجمعة المقبل لأننا أولا وأخيرا مصرون على محبة مصر ومتطلعون لأن تكون دولة مدنية ديمقراطية حديثة، يعيش مواطنوها في أمن وحرية وينعمون بالمساواة وبالعدل، ويشتركون في صناعة مستقبلها. والله والوطن من وراء القصد.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل