المحتوى الرئيسى

سقوط بلا ثمن

05/22 08:12

 (ملحوظة: الجانب الإنسانى أرحب وأغنى وأبقى من الجانب السياسى. لذلك أتمنى أن يندمج السادة القراء مع أحداث القصص ولا يجهدوا أنفسهم فى البحث عن إسقاط سياسى). كان يتسكع فى الطريق حينما رآها. امرأة ستينية العمر تدس حافظتها فى حقيبتها القديمة فى إهمال. أيقن من نظرة واحدة أن الحافظة ستقع. همّ بالغريزة أن ينبهها لتحترس إلا أن شيئا ما- لم يكن يدرى كنهه بعد- دفعه إلى التزام الصمت. وتأخر بضع خطوات عنها حتى سبقته ثم راح يتتبعها. امرأة تجاوزت الستين، رغم نحافتها تسير فتلهث. يبدو تواضع حالها من ثيابها السوداء الباهتة وحذائها القديم الرخيص. لم يبد عليها حتى الآن أنها فطنت إلى حافظتها التى خرج معظمها وأوشكت على السقوط. لم يسأل نفسه لماذا يتبعها ولكنه كان يعرف بينه وبين نفسه أنه من أجل الحافظة التى تحتوى على جنيهات قليلة هى فى الأغلب معاشها حتى آخر الشهر. كان الليل قد سقط ظلامه فى الدرب الذى أقفر من المارة إلا منهما، ولكنها لم تفطن إلى تتبعه. امرأة فقيرة مثلها لا تملك غريزة الإحساس بالخطر، لأنها لم تكن أبدا محل مطاردة أو اقتفاء لفقرها الشديد. وحتى لو لاحظت أنه يتبعها فلن تشك فيه، لن تتصور أن هذا الوجه البرىء طفولى الملامح تسكنه روح متمردة آثمة. ربما سترى الفتى القديم الذى كان يسكن هذا الجسد. الفتى الذى كان يحافظ على الصلاة فى المساجد، ويسمع دروس الفقه بعد صلاة العصر. حينما أتم تدريبه كسباك ظل يأبى المكسب الحرام لفترة ويُصر على تحرى الحلال فى مطعمه، لكن الفتى القديم قد رحل مع الراحلين. متى تغير؟ راح يتذكر وهو يتبعها فى إصرار. لا يذكر تاريخا محددا بالضبط ولابد أن الأمر حدث بالتدريج. فى البدء استباح لنفسه أن يأخذ نسبة من أصحاب محال الأدوات الصحية، ثم المغالاة فى الأجر، فهل هى متوالية؟ شىء يؤدى لشىء!، إذا بدأ التنازل انتهى السقوط!؟. لكنه فى أسوأ الأحوال لم يتخيل نفسه سارقا قط، ويسرق مَن؟ هذه المرأة شديدة الفقر! ليتها كانت امرأة ثريّة ليبرر لنفسه! ولكن هل يخدع نفسه؟ أليست السرقة حراما فى جميع الأحوال!. وأخيرا، سقطت الحافظة بصوت مكتوم بجوار قدم المرأة. تمنى نصفه أن تفطن المرأة للأمر، وتمنى نصفه الآخر ألّا تفطن للأمر! لم يكن بحاجة إلى النقود، فهل كان يريد أن يسقط ليكف أمام نفسه عن لعب دور الشريف، وينتهى تماما من صراعه النفسى كلما هم بالتلاعب فى الفواتير!. دعته نقطة النور الأخيرة أن يناديها لتتوقف لكن صوته لم يخرج. على كل حال كانت السيدة قد ابتعدت كثيرا حتى لم تكن لتسمعه وإن أراد. وعلى ضوء المصابيح الخابية الصفراء انحنى ليلتقط الحافظة القديمة دون أن يعلم أنه ارتكب خطيئة السقوط بلا ثمن، لأنها كانت خاوية تماما من أى نقود!!. aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل