المحتوى الرئيسى

سيناء حكايات ترويها الأحجار‏..‏وحقائق تكشفها الآثار

05/22 00:15

مرة أخري نجد أنظارنا مشدودة صوب سيناء بعد تكرار متوالية من الأحداث المؤسفة علي أرضها كان آخرها حادث التفجير الذي تعرضت له مدينة الشيخ زويد‏.‏ كم من الأحداث التي تبدو للوهلة الأولي منقطعة الصلة ببعضها البعض وإن كانت في مجموعها تبدو كعقبة كئود أمام محاولات استعادة سيناء لحضن الوطن الأم و توظيف إمكانياتها الاقتصادية والثقافية لتحقيق التنمية المستدامة وحل الكثير من مشاكلنا وأبرزها مشكلة البطالة, و هي الدعوة التي تبنتها دنيا الثقافة علي مدي السنوات الماضية., والتي ستظل مع الأسف مجرد حلم طالما استمرت الحكايات و المعلومات المغلوطة, التي تمثل في مجموعها حلقة جديدة من حلقات محاولة طمس هوية سيناء و تأجيج نيران الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد. ومن المؤكد أن حالتي العزلة و الإهمال اللتين تعرضت لهما سيناء في العصر الحديث كفيلة بأن تستثير شهية الطامعين فيها.فلم يقتصر الأمر منذ نكسة67 علي محاولة إسرائيل الاستيلاء علي خيرات سيناء و مواردها الطبيعية وإجراء الحفائر الأثرية في أكثر من منطقة في أثناء فترة الاحتلال,- كانت أولاها بعثة جامعة بن جوريون التي بدأت عملها عقب النكسة مباشرة في شمال سيناء علي طريق حورس بطول160 كم و عرض20 كم,- لكن يظل الخطر الأكبر و المستمر محاولة تزوير تاريخ المنطقة عبر النشر و الترويج لعدد من الأبحاث في عدد من الدوريات العلمية الإسرائيلية والإصرار علي الادعاءات بالهوية اليهودية لسيناء ومحاولات طمس الدلائل والمعالم الكاشفة لطبقات و عصور التاريخ المصري, وهي المحاولات التي تجلت بوضوح في كتابي الأثري الأمريكي جيمس هوفير إسرائيل في مصر الذي استعرض فيه الوجود الأثري لإسرائيل في مصر, وكتاب إسرائيل القديمة في سيناء الذي ركزعلي أبحاث إسرائيلية لإثبات يهودية سيناء. من هنا تتضح أهمية الدراسة التي أعدها الباحث عبد الرحيم ريحان لنيل درجة الدكتوراه تحت عنوان منطقة الطور بجنوب سيناء في العصر الإسلامي والتي عمد خلالها لتوثيق آثار طور سيناء ومكتشفاتها علميا وإلقاء الضوء علي أهميتها التاريخية والأثرية والحضارية لحمايتها مستقبلا من أي محاولة لتغيير معالمها أو تزوير تاريخها. استهل الباحث دراسته بتمهيد عن منطقة الطور في جنوب سيناء العامرة بالآثار المسيحية قبل العصر الإسلامي والمنشآت الرهبانية بها وعمارة دير الوادي في القرن السادس الميلادي والمقتنيات المسيحية المستخرجة منه والمواقع المسيحية بالطور والمواقع الأثرية الإسلامية, و أشار الباحث إلي أصل الاسم الذي ورد في القرآن الكريم باسم طور سينين, فالطور في اللغة يعني الجبل الذي يكسوه الشجر, أما سينين فمعناها الشجر وعلي هذا فطور سينين معناها منطقة الجبال آلتي تكسوها الأشجار والنباتات. وقد تضمنت رسالة الباحث التي قسمها لخمسة فصول العديد من الخرائط والمخططات, بلغ عددها145 شكلا, إضافة إلي496 صورة فوتوغرافية لآثار طور سيناء والتحف المنقولة المستخرجة من مواقعها الأثرية. ولعل أهم ما تكشفه وقفات الباحث المتأنية أمام المواقع الأثرية التي اختارها أنها تقدم إطلالة, علي سيناء وتاريخها من خلال آثارها و فنونها التي عكست نظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والنظم العرفية والقوانين التي نظمت قبائله والحياة الاقتصادية والاجتماعية ليتحقق العدل للجميع ولتسخير البيئة الصحراوية لخدمة السيناويين. ورغم أن فترة احتلال سيناء قد شهدت تدمير العديد من المواقع الأثرية الإسلامية بسيناء ونهب محتوياتها, والقيام بحفائر بأساليب غير علمية باستخدام البلدوزر, إلا أن دراسة القطع الأثرية و الوثائق المستخرجة من تل الكيلاني والوثائق المحفوظة بدير سانت كاترين ودير الوادي والمنقولات الإسلامية المستخرجة من دير الوادي و التراث العمراني الباقي حتي هذه اللحظة والمتمثل في دير الوادي بطور سيناء والمواقع ذات دلالة حضارية بالطور في العصر الإسلامي التي حددها الباحث في قلعة الطور وكتاب الأم وجامع الجيلاني( الكيلاني) ومحجر الطور ودير القديس جاورجيوس و منازل الكيلاني و جبل الناقوس, تكشف الكثير عن حياة أبناء سيناء علي مر العصور وأسماء القبائل التي كانت تعيش في منطقة الطور ودورها في الإشراف علي بعثة الحجاج المصريين وحماية الأقلية من مسيحيين ومسلمين من سكان حديقة فيران وسكان حديقة الحمام( حمام موسي) دون مقابل و نقل مستلزمات الدير و رهبانه وتأمين الحجاج المصريين من مسلمين ومسيحيين وزوار البلاد للأماكن المقدسة وحمايتهم من أي مكروه يتعرضون له وحماية رهبان الدير وعدم فرض أية أموال علي منقولاتهم ومزارعهم. وقد كشفت الدراسة عن التأثير القبطي في الأسلوب التخطيطي في رسم زخارف الخزف الذي ظهر في رسم الأشكال الآدمية والبعد عن التجسيم, وكذلك رسوم الحيوانات والطيور وتكوينات الأسماك وغيرها من الرموز ذات الدلالة في الفنون القبطية والمسيحية. كما اهتم الباحث بنوعية الأواني الفخارية المستخرجة من الطور أنها مستخرجة من المواقع الأثرية بطور سيناء وأنها كانت منتشرة في مصر في العصر الفاطمي إذ وصفها الرحالة الفارسي ناصر خسرو, وقال إن التجار و البقالين كانوا يستخدمونها بديلا عن الورق فيضعون فيها ما يبيعونه ويأخذها المشتري بالمجان. في رسالته للعديد من النماذج لأطباق من الخزف ذي البريق المعدني المستخرج من المواقع الأثرية بطور سيناء والمزخرف بزخارف آدمية وحيوانية ونباتية وهندسية وكتابات عربية, علاوة علي زخرفة النجمة السداسية والذي أكد الباحث من خلالها أن الأواني النجمة إسلامية ولا علاقة لها بالصهيونية حيث أوضح أن النجمة السداسية ظهرت في الآثار المصرية القديمة والديانة الهندوسية و الزرادشتية إلا أن دلالاتها في الحضارة الإسلامية تعبر عن العلاقة بين السماء و الأرض, ذلك أن النجمة الخماسية عبارة عن تداخل زاويتين والثمانية تداخل مربعين وكل هذا يعبر عن العلاقة بين الروح والمادة فالمربع يعبر عن الجهات الأصلية ويرمز للثبات والكمال والمثمن انعكاس للعرش الإلهي الذي تحمله ثمانية ملائكة والشكل الكروي يعبر عن الكون والخط المستقيم يمثل الفكر والمخمس الطبيعة والمسدس جسم الإنسان وأيام الخلق الستة والنجمة تعبر عن الكون ورب الكون, لتصبح الأشكال النجمية في الزخرفة الإسلامية قمة ما ابتدعه الفنان المسلم في مجال الزخرفة الهندسية. وأخيرا فإن هذه الدراسة و غيرها من الدراسات التي تحاول أن تستنطق الأحجار و تفك طلاسم و أسرار الزخارف و الأشكال الهندسية تضعنا أمام بناء لزمن كامل كاشف لحكايات البشر ولامتدادات الثقافة المصرية وتعدد مستويات الوعي فيها, وهي عناصر ما أحوجنا إليها الآن ليس فقط لوأد الفتن بل أيضا لتوظيف موروثاتنا الثقافية لتحقيق التنمية علي كل المستويات للخروج من عنق الزجاجة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل