المحتوى الرئيسى

ماكينة الشائعات

05/22 08:12

أثبتت التجارب فى مجال الإعلام أن هناك علاقة طردية بين نقص المعلومات وانتشار الشائعات. فمثلها مثل الهواء والماء والطعام والنوم، تعتبر المعلومة حاجة إنسانية فإذا لم تتوافر لنا فإن خيالنا ينشط، رغماً عنا، فى ملء الفراغ، وحين يحدث هذا نكون قد اقتربنا من الدخول إلى دائرة نظريات المؤامرة، ولا أحد يستريح لموقف كهذا إلا الجاهلون أو أصحاب الغرض. فى الطريق إلى أصحاب الغرض يقبع أربعة أصناف من «الإعلاميين»: أولاً، المتمكنون من أدواتهم، لكنهم ليسوا من أصحاب المبادئ. وثانياً، غير المتمكنين من أدواتهم، ولا هم من أصحاب المبادئ. وثالثاً، غير المتمكنين من أدواتهم، لكنهم من أصحاب المبادئ. ورابعاً، المتمكنون من أدواتهم أصحاب المبادئ. والذى لا يحتاج إلى كثير من البرهان أن أصحاب الغرض حين يحاولون «استخدام» الإعلاميين فإنهم يعلمون - بالفطرة فى كثير من الأحيان - أن الترتيب المشار إليه أعلاه فى تصنيف الصحفيين هو أفضل ترتيب من وجهة نظرهم. فالصنف الأول قد يكون نادراً لكنه أقوى حليف يمكن الحصول عليه لتسميم الأجواء وإشاعة الفوضى بأقل قدر ممكن من المخاطرة. والصنف الثانى، وهو أكثر انتشاراً، يؤدى الغرض لكنه فى بعض الأحيان يكون كالدب الذى أراد أن يهش الذباب عن وليده فأصابه فى مقتل. والصنف الثالث يحتاج إلى بعض الجهد لخداعه وإيهامه بأنه - على سبيل المثال - سيكون وطنياً إذا ركز على هذه «المعلومة» أو تلك. أما الصنف الرابع فلا طائل منه من وجهة نظرهم فتراهم يتجنبونه، وفى بعض الأحيان يقررون أن يحاربوه. تقدم الحياة «الإعلامية» فى مصر الآن مثالاً فى منتهى الثراء لدارسى جمع «الخبر» وصياغته، سنقرأ عنها كتباً كثيرة بلا شك فى المستقبل القريب. لكنها تجعلنا فى الوقت نفسه نعود بالذاكرة إلى الماضى القريب، قبل نحو شهر من مولد الثورة المصرية، عندما أتاحت أهرام أسامة سرايا صفحاتها لسلسلة «مقالات» من النَفَس الطويل للكاتب المهندس أحمد عز يشرح فيها كيف كنا جميعاً من الغباء بحيث ظننا أن «انتخابات» مجلس الشعب الأخيرة كانت مزيفة. من بين ما سمعته وما قرأته، لم أجد أبلغ من رد مواطن عادى أثبت لنا فى الواقع - نحن الإعلاميين - أنه إعلامى من الطراز الأول وهو لا يعلم. وقتها كتبت المقال التالى بتاريخ 26 ديسمبر 2010 بعنوان: «مصر الحقيقية ترد على عز»: إذن فقد تحدث أمين التنظيم فى الحزب الوطنى المكتسح لمجلس شعب هو سيد قراره. أفردت له «الأهرام» - التى تحصل على ميزانيتها الضخمة من جيبك ومن جيبى، ومن جيوب الغلابة والمطحونين - من المساحة ومن الاهتمام ومن الترويج ومن الإخراج الفنى ما لم تفرد ربعه لأحد آخر. ليس من الصعب تخيُّل لماذا اضطر السيد أحمد عز إلى أن يتحول إلى كاتب طويل النفس، فلابد أنه يتابع - أو ربما يتلقى - تقارير منمقة عن حالة الكمد والرفض والقرف التى أصابت عامة الشعب المصرى لسنوات طويلة، وهى حالة زادت حدة حتى تحولت إلى حالة كوميمأساوية أثناء وبعد «انتخابات» مغتصبة باطلة بحكم محكمة. لابد أنه وجد أن من واجبه أن يشرح لهؤلاء الذين يشعرون بما يشعرون أنهم لا يشعرون حقاً بما يشعرون، لأن أولئك الذين رأوا ما رأوا لم يروا حقاً ما رأوا. «هو الجدع ده بيتكلم عن أى بلد بالظبط؟».. تساؤل فى سياق تعليق مختصر لأحد قراء موقع «اليوم السابع» الذى نقل المقال عن «الأهرام» كى تنهال عليه تعليقات القراء الذين لم يجد كثير منهم أبلغ من ذلك الملاذ الأخير: «حسبنا الله ونعم الوكيل». بعيداً عن تحليلاته لما حدث للوفد وللإخوان المسلمين، لجأ أمين التنظيم، الذى يؤمن بالتحديث وبآخر صيحات الموضة السياسية، إلى لغة الأرقام مرة أخرى. وهى لغة، لا غبار عليها من الناحية النظرية شرط أن تكون حقاً صحيحة دقيقة فى المقام الأول، وفى المقام الثانى ألا تنتزع من سياقها انتزاعاً يفرغها من معناها ويضلل المتلقى. أمام هذا لا أجد أبلغ مما ساقه أحد القراء، الذى وقع باسم «إبراهيم»، فى رده على السيد أحمد عز: «بما أن سيادتكم تحدثتم بلغة الأرقام، فسأجيبكم أيضاً بلغة الأرقام، والأمر متروك لضمير سيادتكم: هناك ٣٠ مليون مصرى مريض بالاكتئاب، منهم مليون ونصف المليون مرضى بالاكتئاب الجسيم، من بينهم ١٥% يلجأون إلى الانتحار (المرجع: د. أحمد عكاشة فى ندوة «المصرى اليوم» بتاريخ ٢٨/٩/٢٠٠٩). مصر تحتل المركز ٥٧ من بين ٦٠ دولة فى تقرير البؤس العالمى (المرجع: مؤشر بلومبيرج). لدينا ٤٨ مليون فقير و١١٠٩ مناطق عشوائية (المرجع: تقرير صندوق النقد الدولى للتنمية الزراعية). لدينا مليونان ونصف المليون يعيشون فى فقر مدقع (المرجع: تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإدارية). ٤٥% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر بأقل من دولار فى اليوم (المرجع: لجنة الإنتاج الزراعى فى مجلس الشورى). لدينا ١٢ مليون مصرى دون مأوى، منهم مليون ونصف المليون يعيشون فى المقابر (المرجع: الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء). ما لا يقل عن ٤٦% من الأسر المصرية لا تجد الطعام الكافى للحركة والنشاط (المرجع: تقرير شعبة الخدمات الصحية والسكان فى المجلس القومى للخدمات والتنمية الاجتماعية). لدينا ٨٨ ألفاً و٧٧٩ قتيلاً و٣٧٩ ألفاً و٢٣٣ مصاباً بسبب حوادث الطرق فى الفترة من ١٩٩٠ إلى ٢٠٠٦، وهو ما يمنح مصر المركز الأول على مستوى العالم (المرجع: الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء). لدينا ٧٣٩٤ حادثاً بقطاع السكة الحديد فى الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٦ أسفرت عن مصرع ٥٧٣ شخصاً وإصابة ٨٠٥ آخرين، كما أن لدينا ٤ مليارات جنيه خسائر سنوية بسبب حوادث الطرق (المرجع: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار). لدينا ٣٩ ملياراً و٣٧٣ مليوناً و٥٢٤ ألف جنيه أموالاً و٣٧٠٤٤١ فداناً دارت حولها أخبار الفساد المالى والإدارى والإهمال وإهدار المال العام فى الفترة من أبريل ٢٠٠٨ إلى يناير ٢٠٠٩ (المرجع: تقرير عام ٢٠٠٨ لمركز الدراسات الريفية). مصر تحتل المركز الأخير بين ١٣٤ دولة فى معدل تعيين الأقارب والأصدقاء فى المناصب المختلفة (المرجع: تقرير التنافسية العالمية). مصر تحتل المركز ١١٥ بين ١٣٤، وفقاً لمؤشر مدركات الفساد الذى يقيس درجة انتشاره بين المسؤولين فى الدولة (المرجع: تقرير التنافسية العالمية). مصر تتراجع من المركز ٧٢ عام ٢٠٠٦ إلى المركز ١٠٥ عام ٢٠٠٧ إلى المركز ١١٥ عام ٢٠٠٨ فى مؤشر الشفافية والنزاهة (المرجع: منظمة الشفافية العالمية). لدينا أعلى معدل لوفيات الأطفال فى العالم بواقع ٥٠ طفلاً لكل ١٠٠٠ مولود (المرجع: جهاز التعبئة العامة والإحصاء). نصف أطفال مصر لديهم أنيميا، و٢٩% منهم لديهم تقزم، و٢٤% منهم لديهم قصر قامة حاد، كما أن لدينا ٨ ملايين شخص مصاب بالسكر و٩ ملايين شخص مصاب بفيروس سى، الذى يضع مصر على قمة دول العالم فى الإصابة بهذا المرض (المرجع: د.مديحة خطاب، رئيس لجنة الصحة بأمانة السياسات فى الحزب الوطنى الديمقراطى). لدينا ٢٠ ألف مصرى يموتون سنوياً بسبب نقص الدماء (المرجع: تقرير لوزارة الصحة المصرية). لدينا أكثر من ١٠٠ ألف مواطن يصابون بالسرطان سنوياً بسبب تلوث المياه (المرجع: د. أحمد لطفى، استشارى الأمراض الباطنة والقلب فى مستشفى قصر العينى). لدينا سيارة إسعاف لكل ٣٥ ألف مواطن (المرجع: د. حاتم الجبلى، وزير الصحة، «الأهرام» فى ٣/٧/٢٠٠٨). من كل ١٠٠ شاب لدينا ١٦ استخدموا المخدرات، ولدينا ١٠ ملايين عاطل بين سن ١٥ و٢٩، أى نحو ٢٢% من إجمالى قوة العمل، كما أن لدينا ٩ ملايين شاب وشابة تخطوا سن الـ٣٥ دون زواج، بمعدل عنوسة ١٧%، ولدينا ٢٥٥ ألف حالة زواج عرفى بين الطلاب، وهو ما يعادل ١٧% من إجمالى طلاب الجامعات فى مصر، نتج عنها ١٤ ألف طفل مجهول النسب. مصر أيضاً تحتل المركز الأخير بين ١٣٤ دولة فى مؤشر كفاءة سوق العمل، والمركز ١٢٩ فى معدل هجرة العقول العلمية والموهوبة والمركز ١٢٥ فى مؤشر استقرار الاقتصاد الكلى (المرجع: تقرير التنافسية العالمية). لدينا،أخيراً، ٤٠ حالة تعذيب ثابتة رسمياً فى عام ٢٠٠٧ و٢٨ حالة ثابتة رسمياً فى عام ٢٠٠٧ عدا الحالات التى لم يمكن إثباتها، كما أن لدينا حالة وفاة تحت التعذيب فى ٢٠٠٧ و٥٦ حالة تعذيب لمواطنين داخل أقسام الشرطة، من بينها ١٣ حالة وفاة غامضة و٢٥ حالة اضطهاد واحتجاز تعسفى فى الفترة من يونيو ٢٠٠٨ إلى فبراير ٢٠٠٩ (المرجع: المنظمة المصرية لحقوق الإنسان)». شكراً للسيد أحمد عز الذى أتاح لنا مناسبة لعرض هذه الأرقام والإحصاءات التى لا يمكن أمامها لإنسان لديه قطرة دم إلا أن يشعر بالخزى والعار والمهانة. وشكراً للمواطن «إبراهيم» الذى قدم لنا فى تعليق عابر ما لم تقدمه لنا أحزاب المعارضة المصرية فى سنوات. استقيموا يرحمكم الله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل